"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

ريما الرحباني... عندما يهزم الأسلوب القضية

كريستين نمر
الخميس، 23 يوليو 2026

ريما الرحباني... عندما يهزم الأسلوب القضية

من يقرأ منشورات ريما الرحباني بعيدًا عن الصخب والضوضاء، يخرج بانطباع واضح: شخصية تمتلك ذاكرة استثنائية، أرشيفًا واسعًا وإحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه إرث عاصي وفيروز وزياد. وحتى خصومها لا ينكرون أنها كرّست سنوات طويلة للدفاع عن هذا الإرث، وكشف ما تعتبره استغلالًا له أو تشويهًا لتاريخه.

لكن ثمة مفارقة لافتة تكاد تتكرر مع كل منشور جديد: فكلما ازدادت قوة الحجج التي تقدّمها، تراجع تأثيرها في الرأي العام، ليس بسبب مضمونها، وإنما بسبب الطريقة التي تُقدَّم بها.

فريما لا تكتفي بالنقد، بل تذهب إلى أقصى درجات الهجوم الشخصي، فكلمات مثل “بلا شرف”، و”الطبل”، و”التفوووووو”، و”المريض نفسيًا” و”وسخ”… ليست استثناءً في كتاباتها، بل أصبحت جزءًا ثابتًا من معجمها اليومي. ولا يكاد يخلو منشور من الشتائم أو النعوت السوقيّة أو السخرية اللاذعة التي تستهدف الأشخاص أكثر مما تناقش أفعالهم.

وهنا تكمن المشكلة.

في علم الاتصال، هناك قاعدة معروفة تقول إن أسلوب الرسالة قد يطغى على مضمونها.

فعندما ترتفع حِدّة اللغة إلى هذا الحدّ، ينشغل المتلقّي بطريقة الكلام أكثر من انشغاله بما يُقال. وهكذا، تتحوّل القضيّة من نقاش حول حماية الإرث الرحباني إلى نقاش حول ألفاظ ريما الرحباني.

والمفارقة أن كثيرًا من متابعيها لا يناقشون الوثائق التي تنشرها، ولا التسجيلات النادرة التي تكشفها، ولا المعلومات التي تقدمها، بل يتوقفون عند الشتيمة الأولى، أو الوصف القاسي الأول، ثم يغادرون النص بأكمله.

يبدو أن ريما تؤمن بأن الحقيقة لا تحتاج إلى تجميل، وأن المواجهة المباشرة أكثر صدقًا من اللغة الدبلوماسية، وربما ترى أن من أساء إلى عائلتها لا يستحق خطابًا مهذبًا، لكن التواصل مع الجمهور تحكمه قواعد مختلفة، فالرأي العام لا يحاكم النيات، بل يحاكم الخطاب.

وهذا ما جعل صورتها في أذهان كثيرين تنقسم إلى صورتين متناقضتين: الأولى لامرأة تدافع بشراسة عن إرث عائلتها، والثانية لكاتبة لا تعرف أين تتوقف اللغة، فتتحول من الدفاع عن الفكرة إلى مهاجمة الأشخاص.

ومن اللافت أن هذا الأسلوب بدأ يحجب جوانب أخرى من شخصيتها. فبدل أن يُناقش الناس ما كشفته من وثائق، أو اعتراضها على استغلال أعمال زياد الرحباني، أو دفاعها عن حقوقه الأدبية، أصبح الاهتمام ينصب على عباراتها النارية وأوصافها الجارحة، وكأنها أصبحت الحدث نفسه.

والأكثر إثارة أن كثيرًا من المراقبين يعتقدون أن ريما ربحت عددًا من معاركها على مستوى الوقائع، لكنها خسرت جزءًا مهمًا من معركة الصورة العامة. فالجمهور يتعاطف عادة مع صاحب الحق، لكنه ينفر عندما يشعر أن هذا الحق يُقدَّم بلغة الإهانة والتجريح.

إلى ريما الرحباني، التي ارتبط اسمها في ذاكرتنا بأغنية “ريما الحندقة” أقول:

إن قوة الحجة لا تحتاج إلى قسوة العبارة. لديكِ من الوثائق والمعطيات ما يكفي للدفاع عن إرث عائلتك، لكن الألفاظ “السوقية” التي تتخلّل بعض منشوراتك تحجب جانبًا من قوة رسالتك، وتمنح خصومك فرصة للانشغال بطريقة التعبير بدلًا من مناقشة جوهر ما تقولين.

فإذا كان لا بد من خوض هذه المعارك، فخوضيها بلغة أكثر هدوءًا ورصانة، فالكلمة الواثقة لا تحتاج إلى خشونة، والحجة المتماسكة لا تستمد قوتها من حدّة التعبير. عندها ستغدو منشوراتك مرافعات يصعب دحضها، وستكسبين تعاطفًا أوسع، حتى من أولئك الذين يختلفون معك في بعض مواقفك.

المقال السابق
رسمياً.. زين الدين زيدان يتولى تدريب منتخب فرنسا خلفاً لديدييه ديشان
كريستين نمر

كريستين نمر

محرّرة وكاتبة

مقالات ذات صلة

دموع كوكوريلا تحبس الأنفاس.. لحظة مؤثرة مع طفل مصاب بالتوحّد تذكّره بمعاناة نجله

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية