في الحروب الحديثة، لا يكون تدمير القواعد العسكرية هو الهدف الأول دائمًا، بل قد يكون تعطيل قدرتها على القتال أكثر فاعلية من استهدافها مباشرة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الضربات التي استهدفت الجسور ومحاور النقل المؤدية إلى بندر عباس، باعتبارها جزءًا من استراتيجية تستهدف شل منظومة الإمداد الإيرانية في الخليج.
بندر عباس… مركز الثقل البحري الإيراني
تمثل بندر عباس القلب البحري لإيران على الخليج العربي. فمنها تعمل وحدات البحرية الإيرانية والحرس الثوري، ومنها تُدار عمليات مراقبة مضيق هرمز، وتتحرك الزوارق السريعة، وتُنقل الصواريخ والذخائر إلى المواقع المتقدمة.
ولا تقتصر أهمية المدينة على قواعدها العسكرية، بل على كونها مركزًا لوجستيًا تتدفق إليه الإمدادات القادمة من عمق الأراضي الإيرانية قبل توزيعها على القواعد والجزر المنتشرة في الخليج.
الجزر التي تعتمد على بندر عباس
تشكل عدة جزر إيرانية جزءًا من منظومة الدفاع عن مضيق هرمز، أبرزها:
أما جزيرة خارك، فرغم أهميتها الاستراتيجية، فإن دورها مختلف، إذ تُعد مركزًا رئيسيًا لصادرات النفط الإيرانية وتقع شمال الخليج، خارج منطقة مضيق هرمز.
لماذا تُستهدف الجسور؟
استهداف الجسور لا يعني السعي إلى عزل بندر عباس بالكامل، بل إلى إبطاء حركة الإمدادات العسكرية القادمة من الداخل الإيراني.
فكل شاحنة ذخيرة، أو ناقلة وقود، أو منصة صواريخ متنقلة، تحتاج إلى المرور عبر شبكة الطرق والجسور المؤدية إلى المدينة. وعندما تتضرر هذه الشبكة، تصبح حركة الإمداد أكثر بطئًا وتعقيدًا، ويزداد الضغط على القوات المنتشرة في الساحل والجزر.
وبعبارة أخرى، فإن الضربات تستهدف “زمن الإمداد” أكثر مما تستهدف “مكان الإمداد”.
هل تصبح الجزر معزولة؟
ليس بالضرورة.
فإيران لا تعتمد على طريق واحد، إذ يمكنها استخدام طرق برية بديلة داخل الأراضي الإيرانية، كما تستطيع نقل جزء من الإمدادات بحرًا.
لكن النقل البحري يحتاج إلى موانئ عاملة وسفن متاحة وحماية مستمرة، كما أنه يصبح أكثر عرضة للاستهداف في حال اتسعت رقعة العمليات العسكرية.
لذلك، فإن تدمير الجسور لا يؤدي إلى عزل الجزر فورًا، لكنه يقلص سرعة الإمداد، ويرفع كلفته، ويجعل استمرار العمليات العسكرية أكثر صعوبة إذا طال أمد المواجهة.
من تدمير الأهداف إلى استنزاف المنظومة
تعكس هذه الضربات تحولًا في طبيعة العمليات العسكرية. فبدل التركيز على تدمير السفن أو القواعد وحدها، يجري استهداف البنية التحتية التي تسمح لهذه القواعد بالعمل.
وهذا الأسلوب يهدف إلى استنزاف القدرة الإيرانية تدريجيًا، عبر تعطيل خطوط النقل، وإبطاء وصول الذخائر والوقود والتعزيزات، وتقليص هامش المناورة أمام القوات البحرية.
هل يتغير ميزان القوة في مضيق هرمز؟
إذا استمر الضغط على شبكة النقل المؤدية إلى بندر عباس، فقد تجد إيران نفسها مضطرة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الإمداد البحري، وهو خيار أكثر بطئًا وأعلى كلفة وأكثر عرضة للمراقبة والاستهداف.
وفي المقابل، تبقى قدرة إيران على الحفاظ على حضورها العسكري في الجزر مرتبطة بمدى نجاحها في إعادة تشغيل البنية التحتية المتضررة، وتأمين طرق بديلة للإمداد.
وبذلك، قد تتحول معركة مضيق هرمز من مواجهة بحرية تقليدية إلى معركة لوجستية، يكون فيها الطريق والجسر والميناء أهدافًا لا تقل أهمية عن القاعدة العسكرية نفسها.
