لا تُصاغ المفاوضات عند الطاولة، بل في الشروط التي تسبقها وترسم مسارها. ومع بدء التحضير لانطلاق التفاوض بين لبنان وإسرائيل، نقدّم قراءة في هذه العملية وحدود الممكن ضمنها. فالإطار الزمني والجغرافيا والسياسة الداخلية في كلّ من البلدين، إلى جانب أدوار اللاعبين الإقليميين وتوازنات السياسة الدولية وآليات اتخاذ القرار وخيارات المفاوضين، فضلًا عن نظرة المجتمعات إلى التفاوض، جميعها عوامل تُشكّل هذه العملية وتؤثّر في مآلاتها. ويتيح تحليل هذه العوامل قراءةً أدقّ لديناميات التفاوض، التي لا تُختزل بمنطق «غلبة الأقوى» ولا بالدعائيات الشعبوية التبسيطية.
ينطلق هذا المقال من قراءة تجارب التفاوض بين إسرائيل والدول المجاورة لها، كمدخلٍ لفهم الأطر التي قد يتحرّك ضمنها لبنان، وما الذي يمكن أن يُطرح على طاولة التفاوض—لا بوصفها نماذج قابلة للاستنساخ، بل كمؤشّرات على طبيعة هذه المسارات وحدودها، وما ترسمه من نطاق لما يمكن إدراجه ضمنها وما يُستبعَد منها.
كامب ديفيد: أول سلام عربي مع إسرائيل
تشكل اتفاقيات كامب ديفيد حزمة من وثيقتين منفصلتين: الأولى «إطار للسلام في الشرق الأوسط» الذي يتناول القضية الفلسطينية، والثانية «إطار لإبرام معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل» الذي يضع أسس التسوية الثنائية بين الطرفين. وفي هذا المقال، سيجري التركيز على الإطار الثاني، أي الإطار الخاص بإبرام معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.
أنهت معاهدة كامب ديفيد حالة الحرب بين الطرفين وأقامت علاقة سلمية رسمية، شملت الاعتراف المتبادل وإقامة علاقات دبلوماسية. كما نُظِّم الانسحاب الإسرائيلي من سيناء ضمن جدول زمني مرحلي من ثلاث مراحل، رُبط بتنفيذ التزامات متبادلة. ففي المرحلة الأولى، التي تلت دخول المعاهدة حيّز التنفيذ عام 1979، انسحبت إسرائيل من جزء من شمال سيناء، بما في ذلك منطقة العريش، بالتوازي مع بدء تطبيع العلاقات وفتح قنوات الاتصال الرسمية. أمّا المرحلة الثانية، فشهدت استكمال الانسحاب من وسط سيناء، مع نقل مزيد من الأراضي إلى السيادة المصرية. وفي المرحلة الثالثة والأخيرة، التي اكتملت في نيسان/أبريل 1982، تمّ الانسحاب الكامل من شبه الجزيرة، بما في ذلك تفكيك المستوطنات الإسرائيلية وتسليم كامل الأراضي لمصر.
استعادت مصر شبه جزيرة سيناء على مراحل امتدّت بين عامَي 1979 و1982، مع اكتمال الانسحاب الإسرائيلي في نيسان/أبريل 1982. وقد ترافق ذلك مع ترتيبات أمنية دقيقة شملت تقسيم سيناء إلى مناطق ذات مستويات متفاوتة من الوجود العسكري، إلى جانب انتشار قوة دولية متعددة الجنسيات لمراقبة التنفيذ وضمان الالتزام بالاتفاق. غير أنّ مسألة السيادة على منطقة طابا بقيت موضع نزاع إلى أن حُسمت عبر التحكيم الدولي عام 1989، ما كرّس استعادة مصر للسيادة الكاملة على كامل شبه الجزيرة، البالغة مساحتها نحو 61 ألف كيلومتر مربّع.
كما عكس مسار كامب ديفيد مقاربة شاملة لم تقتصر على استعادة الأرض والترتيبات الأمنية، بل شملت أيضًا تنظيم العلاقات الثنائية وأوجه التعاون المختلفة، ما يُظهر أنّ مسألة الأرض، على مركزيتها، لم تطغَ على سائر مجالات تنظيم العلاقة بين الطرفين، ولم تُفصل في معاهدة أخرى عن الإطار الشامل للاتفاق.
وادي عربة: تنظيم العلاقة مع الجوار
تُظهر معاهدة السلام بين المملكة الأردنية الهاشمية ودولة إسرائيل (1994)، المعروفة بـ«وادي عربة»، طابعًا أكثر تفصيلًا مقارنةً بكامب ديفيد، إذ تذهب إلى وضع إطارًا منظّمًا لإدارة العلاقة مع الجوار عبر قطاعات متعدّدة.
في وادي عربة، اتخذ التفاوض مسارًا مختلفًا يعكس طبيعة العلاقة بين الأردن وإسرائيل، إذ لم يتمحور حول استعادة أراضٍ واسعة، بل حول تنظيم العلاقة بين الطرفين ضمن إطار قانوني شامل. وقد انتهى هذا المسار بتوقيع المعاهدة عام 1994، التي أنهت حالة الحرب وأقامت اعترافًا متبادلًا، وأرست مبادئ إدارة العلاقة على أساس السيادة، واحترام الحدود، وحلّ النزاعات بالوسائل السلمية. وشكّل ترسيم الحدود أحد المحاور الأساسية، حيث جرى تثبيت الحدود الدولية ومعالجة قضايا التداخل الحدودي، مع استعادة الأردن السيادة على مناطق محدودة نسبيًا، إلى جانب ترتيبات خاصة في بعض المناطق ذات الوضعيات المركّبة، مثل منطقتي الباقورة والغمر.
وشملت المعاهدة نطاقًا واسعًا من القضايا يتجاوز البعد الحدودي، ولا سيّما فيما يتعلّق بالمياه، حيث تمّ إقرار آليات لتقاسم الموارد المائية وإدارتها، مع التأكيد على التعاون لتطوير هذه الموارد ومعالجة شحّها. وإلى جانب ذلك، تضمّنت المعاهدة بنودًا تنظّم العلاقات الاقتصادية، والنقل، والطاقة، والبيئة، والتبادل الثقافي والعلمي، بما يعكس مقاربة تقوم على إدماج مجالات متعددة في إطار واحد لتنظيم العلاقة الثنائية.
كما تطرّقت المعاهدة إلى مسألة اللاجئين والنازحين، حيث أقرت بوجودها كقضية إنسانية وسياسية مرتبطة بالنزاع، ونصّت على السعي لمعالجتها من خلال أطر متعددة، بما في ذلك لجان مشتركة ومسارات تفاوضية إقليمية ودولية (رغم أنّ التقدّم ظلّ محدودًا). ورغم ثقل هذا الملف على الصعيد الديمغرافي، لم تُشكّل تسويته جزءًا من الحلّ النهائي ضمن المعاهدة نفسها، بل اقتصر دورها على تحديد آليات التعامل معه وإحالته إلى مسارات أخرى.
لبنان: أي مسار تفاوضي ممكن؟
اعتمدت معاهدات دول الجوار مقاربة «السلة المتكاملة»، إذ شملت قضايا الأرض والترتيبات الأمنية والعلاقات الاقتصادية وإدارة الموارد. وحتى الملفات الأكثر تعقيدًا جرى إدراجها ضمن الأطر التفاوضية، ولو من دون تحقيق تقدّم حاسم، بما أبقى مختلف القضايا ضمن نطاق العملية التفاوضية نفسها.
في المقابل، تتشكّل الحالة اللبنانية ضمن مسار مختلف. فرغم تعدّد القضايا العالقة مع إسرائيل، وفي مقدّمها مسألة الأرض، إلى جانب ملفات محورية كإدارة الموارد وقضية اللاجئين الفلسطينيين، فإنّ رفض حزب الله لمسار المفاوضات ولتسليم السلاح يعيد تعريف حدود التفاوض. وقد يتّجه المسار نحو تركيزٍ أساسي وحصري على مسألة السلاح وترتيباته، بحيث تكتسب صفة الشرط الحاسم (deal-breaker) ضمن العملية التفاوضية، وتؤطّر ما يمكن إدراجه من قضايا أخرى.
بهذا المعنى، يمتدّ أثر هذا العامل إلى طبيعة التفاوض نفسه: بين مسارٍ يتّسع ليشمل قضايا متعدّدة كما في تجارب دول الجوار، ومسارٍ يتمحور حول مسألة واحدة. وإذا قامت كامب ديفيد على «الأرض مقابل السلام»، ووادي عربة على «تنظيم الجوار مقابل السلام»، فقد ينتهي المطاف في الحالة اللبنانية إلى معادلة اختزالية ومقيِّدة قوامها «نزع السلاح مقابل السلام».
ويمتدّ هذا التحديد إلى المخرجات أيضًا، إذ يُرجّح أن يقيّد النتائج الممكنة للبنان لسنوات طويلة، عبر حصرها في إطار أمني ضيّق وتأجيل أو استبعاد ملفات أساسية. وعليه، لا يكمن السؤال في ما سينتجه هذا المسار، بل فيما إذا كان سيتجاوز هذه المعادلة، أم سيبقى ساحةً للتفاوض ضمنها، تحدّد مسبقًا ما يمكن التفاوض عليه وما سيبقى خارجه.
