برز الجيش اللبناني كأحد أبرز الأطراف في المفاوضات العسكرية التي سبقت توقيع “اتفاق واشنطن” بين لبنان وإسرائيل، بعدما شارك في مناقشة تفاصيل الترتيبات الأمنية وخارطة الطريق التنفيذية، قبل أن ينهي مشاركته بتحفظات على عدد م ن البنود التي عاد معظمها ليظهر في النص النهائي للاتفاق.
وبحسب معطيات واكبت المفاوضات، لم يعترض الوفد العسكري اللبناني على مبدأ اعتماد “المناطق التجريبية” كآلية للانتقال التدريجي إلى بسط سلطة الدولة على الجنوب، لكنه رفض المقترح الإسرائيلي الذي كان يقضي بحصر التنفيذ في مناطق صغيرة جدًا، معتبرًا أن هذه المقاربة ستؤدي إلى إطالة أمد بقاء الجيش الإسرائيلي داخل أجزاء من الجنوب، وتحويل الانسحاب إلى عملية مفتوحة قد تستغرق سنوات.
كما أبدى الوفد اللبناني تحفظات على عدد من آليات التنسيق المطروحة، انطلاقًا من أن خارطة الطريق بهذه الصيغة لا تنسجم مع الموقف اللبناني الذي يدعو إلى انسحاب إسرائيلي أوسع وأسرع، بدل ربطه بمراحل صغيرة ومتتالية.
ورغم هذه الملاحظات، جاء النص النهائي للاتفاق أقرب إلى المقاربة الإسرائيلية، إذ اعتمد مبدأ التنفيذ المرحلي عبر منطقتين تجريبيتين، على أن يجري الانتقال إلى مناطق إضافية بعد التحقق من نجاح كل مرحلة.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد قدّم تفسيرًا عمليًا لهذا البند، موضحًا أن المشروع يبدأ بمنطقتين فقط: الأولى تقع جنوب نهر الليطاني خارج المنطقة الأمنية، والثانية شمال الليطاني وتشمل جزءًا صغيرًا من المنطقة الأمنية الموسعة التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة. وقال إن الجيش اللبناني سينتشر في هاتين المنطقتين بعد التحقق من خلوهما من أي وجود لـ«حزب الله»، وإذا نجحت التجربة تُضاف مناطق جديدة تدريجيًا.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل ستواصل، خارج هاتين المنطقتين، الاحتفاظ بالشريط الأمني الممتد على طول “الخط الأصفر”، ولن تسمح بعودة السكان أو بوجود عناصر «حزب الله» داخله قبل نزع سلاح الحزب وسائر التنظيمات المسلحة والتأكد من زوال أي تهديد للأراضي الإسرائيلية، ما يعني أن الانسحاب الكامل سيبقى مرتبطًا بتحقيق شروط أمنية، وليس بجدول زمني محدد.
وفي موازاة تحفظاته التفاوضية، حرص الوفد العسكري اللبناني على توجيه رسالة سياسية ورمزية خلال المفاوضات، إذ رفض الظهور في الصورة التذكارية التي جمعت الوفدين الأميركي والإسرائيلي، متمسكًا بعدم الظهور في مشهد قد يُفهم على أنه لقاء مباشر أو تطبيع في إطار المفاوضات.
إلا أن هذه التحفظات التي أبداها الوفد العسكري خلال المفاوضات لا تعني بالضرورة أن الجيش اللبناني سيمتنع عن تنفيذ ما تقرره السلطة السياسية. فالوثيقة الموقعة تحتاج، وفق الآليات الدستورية اللبنانية، إلى موافقة مجلس الوزراء، وعندها يصبح تنفيذ ما يصدر عن السلطة التنفيذية جزءًا من مسؤو ليات المؤسسات الرسمية، وفي مقدمها المؤسسة العسكرية.
وقد عكس أداء الجيش اللبناني على الأرض خلال الساعات التي أعقبت توقيع الاتفاق هذا الالتزام. فطوال ليل أمس، انتشرت وحداته لاحتواء التحركات الاحتجاجية التي دعا إليها «حزب الله» في محيط طريق مطار رفيق الحريري الدولي وفي اتجاه السراي الحكومي، حيث عملت على إعادة فتح الطرقات التي قُطعت، ومنع الاعتداء على المؤسسات الرسمية والممتلكات العامة، واحتواء التوتر الأمني الذي رافق الاحتجاجات.
ومع انتقال الاتفاق من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ، يجد الجيش اللبناني نفسه أمام واحدة من أكثر المهمات حساسية منذ سنوات، إذ تنص الوثيقة على أن يتولى تدريجيًا المسؤولية الأمنية في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، وأن يبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية في إطار عملية متدرجة تشرف عليها الولايات المتحدة وترتبط بالتحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية.
ويبقى السؤال الأساسي الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: كيف سيوفق الجيش اللبناني بين التزامه بتنفيذ قرارات السلطة التنفيذية، وبين التعقيدات السياسية والأمنية التي يفرضها رفض «حزب الله» للاتفاق، في وقت ترتبط فيه كل مراحل التنفيذ بتوازنات داخلية وإقليمية شديدة الحساسية؟
