لم يكن العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي الإسرائيلي «نازا» (NAZA) في مهرجان البندقية السينمائي الدولي مجرد حدث سينمائي عابر، إذ أثار الفيلم جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا في إسرائيل، بعدما قدّم شهادات لضباط وجنود إسرائيليين سابقين وحاليين حول آليات الاستهداف في قطاع غزة، بما في ذلك استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقدير أعداد المدنيين الذين قد يُقتلون في الغارات. الفيلم، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور، عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا في 10 سبتمبر/أيلول، قبل أن يحصل في ختام المهرجان في 12 سبتمبر/أيلول على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
ثلاث سنوات من العمل السري
اعتمد أبراهام وزور في إعداد الفيلم على مقابلات مع 24 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا من العاملين في المجال الاستخباري والعسكري، بحسب ما أورده صناع الفيلم وتقارير إعلامية تناولته. وصُورت المقابلات بسرية، وفي بعض الحالات فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب ليلًا، فيما جرى إخفاء هويات المشاركين وتعديل أصواتهم وملامحهم رقميًا لحمايتهم من تبعات الكشف عن هوياتهم. ويأتي الفيلم امتدادًا لتعاون أبراهام وزور في الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى» (No Other Land)، الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025.
ماذا يعني اسم «نازا»؟
يركز الفيلم على مصطلح عسكري مرتبط بتقدير عدد المدنيين الذين قد يُقتلون أو يصابون نتيجة ضربة تستهدف موقعًا عسكريًا، وهو ما يُشار إليه عادة بمفهوم «الخسائر الجانبية المتوقعة». ومن هنا ينطلق السؤال الأساسي الذي يطرحه «نازا»: ماذا يحدث عندما تتحول احتمالات مقتل المدنيين إلى أرقام تدخل في عملية اتخاذ القرار بشأن استهداف موقع معين؟ ويعرض الفيلم شهادات حول أنظمة استخبارات ومراقبة تعتمد على معالجة كميات كبيرة من البيانات للمساعدة في تحديد أهداف محتملة في غزة. ويقول صانعو الفيلم إن هذه الأنظمة ساهمت في تحويل عملية تحديد الأهداف إلى منظومة واسعة النطاق تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والبيانات.
اتهامات خطيرة وردود إسرائيلية
الجزء الأكثر حساسية في الفيلم يتمثل في شهادات المشاركين الذين يقولون إنهم كانوا جزءًا من سلسلة تحديد الأهداف وتنفيذ الضربات، وإن بعض العمليات كانت تتم مع معرفة مسبقة باحتمال وجود مدنيين داخل المباني المستهدفة. لكن هذه الروايات قوبلت برفض من الجيش الإسرائيلي. وأكد الجيش الإسرائيلي أن اختيار الأهداف والموافقة على تنفيذ الضربات يتمان بواسطة عناصر بشرية، وليس بواسطة الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة، كما رفض الاستنتاجات التي يقدمها الفيلم بشأن آليات الاستهداف والخسائر المدنية. وهذه النقطة أساسية في قراءة الفيلم، إذ إن الشهادات التي يعرضها «نازا» تمثل رواية مصادر مجهّلة، في حين ينفي الجيش الإسرائيلي الاستنتاجات التي خلص إليها الفيلم بشأن طريقة عمل منظومة الاستهداف.
لماذا أثار «نازا» غضب المسؤولين الإسرائيليين؟
لم يتوقف الجدل عند المؤسسة العسكرية، بل انتقل سريعًا إلى المستوى السياسي. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت من أبرز الشخصيات التي هاجمت الفيلم، متهمًا صانعيه بتقديم رواية تسيء إلى إسرائيل وجيشها، ووصف الفيلم بأنه جزء من خطاب يروّج لاتهامات خطيرة بحق إسرائيل. وتكمن حساسية الفيلم بالنسبة إلى منتقديه في أنه لا يعتمد فقط على روايات فلسطينية أو شهادات من خارج إسرائيل، بل يحاول بناء روايته من خلال أشخاص يقول صانعو الفيلم إنهم عملوا داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية نفسها. وبذلك، فإن الجدل الذي أثاره «نازا» لا يتعلق فقط بمضمون الفيلم، بل أيضًا بم صدر المعلومات التي يقدمها وطريقة عرضها أمام جمهور دولي واسع.
25 دقيقة من التصفيق في فينيسيا
في المقابل، حظي الفيلم باستقبال قوي في مهرجان البندقية، إذ ذكرت تقارير أن عرضه شهد تصفيقًا استمر نحو 25 دقيقة. ثم جاءت الخطوة الأبرز في ختام المهرجان، عندما منحت لجنة التحكيم الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة، في واحدة من أبرز محطات دورة 2026. وهكذا انتقل «نازا» خلال أيام من فيلم وثائقي مثير للجدل إلى قضية سياسية وإعلامية تتجاوز حدود السينما. من الحرب على الأرض إلى الحرب داخل منظومة القرار اللافت في «نازا» أن الفيلم لا يركز فقط على نتائج القصف والدمار في غزة، بل يحاول الاقتراب من الآلية التي تسبق الضربة: جمع المعلومات، تحديد الهدف، تقدير الخسائر المدنية، ثم اتخاذ قرار التنفيذ. وبحسب صانعي الفيلم، فإن الهدف لم يكن التركيز على مسؤولية أفراد بعينهم، وإنما محاولة فهم المنظومة التي تجعل قرار استهداف منزل أو مبنى جزءًا من سلسلة عمليات تعتمد على المعلومات والخوارزميات والأوامر العسكرية. وفي المقابل، تؤكد إسرائيل أن قواتها تستهدف أهدافًا عسكرية، وأنها تتخذ إجراءات لتقليل الخسائر بين المدنيين، وترفض تصوير عملياتها العسكرية باعتبارها استهدافًا متعمدًا للمدنيين.
فيلم يتجاوز الشاشة
حصل «نازا» على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، لكن الجائزة ليست الجانب الوحيد الذي جعل الفيلم محط أنظار العالم. فالفيلم أعاد إلى الواجهة سؤالًا بالغ الحساسية حول استخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في الحروب، وحدود المسؤولية البشرية عندما تدخل الخوارزميات والبيانات في عملية اختيار الأهداف. وبين رواية الفيلم ونفي الجيش الإسرائيلي، يبقى «نازا» عملًا وثائقيًا يضع المشاهد أمام شهادات مجهّلة من داخل المؤسسة العسكرية، ويفتح نقاشًا أوسع حول كيفية اتخاذ قرارات الحرب، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول حياة المدنيين إلى أرقام ضمن عملية حسابية. وفي الوقت الذي احتفل فيه مهرجان فينيسيا بالفيلم ومنحه جائزة لجنة التحكيم الخاصة، تصاعد الجدل في إسرائيل حول رسالته وتأثيره على صورة الجيش والدولة في الخارج، ما جعل «نازا» واحدًا من أكثر الأفلام السياسية إثارة للجدل في مهرجان البندقية هذا العام.
