أجّجت التقارير عن تعليمات إيرانية لـ«حزب الله» بالانخراط في مواجهة واسعة إذا تجدّد الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران المخاوف من حرب إقليمية وشيكة. لكن الكاتب العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي يميّز بين التهديد الفعلي وغياب معلومات استخباراتية مؤكدة عن هجوم وشيك، محذّراً من أن التصريحات التصعيدية لبنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس قد تغذّي سوء التقدير، في وقت تتداخل فيه حسابات الأمن مع المصالح الانتخابية.
لا تتوافر معلومات استخباراتية مؤكدة تشير إلى قرار إيراني أو من «حزب الله» بمهاجمة إسرائيل، سواء قبل الانتخابات الإسرائيلية أو بعدها. لكن النقاشات داخل القيادة الإيرانية بشأن احتمال شنّ هجوم استباقي، خشية تعرض إيران لضربة أميركية-إسرائيلية، تثير مخاوف من سوء تقدير قد يفجّر مواجهة إقليمية.
هذا ما يخلص إليه تحليل للكاتب العسكري الإسرائيلي رون بن يشاي، الذي يرى أن المخاوف الأمنية لها ما يبررها، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يساهمان، عبر تصريحاتهما وتحركاتهما العسكرية، في رفع منسوب التوتر، بما قد يخدم مصالحهما الانتخابية ويز يد خطر الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.
لا قرار مؤكداً بالحرب
بحسب بن يشاي، يدور النقاش داخل القيادة الإيرانية حول كيفية الاستعداد لاحتمال هجوم أميركي، ولا سيما في ضوء ما قد تتخذه إدارة الرئيس دونالد ترامب من خطوات بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي. ولا يتمحور هذا النقاش أساساً حول الانتخابات الإسرائيلية، بل حول توقيت أي مواجهة محتملة مع واشنطن وتل أبيب.
وفي هذا السياق، أفادت تقارير في الصحافة العربية بأن طهران أبلغت «حزب الله» ضرورة الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة إذا شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً جديداً على إيران، أو نفذتا سلسلة من الغارات الجوية.
لكن هذه المعطيات، وفق القراءة التي يعرضها بن يشاي، لا تعني وجود قرار إيراني أو لدى «حزب الله» ببدء الحرب في موعد محدد، ولا تثبت وجود خطة عملياتية جاهزة للتنفيذ.
ويكمن الخطر في احتمال أن تفسّر طهران التحركات العسكرية الأميركية والبريطانية، أو التصريحات الإسرائيلية المتصاعدة، على أنها مؤشرات إلى أن الهجوم بات وشيكاً. وقد يدفعها هذا الاعتقاد إلى شنّ ضربة استباقية تستهدف القوات الأميركية في الشرق الأوسط وإسرائيل وحلفاء واشنطن العرب في الخليج.
نتنياهو وكاتس يرفعان منسوب التوتر
يرى بن يشاي أن التحسب لاحتمال سوء التقدير أمر مشروع، خصوصاً بعد هجوم 7 أكتوبر وما كشفه من مخاطر المفاجأة الاستراتيجية. لكنّه يميّز بين الاستعداد العسكري الذي تفرضه التهديدات المحتملة وبين التصريحات السياسية التي قد تزيد من احتمالات التصعيد.
ويطرح تساؤلات بشأن الظهور المتكرر لنتنياهو وكاتس في قواعد ومنشآت عسكرية، وتصريحاتهما المتشددة حيال إيران و«حزب الله» وحركة «حماس»، في ظل غياب معلومات مؤكدة عن هجوم وشيك.
ويعتبر أن هذه التحركات قد تكون لها غايات انتخابية، إذ يسعى نتنياهو، وفق التحليل، إلى ترسيخ صورته بوصفه «رجل الأمن»، وإقناع الناخبين بأن حكومته قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، في وقت تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية.
ويشير الكاتب إلى مفارقة تتمثل في أن الحكومة تتباهى بإنجازاتها العسكرية، فيما تسهم تصريحات مسؤوليها في إثارة مخاوف إضافية لدى الجمهور من احتمال اندلاع حرب جديدة.
ولا يستبعد بن يشاي أن تكون هذه التعبئة الأمنية محاولة لتحسين موقع حزب الليكود انتخابياً، لكنه يشدد ضمناً على ضرورة التمييز بين هذا التقدير السياسي وبين الادعاء بأن نتنياهو يخطط فعلياً لافتعال حرب أو تأجي ل الانتخابات. فلا توجد، بحسب عرضه، أدلة حقيقية تثبت وجود خطة من هذا النوع.
رسائل كاتس إلى «حزب الله»
لا يقتصر التصعيد، وفق التحليل، على الخطاب السياسي، بل يشمل تهديدات عسكرية أعلنها كاتس بشأن أي مواجهة محتملة مع «حزب الله».
ومن أبرز هذه التهديدات:
ويثير بن يشاي تساؤلات بشأن مدى التنسيق بين هذه التهديدات والموقف الأميركي، مشيراً إلى أن الرئيس ترامب سبق أن طالب إسرائيل بتجنب استهداف الضاحية الجنوبية.
كما يحذر من أن الإعلان المسبق عن خطوط الردع الإسرائيلية قد يقيّد هامش المناورة أمام القيادة السياسية والعسكرية، ويضع إسرائيل أمام خيارات صعبة إذا اندلعت مواجهة فعلية، ولا سيما في حال تعارضت قراراتها العسكرية مع توجهات واشنطن.
عوفدا ورسائل نتنياهو إلى الناخبين
ويتناول التحليل أيضاً الزيارة التي قام بها نتنياهو للقاء وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في قاعدة عوفدا الجوية داخل إسرائيل، معتبراً أن اختيار القاعدة بدلاً من مقر رسمي في القدس يحمل دلالات سياسية ورمزية.
ويرى بن يشاي أن الزيارة ساهمت في إبراز حجم الحضور العسكري الأميركي داخل إسرائيل، لكنها أثارت، في المقابل، تساؤلات بشأن صورة الدولة الإسرائيلية واستقلالية قرارها، خصوصاً في ظل اعتمادها المتزايد على الدعم الأميركي.
كما ينتقد عرض نتنياهو ما وصفه بـ«المفهوم الأمني الإسرائيلي»، معتبراً أن ما قدمه لم يكن استراتيجية أمنية متكاملة أقرّتها الحكومة، بقدر ما كان مجموعة من المبادئ التي يسعى رئيس الوزراء إلى تقديمها بوصفها دليلاً على قدرته على حماية البلاد.
ويتوقف الكاتب كذلك عند انعكاسات بعض الرسائل الإسرائيلية على العلاقات مع الدول العربية، مشيراً إلى أن إظهار أطراف سودانية متهمة بارتكاب انتهاكات في دارفور ضمن خريطة للتحالفات المحتملة مع إسرائيل قد يثير اعتراضات عربية.
ردع إيران من دون دفعها إلى الضربة الاستباقية
على الرغم من انتقاداته لخطاب نتنياهو وكاتس، لا يدعو بن يشاي إلى خفض الجهوزية العسكرية الإسرائيلية. بل يرى أن المعطيات المتداولة عن النقاشات الإيرانية، إلى جانب احتمالات التصعيد على الجبهات اللبنانية والفلسطينية، تبرر رفع مستوى التأهب والاستعداد لأي هجوم مفاجئ.
لكن التحدي، وفق هذا المنطق، يتمثل في تحقيق معادلة دقيقة: ردع إيران و«حزب الله» عن أي مغامرة عسكرية، من دون تقديم إشارات قد تفسرها طهران على أنها دليل على أن هجوماً أميركياً-إسرائيلياً بات وشيكاً.
فالردع الفعّال لا يقوم على إظهار الاستعداد للحرب فحسب، بل يتطلب أيضاً إدارة الإشارات السياسية والعسكرية بطريقة تمنع الطرف الآخر من اتخاذ قرار استباقي بناءً على تقديرات خاطئة.
