تواجه وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة رشيدة داتي محاكمة في باريس على خلفية اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ، في قضية ترتبط بعقد استشاري أبرمته مع شركة تابعة لتحالف «رينو-نيسان» خلال فترة تولي كارلوس غصن رئاسة التحالف.
وتتمحور القضية حول نحو 900 ألف يورو تقاضتها داتي بين عامي 2010 و2012 بموجب عقد خدمات قانونية أُبرم عام 2009. ويرى الادعاء أن العقد أخفى في الواقع أنشطة ضغط مارستها داتي لصالح التحالف خلال عضويتها في البرلمان الأوروبي، فيما تنفي السياسية الفرنسية هذه الاتهامات وتؤكد أنها قدمت خدمات قانونية فعلية بصفتها محامية.
من عائلة مهاجرة إلى قمة ا لسياسة الفرنسية
وُلدت رشيدة داتي في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1965 في مدينة سان ريمي الفرنسية، لعائلة تعود أصولها إلى المغرب والجزائر، ونشأت في ظروف اجتماعية متواضعة ضمن أسرة كبيرة.
درست القانون والعلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال، قبل أن تلتحق بالمدرسة الوطنية للقضاء وتعمل في السلك القضائي، ثم تنتقل إلى العمل في مؤسسات وشركات فرنسية.
وشكلت خلفيتها الاجتماعية وأصولها المغاربية جزءاً بارزاً من مسيرتها العامة، إذ تحولت تجربتها إلى نموذج لصعود شخصية من خارج النخب التقليدية إلى مواقع متقدمة في الدولة الفرنسية.
صعود سياسي مع نيكولا ساركوزي
بدأت داتي مسيرتها السياسية على نحو أكثر وضوحاً من خلال قربها من الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي كانت تعمل معه عندما كان وزيراً للداخلية.
وتولت ملفات مرتبطة بالجريمة والأمن والاضطرابات في الضواحي، ثم انضمت إلى حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية»، وأصبحت المتحدثة باسم حملة ساركوزي خلال الانتخابات الرئاسية عام 2007.
وبعد فوزه بالرئاسة، عيّنها ساركوزي وزيرة للعدل، لتتولى إحدى الوزارات السيادية الرئيسية في فرنسا بين عامي 2007 و2009.
وانتقلت بعدها إلى البرلمان الأوروبي، حيث شغلت عضوية البرلمان من عام 2009 حتى عام 2019.
من بلدية باريس إلى وزارة الثقافة
بالتوازي مع مسيرتها الوطنية والأوروبية، انتُخبت داتي عام 2008 رئيسةً لبلدية الدائرة السابعة في باريس، وهو منصب واصلت شغله، لتصبح لاحقاً من أبرز الوجوه السياسية في العاصمة الفرنسية.
وفي كانون الثاني/يناير 2024، عادت إلى الحكومة وزيرةً للثقافة، وواصلت شغل المنصب في حكومات فرنسية متعاقبة، قبل أن تغادره في شباط/فبراير 2026 للتفرغ للانتخابات البلدية في باريس.
وخاضت داتي الانتخابات البلدية في العاصمة، لكنها خسرت السباق في آذار/مارس أمام المرشح الاشتراكي إيمانويل غريغوار.
900 ألف يورو في قلب القضية
تعود القضية الحالية إلى عقد أبرمته داتي في تشرين الأول/أكتوبر 2009 مع شركة تابعة لتحالف «رينو-نيسان» مقرها في هولندا.
وبموجب العقد، تقاضت داتي نحو 300 ألف يورو سنوياً، بإجمالي بلغ 900 ألف يورو خلال ثلاث سنوات.
ويرى الادعاء أن المدفوعات لم تكن مقابل خدمات قانونية بالمعنى الفعلي، بل ارتبطت بأنشطة ضغط لمصلحة التحالف خلال فترة وجود داتي في البرلمان الأوروبي.
وبدأ التحقيق في ا لقضية عام 2019، بعد العثور خلال تفتيش مقر شركة «رينو» على العقد الذي يربط داتي بالشركة التابعة للتحالف.
وفي عام 2021، وُجهت إليها اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ.
وفي حال إدانتها، قد تواجه عقوبات تصل إلى السجن لمدة عشر سنوات وغرامة مالية، إضافة إلى إمكانية منعها من تولي مناصب عامة لفترة محددة.
لكن داتي ترفض الاتهامات الموجهة إليها، ويؤكد فريقها القانوني أنها عملت حصراً بصفتها محامية، وأن الخدمات التي قدمتها كانت حقيقية، نافياً أن تكون قد استغلت عضويتها في البرلمان الأوروبي لممارسة ضغوط غير قانونية.
كارلوس غصن في القضية
تحاكم داتي في القضية إلى جانب كارلوس غصن، الرئيس السابق لتحالف «رينو-نيسان-ميتسوبيشي»، الذي يواجه بدوره اتهامات مرتبطة بإساءة استخدام السلطة
محاكمة تضع مسيرتها تحت المجهر
وتحظى القضية باهتمام واسع في فرنسا، ليس فقط بسبب ارتباطها باسم كارلوس غصن وتحالف «رينو-نيسان»، بل أيضاً بسبب المسار السياسي الطويل لداتي، التي شغلت مناصب حكومية وبرلمانية وبلدية بارزة على مدى سنوات.
وتتركز المعركة القضائية على طبيعة العقد والمهام التي نفذتها داتي فعلياً خلال فترة عضويتها في البرلمان الأوروبي، وما إذا كانت الأموال التي حصلت عليها تمثل أتعاباً قانونية مشروعة مقابل خدمات قدمتها، أم أنها كانت مرتبطة بأنشطة ضغط واستغلال لنفوذها السياسي، وهي نقطة تنفيها داتي بشكل قاطع.
ومن المنتظر أن تستمع المحكمة إلى مختلف أطراف القضية وتفحص العقود والمدفوعات والأنشطة التي قامت بها داتي خلال الفترة المعنية، في محاولة لتحديد طبيعة العلاقة التي ربطتها بالشركة التابعة لتحالف «رينو-نيسان».
وتشكل القضية اختباراً قضائياً جديداً لداتي بعد مسيرة سياسية امتدت من العمل القضائي إلى أعلى المناصب الحكومية، فيما تصر على براءتها وتتمسك بأن عملها في الملف كان مهنياً وقانونياً.
أما غصن، الذي يواجه المحاكمة غيابياً، فيواصل رفض الاتهامات الموجهة إليه، بينما تتجه الأنظار إلى ما ستخلص إليه المحكمة الفرنسية بشأن المسؤوليات الفردية لكل طرف في القضية.
وبانتظار الحكم، تبقى داتي أمام مسار قضائي قد يطوي فصلاً من مسيرتها أو يفتح مواجهة جديدة حول مستقبلها السياسي، في قضية تتقاطع فيها السياسة الفرنسية مع عالم الشركات الكبرى وملف الفساد واستغلال النفوذ.