في 29 أيار/مايو 2026، وبينما كانت إسرائيل توسّع عملياتها العسكرية في جنوب لبنان وتقترب من مواقع ذات رمزية تاريخية كقلعة الشقيف، خرج من صور أولاً ثم من النبط ية بعد ساعات نداءان يدعوان إلى إعلان المدينتين منطقتين مفتوحتين وخاليتين من أي نشاط عسكري، في خطوة أثارت جدلاً سياسياً واسعاً داخل البيئة الجنوبية نفسها، وتحولت سريعاً إلى مادة نقاش تتجاوز حدود المدينتين لتطال مستقبل الحرب وخيارات المقاومة.
جاء النداءان في لحظة شديدة الحساسية. فالعمليات العسكرية الإسرائيلية كانت تتسع بوتيرة غير مسبوقة، فيما كان الجنوب يواجه موجة جديدة من التهجير والدمار، لتبرز للمرة الأولى أصوات جنوبية تعلن صراحة أن أولوية المرحلة لم تعد خوض الحرب، بل حماية ما تبقى من الأرض والناس والمؤسسات والمراكز السكانية.
نداء لحماية ما تبقى
قدّم الموقعون على النداءين مبادرتهم باعتبارها صرخة لإنقاذ صور والنبطية من المصير الذي لحق ببلدات وقرى كثيرة في الجنوب، مطالبين الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها الكاملة، وتعزيز حضور الجيش اللبناني والقوى الشرعية، والعمل على تحييد المناطق المدنية عن العمليات العسكرية، إلى جانب تحرك عربي ودولي يضمن حماية السكان ووقف التدهور المتسارع.
وبحسب مضمون النداءين، فإن الخشية لم تعد مرتبطة فقط بحجم الخسائر البشرية والمادية، بل بمصير مدينتين تمثلان قلب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الجنوب، وباحتمال تحولهما إلى ساحتي مواجهة مفتوحة تهدد وجودهما ودورهما التاريخي.
ما وراء النص
لكن أهمية النداء لا تكمن في مطالبه المباشرة فحسب، بل في الرسالة السياسية التي يحملها بين سطوره.
فقد قرأ كثيرون مضمون النداءين باعتبارهما أول اعتراض علني واسع يخرج من داخل البيئة الجنوبية على مسار الحرب القائم، وعلى استخدام الجنوب منصة دائمة للمواجهة العسكرية. ولذلك لم يُنظر إليهما كمجرد مطالبة بحماية المدنيين، بل كمؤشر إلى بداية مراجعة سياسية أعمق تطال فكرة المقاومة كما تُمارس اليوم، لا مجرد أداء حزب الله أو بعض خياراته التكتيكية.
ولهذا السبب تحديداً، تحولت المبادرة إلى حدث سياسي بامتياز، إذ رأى مؤيدوها أنها تعبر عن حق الأهالي في الدفاع عن حياتهم ومنازلهم ومصالحهم، فيما اعتبرها معارضوها محاولة لتحميل المقاومة مسؤولية ما تسببه إسرائيل من دمار وعدوان.
التخوين في مواجهة الاعتراض
وسرعان ما انتقلت المعركة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعرض عدد من الموقعين لحملات تخوين واتهامات سياسية قاسية، دفعت بعضهم إلى التراجع عن توقيعه أو إصدار توضيحات بشأن دوافع مشاركته.
لكن مجرد صدور هذه المواقف من شخصيات تنتمي إلى البيئة الجنوبية منح الحدث أهمية استثنائية، لأن الاعتراض هذه المرة لم يصدر عن خصوم حزب الله التقليديين، بل عن أفراد وشخصيات تنتمي إلى المناطق التي شكلت تاريخياً الحاضنة الأساسية للمقاومة.
الشقيف… الرمز الذي عاد
وفي الوقت الذي كان الجدل يتصاعد حول النداءين، كانت الأنظار تتجه إلى قلعة الشقيف.
فالقلعة ليست موقعاً عسكرياً عادياً في الذاكرة اللبنانية. إنها واحدة من أبرز رموز الاحتلال الإسرائيلي السابق للجنوب، ومن المواقع التي ارتبطت بسردية التحرير التي شكلت على مدى ربع قرن أحد أهم مصادر شرعية المقاومة وقوتها المعنوية.
لذلك، فإن عودة القوات الإسرائيلية إلى الشقيف تحمل دلالات تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فهي تعيد طرح أسئلة سياسية مؤلمة حول المسار الذي أوصل الجنوب إلى مشهد يستعيد صوراً اعتقد كثيرون أنها أصبحت جزءاً من الماضي.
سؤال الجنوب الجديد
هنا تحديداً تلتقي دلالة النداءين مع دلالة الشقيف.
فالقضية لم تعد مجرد نقاش حول وقف إطلاق النار أو قواعد الاشتباك أو حجم الردود العسكرية المتبادلة، بل بدأت تتحول إلى نقاش أعمق يتعلق بكلفة الحرب وجدوى الخيارات التي حكمت الجنوب طوال العقود الماضية.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يخرج من داخل البيئة الجنوبية خطاب علني يتساءل عما إذا كانت الصيغة الحالية للمقاومة ما زالت تحقق الأهداف التي قامت من أجلها، أم أنها باتت تفرض على مجتمعها وأرضها أثماناً تتجاوز قدرتهما على الاحتمال.
قد يكون من المبكر الحديث عن تحول سياسي شامل داخل الجنوب. لكن تزامن نداءَي صور والنبطية الصادرين في 29 أيار/مايو 2026 مع عودة إسرائيل إلى الشقيف، يكشف أن أسئلة جديدة بدأت تُطرح بصوت مرتفع، وأن النقاش الذي ظل سنوات طويلة محصوراً في المجالس الخاصة بدأ يجد طريقه إلى العلن.
