لم يكن زهران ممداني يتوقع على الأرجح أن يسمع كلمة «خائن» من بعض أكثر الناشطين المؤيدين للفلسطينيين في نيويورك، لكن هذا ما حدث مساء الأربعاء في ساحة «يونيون سكوير»، خلال إحياء الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر.
وصل رئيس بلدية نيويورك إلى وقفة نظمتها مجموعة «إسرائيليون من أجل السلام» لإحياء ذكرى ضحايا هجمات 7 أكتوبر، وفي الوقت نفسه التذكير بالضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا خلال الحرب التي أعقبتها. وكان ممداني حاضراً من دون أن يلقي كلمة، بينما وقف متظاهرون مؤيدون للفلسطينيين في محيط المكان مرددين هتافات غاضبة ضده، بينها «خائن، خائن، خائن».
المشهد بدا لافتاً، لأن ممداني لم يكن قبل أشهر فقط واحداً من السياسيين الأميركيين الأكثر ارتباطاً بالحركة المؤيدة للفلسطينيين، بل إن موقفه من الحرب في غزة كان أحد العناصر الأساسية في صورته السياسية.
فلماذا انقلب بعض هؤلاء عليه؟
من النشاط إلى السلطة
السبب الأول يرتبط بالانتقال الذي فرضه المنصب على ممداني.
قبل وصوله إلى رئاسة بلدية نيويورك، بنى ممداني جزءاً كبيراً من حضوره السياسي على مواقف شديدة الانتقاد لإسرائيل، وعلى خطاب قريب من الناشطين المؤيدين للفلسطينيين. لكن توليه منصباً مسؤولاً عن مدينة تضم واحدة من أكبر التجمعات اليهودية في العالم وضعه أمام واقع أكثر تعقيداً: لم يعد ناشطاً في حركة احتجاج، بل أصبح مسؤولاً عن أمن جميع سكان نيويورك، بمن فيهم اليهود والمسلمون والفلسطينيون والإسرائيليون.
وهذا الفارق ظهر بوضوح في 7 أكتوبر.
ففي بيانه بمناسبة الذكرى، وصف ممداني هجوم حماس بأنه «جريمة حرب مروعة»، وأشار إلى قتل أكثر من ألف شخص وخطف مئات آخرين. لكنه في البيان نفسه اتهم الحكومة الإسرائيلية بارتكاب «إبادة جماعية» في غزة، وتحدث عن استمرار معاناة الفلسطينيين.
بالنسبة إلى ممداني، كان ذلك محاولة للجمع بين روايتين: الاعتراف بألم ضحايا 7 أكتوبر، والتأكيد في الوقت نفسه على حجم المأساة الفلسطينية.
لكن بالنسبة إلى جزء من الناشطين المؤيدين للفلسطينيين، لم يعد هذا التوازن مقبولاً.
«التراجع» الذي يراه الناشطون
المحتجون الذين هاجموا ممداني اتهموه بأنه تراجع عن وعود ومواقف تبناها قبل توليه منصبه.
وكان من أبرز الملفات التي أثارت غضب بعضهم موقفه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد كان ممداني قد تحدث خلال حملته الانتخابية عن إمكانية توقيف نتنياهو في حال زار نيويورك، لكن منتقديه رأوا أن تعامله مع زيارة نتنياهو الأخيرة إلى الولايات المتحدة أظهر حدود ما يستطيع أو يريد فعله من داخل موقعه الرسمي.
كما انتقد ناشطون إجراءات أمنية اتخذتها المدينة حول المؤسسات الدينية، معتبرين أنها قيدت احتجاجاتهم.
هنا بدأ الخلاف يتحول من خلاف حول السياسة الخارجية إلى خلاف حول مدى وفاء ممداني بالالتزامات التي قطعها على نفسه أمام القاعدة الناشطة التي دعمته.
لحظة 7 أكتوبر كشفت الشرخ
جاءت الذكرى الثالثة للهجوم لتكشف هذا التوتر بأوضح صورة.
الوقفة في «يونيون سكوير» لم تكن فعالية إسرائيلية تقليدية؛ فقد نظمتها مجموعة يسارية تطلق على نفسها «إسرائيليون من أجل السلام»، وكان هدفها إحياء ذكرى القتلى الإسرائيليين والفلسطينيين والدعوة إلى وقف سفك الدماء. وتحدث المشاركون عن أقارب قتلوا في إسرائيل وعن فلسطينيين قتلوا في غزة.
لكن وصول متظاهرين مؤيدين للفلسطينيين أدى إلى توتر في المكان، واضطرت الشرطة إلى وضع حواجز للفصل بين المجموعتين.
وعندما ظهر ممداني، ارتفعت الهتافات ضده: «خائن»، و«بعت شعبك»، فيما اتهمه آخرون بأنه خضع لما وصفوه بـ«الضغط الصهيوني».
وفي المقابل، كان هناك أيضاً من المشاركين في الفعالية من اعتبر وجوده خطوة مهمة، وهو ما يؤكد أن الموقف من ممداني ليس موحداً حتى داخل الأوساط المؤيدة للفلسطينيين.
من يريد ماذا من ممداني؟
المفارقة أن ممداني لم يتحول إلى سياسي مؤيد لإسرائيل.
على العكس، لا يزال يستخدم في خطابه تعبيرات شديدة الانتقاد للحكومة الإسرائيلية، ويتحدث عن الاحتلال والاستيطان وما يسميه «الإبادة الجماعية» في غزة. لكنه في الوقت نفسه أصبح يصر على أن قتل المدنيين الإسرائيليين في 7 أكتوبر كان جريمة حرب، وعلى أن معاداة السامية غير مقبولة في نيويورك.
وهذا بالضبط هو موضع الصدام.
فبالنسبة إلى الجناح الأكثر تشدداً في الحركة الاحتجاجية، المشكلة ليست أن ممداني أصبح مؤيداً لإسرائيل، بل أنه لم يعد يتحدث من داخل الحركة نفسها.
إنه الآن يتحدث من موقع رئيس بلدية.
وهذا الموقع يفرض عليه التعامل مع الضحايا الإسرائيليين والفلسطينيين باعتبارهم ضحايا، وعلى المدينة باعتبارها مساحة مشتركة، لا ساحة مواجهة سياسية.
اختبار صعب لممداني
تكشف حادثة «يونيون سكوير» عن مشكلة أوسع تواجه ممداني: كيف يحافظ على قاعدته اليسارية المؤيدة للفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يمارس مسؤولياته كرئيس لبلدية مدينة شديدة التنوع وحساسة للغاية تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني؟
الاختبار لم يعد يتعلق فقط بما يقوله عن إسرائيل وغزة، بل بقدرته على بناء خطاب يستطيع أن يجمع بين إدانة هجوم 7 أكتوبر، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ومواجهة معاداة السامية، وحماية حق الاحتجاج.
وقد أظهرت أحداث الأربعاء أن الجمع بين هذه المواقف لا يرضي الجميع.
ففي الوقت الذي اتهم فيه بعض الناشطين ممداني بأنه «خائن» لأنه حضر وقفة لإحياء ذكرى 7 أكتوبر، انتقدته في المقابل جهات يهودية بسبب ما اعتبرته استغلالاً للذكرى لمهاجمة إسرائيل. وفي بيانه، حاول ممداني أن يضع مسافة بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وبين معاداة السامية، مؤكداً أن الأخيرة لن تكون مقبولة في نيويورك.
وهكذا وجد ممداني نفسه في موقع نادر: يتعرض للضغط من الجانبين في اليوم نفسه.
من جهة، يرى مؤيدون لإسرائيل أنه لا يمنح ذكرى 7 أكتوبر المساحة التي تستحقها. ومن جهة أخرى، يرى جزء من الناشطين المؤيدين للفلسطينيين أنه بدأ يتراجع عن سقف الخطاب الذي أوصله إلى السلطة.
وربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في تجربة ممداني السياسية حتى الآن: حين كان ناشطاً، كان يستطيع أن يتحدث باسم الحركة؛ وحين أصبح رئيساً للبلدية، أصبح مطالباً بأن يحكم مدينة تضم خصوم الحركة وأنصارها في آن واحد.
ولهذا فإن هتاف «خائن» في «يونيون سكوير» قد لا يكون مجرد احتجاج على موقف واحد من 7 أكتوبر، بل تعبيراً عن صدام أعمق بين ممداني الناشط وممداني المسؤول.
