لم تعد أدوية إنقاص الوزن المعروفة بمحاكاة هرمون «GLP-1» تقتصر على إحداث تغييرات في شكل الجسم وأرقام الميزان، بل باتت تثير تساؤلات أوسع حول تأثيراتها في الحياة النفسية والاجتماعية والعاطفية، وصولاً إلى العلاقات الزوجية والحياة الحميمة. فبينما يحقق بعض مستخدمي هذه الأدوية نتائج صحية وجسدية يصفونها بالإيجابية، يجد آخرون أنفسهم أمام تحولات غير متوقعة في عاداتهم اليومية ومشاعرهم وطريقة تفاعلهم مع شركائهم.
ومع الانتشار المتسارع لهذه العلاجات، بدأ يظهر جانب آخر من النقاش حولها: هل يمكن أن تؤثر خسارة الوزن والتغيرات النفسية والهرمونية المصاحبة لها في استقرار العلاقات الزوجية؟ وهل تصبح هذه الأدوية، من حيث لا يقصد مستخدموها، عاملاً يعيد رسم طبيعة العلاقة بين الشريكين؟
من خسارة الوزن إلى تغيّر المشاعر والسلوك
تجربة الأميركي ديفيد ستيلمان، وهو ممرض يبلغ 54 عاماً، تقدم مثالاً على التعقيدات التي قد ترافق استخدام هذه الأدوية. فقد بدأ العلاج بهدف خسارة الوزن وتحسين مستويات الكوليسترول وضغط الدم، لكنه واجه خلال الأشهر الثلاثة الأولى آثاراً جانبية م زعجة، أبرزها الغثيان والاضطرابات الهضمية.
غير أن التغيير لم يقتصر على الجانب الجسدي، إذ لاحظ تراجعاً في استجابته العاطفية وشعوره بالمتعة، فضلاً عن انخفاض رغبته في البحث عن المكافآت والأنشطة التي كانت تمنحه شعوراً بالسعادة.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، قررت زوجته كيلسي، التي تعمل أيضاً في مجال التمريض، استخدام العلاج نفسه، لتختبر بنفسها التغيرات التي كان يمر بها زوجها. وتقول إن خوض التجربة معاً جعلها أكثر قدرة على فهم ما يعيشه، وأدركت أن مرور أحد الشريكين بتجربة صحية وجسدية مختلفة عن الآخر قد يخلق شعوراً بالعزلة داخل العلاقة.
وتكشف هذه التجربة أن تأثير أدوية «GLP-1» قد يمتد إلى تفاصيل الحياة المشتركة، من العادات الغذائية والأنشطة اليومية إلى المزاج والتواصل العاطفي والعلاقة الحميمة.
هل يمكن أن تؤدي أدوية إنقاص الوزن إلى الطلاق؟
مع تزايد الإقبال على هذه الأدوية، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما منتديات «ريديت»، روايات عن علاقات زوجية انتهت بعد خسارة أحد الطرفين وزناً كبيراً، وسط اعتقاد بأن التحول الجسدي قد يدفع الشخص إلى تغيير نظرته إلى نفسه وإلى شريكه.
لكن اختزال حالات الانفصال في خسارة الوزن وحدها لا يعكس بالضرورة حقيقة ما يحدث داخل العلاقات الزوجية.
فبحسب بيانات مؤسسة «غالوب»، سبق لنحو 15% من البالغين في الولايات المتحدة استخدام هذه الأدوية لإنقاص الوزن، مقارنة بنحو 6% قبل عامين، وهو ارتفاع يعكس اتساع نطاق استخدامها ويزيد الحاجة إلى فهم تداعياتها على مختلف جوانب الحياة.
وفي ظل غياب دراسات طويلة الأمد تحسم العلاقة بين استخدام أدوية «GLP-1» ومعدلات الطلاق، يستند الباحثون جزئياً إلى نتائج دراسات سابقة تناولت جراحات السمنة، وهي تدخل طبي معروف منذ سنوات.
وقد أظهرت إحدى الدراسات التي قادها الباحث السويدي بير-آرني سفينسون عام 2018 أن احتمالات الطلاق لدى بعض المرضى المتزوجين ارتفعت بعد الخضوع لجراحات إنقاص الوزن، فيما تضاعفت تقريباً فرص دخول الأشخاص غير المتزوجين في علاقات عاطفية.
ويرى سفينسون أن هذه النتائج قد تقدم مؤشرات تستحق الدراسة عند تقييم تأثير أدوية «GLP-1»، خصوصاً أن فقدان الوزن الناتج عنها قد يكون كبيراً لدى بعض المستخدمين.
لكن الباحثين يشددون على أن العلاقة الزوجية لا تنهار بسبب تغير جسدي لدى أحد الطرفين بالضرورة، بل نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والعاطفية التي قد تتغير مع مرور الوقت.
تغيّ ر التوازن داخل العلاقة الزوجية
يوضح المعالج النفسي المتخصص في العلاقات جاستن ديكسون أن كل علاقة زوجية تقوم على توازن معين، حتى لو لم تكن جميع عناصره صحية أو مثالية.
وعندما يطرأ تغيير كبير على حياة أحد الشريكين، سواء بسبب فقدان الوزن أو تغيير الوظيفة أو إنجاب الأطفال أو الانتقال إلى منزل جديد، يمكن أن يتأثر هذا التوازن.
ومن هذا المنطلق، قد تشكل أدوية «GLP-1» نقطة تحول في العلاقة، ليس بالضرورة لأنها تسبب مشكلات جديدة، بل لأنها تغير أنماط الحياة والسلوكيات التي اعتاد عليها الطرفان.
ويشير مختصون إلى أن هذه الأدوية قد تؤثر في منظومة هرمونية وعصبية معقدة، وتنعكس آثارها على الشهية والشعور بالشبع وبعض السلوكيات المرتبطة بالمكافأة والمتعة.
ويصف توماس روتليدج، أستاذ الطب النفسي في جامعة كاليفورنيا بسان دييغو، هذه العلاجات بأنها ذات تأثير بيولوجي ونفسي واجتماعي، لأنها قد تطال جوانب متعددة من حياة الإنسان، وليس وزنه فقط.
ويرى أن التحضير النفسي والتثقيف الطبي قبل بدء العلاج يكتسبان أهمية خاصة، خصوصاً أن مستخدمي هذه الأدوية لا يخضعون دائماً لبرامج التهيئة والمتابعة النفسية التي تسبق جراحات السمنة.
الطعام… تفصيل صغير قد يخلق خلافاً كبيراً
من التغيرات التي قد تبدو بسيطة، لكنها تؤثر في الحياة المشتركة، اختلال العادات المرتبطة بتناول الطعام.
فقد لاحظت الأميركية تريسي هودجز، البالغة 62 عاماً، أن استخدام أدوية «GLP-1» ساعدها على خسارة نحو 17 كيلوغراماً والتخلص من الأفكار المستمرة المتعلقة بالطعام، التي كانت تسيطر على يومها.
لكن هذا التغيير انعكس على إحدى العادات التي كانت تجمعها بزوجها، إذ لم تعد تهتم باختيار المطاعم أو تحديد ما ترغب في تناوله عندما يخططان للخروج معاً.
وكان زوجها يطلب منها اقتراح مكان لتناول العشاء، لكنها لم تعد تجد في الأمر أهمية، وهو ما تسبب في بعض الانزعاج لديه.
وتوضح هذه التجربة أن الطعام لا يمثل مجرد حاجة بيولوجية، بل يشكل لدى كثير من الأزواج مساحة للتواصل والاهتمام والمشاركة، وقد يؤدي تغير العلاقة معه إلى اضطراب بعض الطقوس المشتركة.
في المقابل، نجح أزواج آخرون في تحويل التغييرات الغذائية إلى فرصة لتعزيز التقارب، من خلال اعتماد نمط حياة صحي مشترك، وممارسة النشاط البدني معاً، وإعادة تنظيم العادات اليومية.
وتقول برونوين لونغشامب، التي تستخدم هذه الأدوية منذ أكثر من ثلاث سنوات، إن علاقتها بزوجها أصبحت أقوى، لأنهما تعاملا مع التغيير باعتباره مشروعاً مشتركاً يهدف إلى تحسين صحتهما والاستمتاع بحياة أطول إلى جانب أطفالهما وعائلتهما.
هل تتغير الرغبة الجنسية بعد استخدام هذه الأدوية؟
من أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف تأثير أدوية «GLP-1» على الحياة الحميمة والرغبة الجنسية.
وفي هذا السياق، بحثت أماندا جيسلمان، اختصاصية علم النفس الاجتماعي التنموي والباحثة في معهد كينسي بجامعة إنديانا، في طبيعة هذه التأثيرات، ووجدت أن النتائج ليست موحدة.
فبعض المستخدمين أبلغوا عن تغيرات في الرغبة والوظيفة الجنسية، بينما لم يلاحظ آخرون أي اختلاف. كما أن هذه التغيرات لم تكن إيجابية أو سلبية بصورة مطلقة، بل اختلفت من شخص إلى آخر.
وتشير الأبحاث إلى وجود ارتباط بين تحسن صورة الجسد والشعور بالرضا عن المظهر من جهة، وزيادة الرغبة الجنسية لدى بعض النساء من جهة أخرى.
فخسارة الوزن قد تساعد بعض الأشخاص الذين عانوا طويلاً من عدم الرضا عن أجسادهم على استعادة الثقة بأنفسهم والشعور براحة أكبر خلال العلاقة الحميمة.
لكن هذه النتيجة ليست مضمونة للجميع؛ إذ قد تشعر بعض النساء بعد فقدان الوزن بتغيرات في نظرتهن إلى أجسادهن، أو بعدم ال ارتياح تجاه مظهرهن، خلافاً للاعتقاد الشائع بأن خسارة الوزن تؤدي تلقائياً إلى تعزيز الثقة بالنفس.
كما قد يواجه بعض الأزواج اختلافاً في توقيت الرغبة الجنسية، بحيث لا تتزامن رغبة أحد الطرفين مع رغبة الآخر، وهو ما قد يخلق سوء فهم أو إحباطاً إذا لم تتم مناقشة الأمر بصراحة.
ومن ناحية أخرى، قد تؤدي التغيرات الجسدية إلى زيادة اهتمام الشريك بالعلاقة الحميمة، الأمر الذي قد يثير تساؤلات نفسية لدى الطرف الذي خسر وزنه، خصوصاً إذا شعر بأن الاهتمام به أصبح مرتبطاً بمظهره الجديد أكثر من ارتباطه بشخصيته.
الأدوية قد تكشف مشكلات كانت موجودة أصلاً
لا تقتصر التداعيات المحتملة لهذه العلاجات على التغيرات التي تحدثها مباشرة، إذ قد تساهم أيضاً في إظهار مشكلات كامنة داخل العلاقة الزوجية.
ويرى المعالج النفسي مارك كريست أن التحولات التي يمر بها الشخص بعد خسارة الوزن قد تدفعه إلى إعادة تقييم علاقته بنفسه وبالآخرين، واكتشاف خيارات وفرص لم يكن يشعر سابقاً بأنه قادر على الوصول إليها.
وقد يحدث ذلك في علاقات كانت تعاني أصلاً من اختلالات أو توترات، لكن أحد الطرفين لم يكن يمتلك الثقة أو القدرة النفسية الكافية لاتخاذ قرار بشأنها.
وفي بعض الحالات، قد تمنح خسارة الوزن الشخص شعوراً أكبر بالثقة والاستقلالية، فيعيد النظر في علاقة غير صحية ويقرر إنهاءها.
لكن ذلك لا يعني أن الدواء هو السبب المباشر للانفصال، بل قد يكون أحد العوامل التي رافقت تحولاً شخصياً أوسع.
ويشدد الباحثون على ضرورة عدم اعتبار الطلاق نتيجة سلبية بالضرورة في جميع الحالات، إذ ينبغي النظر إلى طبيعة العلاقة وظروفها قبل الحكم على الأسباب التي أدت إلى انتهائها.
كيف يحمي الزوجان علاقتهما خلال رحلة العلاج؟
لا يعني استخدام أدوية «GLP-1» أن العلاقة الزوجية معرضة للانهيار، لكن الخبراء ينصحون بالتعامل مع العلاج باعتباره تغييراً قد يتجاوز الجانب الصحي ويؤثر في نمط الحياة المشترك.
ومن أبرز الخطوات التي يمكن أن تساعد الأزواج:
الحوار المسبق: مناقشة التغيرات المحتملة في الشهية والمزاج والعادات اليومية والحياة الحميمة قبل بدء العلاج.
المشاركة والتفاهم: تجنب ترك أحد الطرفين يواجه التجربة بمفرده، وإشراك الشريك في فهم التحديات التي قد تظهر.
بناء عادات جديدة: البحث عن أنشطة وطقوس مشتركة لا تتمحور بالضرورة حول الطعام، مثل المشي والسفر والرياضة والهوايات.
الاهتمام بالصحة النفسية: عدم تجاهل التغيرات المزاجية أو الشعور بالعزلة أو تراجع المتعة، ومناقشتها مع الطبيب المختص.
المتابعة الطبية: إطلاع الطبيب على جميع الأدوية المستخدمة والتغيرات الجسدية والنفسية، وعدم تعديل العلاج أو إيقافه من دون استشارته.
كما تبرز أهمية أن يكون المعالجون النفسيون أكثر وعياً بالتأثيرات المحتملة لهذه الأدوية، وأن يأخذوا استخدامها في الاعتبار عند تقييم التغيرات التي يلاحظونها في حياة مرضاهم وعلاقاتهم.
علاقة قوية قادرة على استيعاب التغيير
تظهر تجارب الأزواج الذين خاضوا رحلة العلاج أن تأثير أدوية «GLP-1» لا يتخذ شكلاً واحداً؛ فبينما يواجه بعضهم تحديات في التواصل والعادات الغذائية والرغبة الجنسية، يجد آخرون في التجربة فرصة لتعزيز التقارب وبناء نمط حياة أكثر صحة.
وتبقى قدرة الزوجين على الحوار والتكيف والتعامل المشترك مع التغيرات عاملاً مهماً في تحديد كيفية انعكاس هذه التجربة على علاقتهما.
فخسارة الوزن قد تغير شكل الإنسان وعاداته ونظرته إلى نفسه، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى اختبار صامت للعلاقة الزوجية. والأهم أن يدرك الشريكان أن العلاج رحلة صحية تتطلب المتابعة والتفهم، وأن الحفاظ على التقارب العاطفي يحتاج إلى اهتمام وتواصل لا يقلان أهمية عن النتائج التي يظهرها الميزان.
ففي نهاية المطاف، قد تتغير الأجساد بفعل الأدوية، لكن متانة العلاقة تتوقف على قدرة الشريكين على خوض التغيير معاً، لا على مقدار الوزن الذي يفقده أحدهما.
