"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

ما بعد 7 أكتوبر: كيف غيّرت إسرائيل مفهوم أمنها… وماذا يعني ذلك للبنان وسوريا؟

نيوزاليست
الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

ما بعد 7 أكتوبر: كيف غيّرت إسرائيل مفهوم أمنها… وماذا يعني ذلك للبنان وسوريا؟

بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر 2023، لا يتعامل الجيش الإسرائيلي مع ذلك اليوم بوصفه إخفاقاً استخبارياً وعملياتياً انتهى بانتهاء الهجوم، بل باعتباره نقطة تحوّل في مفهوم الأمن الإسرائيلي نفسه.

رئيس الأركان إيال زامير لخّص أحد أبرز الدروس في ضرورة توسيع «هامش الأمن»، وبناء القوة على أساس الاستعداد لحرب مفاجئة، بما في ذلك التعامل مع التهديدات الخطيرة وهي في طور التشكّل. كما أعاد الربط بين إخفاقات 7 أكتوبر وإخفاقات حرب أكتوبر 1973، في إشارة إلى أن المشكلة لم تكن فقط في غياب المعلومات، بل في احتمال امتلاك المعلومات وعدم القدرة على تحويلها إلى قرار وفعل في الوقت المناسب.

لكن الدرس الأهم لا يكمن في عدد الجنود أو الدبابات أو وحدات الاحتياط التي أضيفت إلى الجيش الإسرائيلي. فقبل 7 أكتوبر كان الجيش الإسرائيلي أصلاً من أكثر جيوش العالم تقدماً، ويملك تفوقاً استخبارياً وتكنولوجياً وجوياً واسعاً. ومع ذلك انهارت منظومة الإنذار والدفاع في الساعات الأولى للهجوم.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للتغيير الإسرائيلي ليس ما إذا كان الجيش قد أصبح أكبر، بل ما إذا كان قادراً على القتال عندما يحدث ما لم يتوقعه.

وهنا تحديداً يبدأ التحول الذي ستكون له تداعيات مباشرة على لبنان وسوريا.

من منع المفاجأة إلى القتال رغم المفاجأة

لسنوات طويلة، قام جزء أساسي من مفهوم الأمن الإسرائيلي على الإنذار المبكر، والتفوق الاستخباري، والحواجز الحدودية، والدفاع الجوي، والتكنولوجيا، ثم الانتقال إلى الهجوم إذا فشل الردع.

أثبت 7 أكتوبر أن هذه المنظومة يمكن أن تنهار دفعة واحدة.

لذلك يحاول الجيش الإسرائيلي الآن بناء مفهوم مختلف: ليس فقط منع المفاجأة، بل الاستعداد للحرب حتى في حال وقوعها من دون إنذار كافٍ.

وتشمل التغييرات زيادة القوات والاحتياط، وتوسيع قدرات الاستخبارات والمراقبة، وتعزيز وحدات الرد السريع، وإجراء تدريبات مفاجئة، وإعداد سيناريوهات شديدة الخطورة، وتقليص الزمن بين اكتشاف التهديد والقدرة على ضربه.

لكن هناك درساً آخر أكثر عمقاً: إذا لم يكن بالإمكان ضمان اكتشاف الخطر قبل وصوله، فإن إسرائيل تستطيع محاولة إبعاد الخطر نفسه عن حدودها.

ومن هنا تأتي أهمية لبنان وسوريا.

لبنان: الحدود لم تعد خط الدفاع الأول

في لبنان، يبدو التحول الأكثر وضوحاً.

قبل 7 أكتوبر، كان التصور الإسرائيلي يقوم إلى حد كبير على حماية الحدود والمستوطنات الشمالية، مع الاستعداد للانتقال إلى الهجوم في حال اندلاع حرب واسعة.

أما اليوم، فالفكرة مختلفة: لا تنتظر قوة حزب الله أو وحدات «الرضوان» عند السياج، بل حاول دفعها بعيداً عنه ومنعها من إعادة بناء بنيتها الهجومية بالقرب منه.

وهذا ما يفسر قيام الجيش الإسرائيلي بإنشاء منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية بعمق يقارب عشرة كيلومترات، إلى جانب عمليات تهدف إلى منع حزب الله من إعادة ترسيخ وجوده العسكري في المنطقة.

المغزى الاستراتيجي هنا بالغ الأهمية:

لم تعد المستوطنات الإسرائيلية هي خط الدفاع الأول؛ الأراضي الواقعة خارج الحدود اللبنانية يُراد لها أن تصبح خط الدفاع المتقدم.

وهذا تغيير جوهري في مفهوم الحدود.

فإذا كانت إسرائيل ترى أن وجود قوة هجومية لبنانية قرب الحدود يشكل خطراً شبيهاً بالخطر الذي واجهته في غلاف غزة، فإنها لن تكون مستعدة بالضرورة للانتظار حتى يبدأ الهجوم كي تتحرك.

وبالتالي، يصبح أي مسار لإعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله في الجنوب، في المنظور الإسرائيلي، سبباً محتملاً لعمل استباقي.

ماذا يعني ذلك للبنان؟

المشكلة اللبنانية لا تقتصر على احتمال استمرار العمليات الإسرائيلية، بل تتعلق بتغير القاعدة التي تحكم الأمن على الحدود.

فإسرائيل تقول عملياً إن أمنها لا يمكن أن يعتمد فقط على وجود قوة لبنانية أو اتفاق سياسي أو ترتيبات على الورق، بل على قدرتها هي على منع نشوء تهديد تعتبره خطيراً.

وهذا يخلق معادلة شديدة التعقيد:

كلما عجزت الدولة اللبنانية عن فرض سيطرة أمنية كاملة على الجنوب، زادت الحجة الإسرائيلية للتحرك بنفسها داخل الأراضي اللبنانية.

وبمعنى آخر، قد يصبح ضعف الدولة اللبنانية جزءاً من المشكلة الأمنية الإسرائيلية، وبالتالي مبرراً لمزيد من التدخل العسكري الإسرائيلي.

وهنا تكمن إحدى أخطر تداعيات درس 7 أكتوبر على لبنان: إسرائيل لا تريد فقط حدوداً هادئة؛ تريد عمقاً أمنياً يمنحها وقتاً ومساحة لاتخاذ القرار قبل وصول الخطر إلى سكانها.

سوريا: الخطر الذي لم يتشكل بعد

إذا كان لبنان يمثل بالنسبة إلى إسرائيل تهديداً معروفاً ومحدداً، فإن سوريا تمثل مشكلة مختلفة.

بعد سقوط نظام بشار الأسد والتغيرات الكبيرة التي طرأت على الساحة السورية، لم تعد إسرائيل تتعامل مع الجنوب السوري وفق المعادلات القديمة نفسها.

الفراغ الأمني والسياسي، وتعدد القوى المسلحة، واحتمال ظهور تهديدات جديدة، كلها دفعت إسرائيل إلى التفكير بمنطق «العمق» بدلاً من الاكتفاء بالحدود.

ولهذا أقامت إسرائيل منطقة أمنية أعمق داخل سوريا، تصل وفق تقديرات إسرائيلية إلى نحو 15 كيلومتراً في بعض المناطق، بهدف منح قواتها وقتاً ومساحة أكبر للتعامل مع أي تهديد محتمل.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة:

في لبنان، تقول إسرائيل إنها تريد منع عودة تهديد سبق أن عرفته. أما في سوريا، فهي تتحرك لمنع تهديد قد يظهر مستقبلاً.

وهذا أكثر اتساعاً من مفهوم الدفاع التقليدي.

فإذا أصبحت احتمالات نشوء تهديد في المستقبل سبباً كافياً للسيطرة على الأرض أو تنفيذ عمليات داخلها، فإن مبدأ «الدفاع الوقائي» يتحول إلى قاعدة دائمة في إدارة الحدود.

إسرائيل تريد أن تقاتل قبل الحرب

هذه ربما تكون الخلاصة الأهم للدروس الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر.

المفهوم السابق كان يقول، بصورة مبسطة: نراقب، نكتشف، نحذّر، ثم نضرب.

أما المفهوم الجديد فيقترب من معادلة أخرى:

راقب، واكتشف، واضرب قبل أن يصبح التهديد جاهزاً.

وبالتالي، فإن إسرائيل بعد 7 أكتوبر تبدو أكثر استعداداً للعمل خارج حدودها، وأكثر ميلاً إلى استخدام القوة لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بها، لا مجرد الرد على هجوم وقع بالفعل.

وهذا المنطق لا يقتصر على لبنان وسوريا، بل اتسع خلال السنوات الثلاث الماضية ليشمل غزة والضفة الغربية وإيران وساحات أخرى، ضمن مقاربة تقوم على منع الخصم من إعادة بناء قدراته العسكرية بعد إضعافها.

لكن لهذا التحول ثمناً

المشكلة أن توسيع «العمق الأمني» لا يأتي مجاناً.

كل كيلومتر إضافي يحتاج إلى جنود. وكل منطقة أمنية تحتاج إلى مراقبة واستخبارات وقوات احتياط وقدرة على الإمداد والدفاع. وكل جبهة جديدة تعني مزيداً من الانتشار ومزيداً من الاستنزاف.

وهذا يقود إلى أحد أكبر التناقضات التي تواجه الجيش الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب:

لكي تمنع إسرائيل تكرار 7 أكتوبر، عليها أن تكون موجودة عسكرياً في أماكن أكثر؛ لكن كلما اتسعت رقعة وجودها، اتسعت أيضاً رقعة التهديدات التي يتعين عليها التعامل معها.

وهكذا يمكن أن يتحول «العمق الأمني» من وسيلة لتقليل المخاطر إلى مصدر لاستنزاف طويل الأمد.

هل تغيّر المفهوم الأمني فعلاً؟

هنا يجب الحذر من الانبهار بالقائمة الإسرائيلية الطويلة: مزيد من الجنود، مزيد من الاحتياط، مزيد من الاستخبارات، مزيد من الطائرات المسيّرة، مزيد من النيران، مزيد من التدريبات، ومزيد من المناطق الأمنية.

كل ذلك مهم، لكنه لا يثبت بعد أن إسرائيل تجاوزت المشكلة التي كشفتها 7 أكتوبر.

فالمشكلة في ذلك اليوم لم تكن أن الجيش كان يفتقر إلى التكنولوجيا أو القوة النارية. المشكلة كانت أن المؤسسة الأمنية رأت بعض الإشارات، لكنها أخطأت في تفسيرها، وبنت تصورها على أن العدو لن يفعل ما فعل في النهاية.

وهذا هو الخطر الذي يصعب حله بالعتاد.

يمكن للجيش أن يتدرب عشرات المرات على المفاجأة، لكنه قد يُفاجأ في المرة التالية بشيء مختلف تماماً.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للمفهوم الأمني الإسرائيلي الجديد لن يكون في التدريبات ولا في عدد الوحدات الجديدة، بل في اللحظة التي تشير فيها الاستخبارات إلى شيء، وينفذ الخصم شيئاً آخر، ويكون على القيادة أن تفهم الفارق خلال دقائق.

لبنان وسوريا أمام مرحلة مختلفة

بالنسبة إلى لبنان وسوريا، فإن الدرس الإسرائيلي من 7 أكتوبر يعني أن السنوات المقبلة قد لا تعود إلى قواعد ما قبل الحرب.

في لبنان، ستبقى إسرائيل أكثر حساسية تجاه أي وجود عسكري لحزب الله قرب حدودها، وأكثر استعداداً للتحرك لمنع إعادة بناء قدراته، مع إصرار على إبقاء مسافة جغرافية بينها وبين أي قوة تعتبرها تهديداً.

وفي سوريا، ستتعامل إسرائيل مع الجنوب السوري باعتباره مجالاً أمنياً مفتوحاً على احتمالات جديدة، لا كحدود مستقرة يمكن ضمانها بمجرد اتفاق سياسي.

وهذا يعني أن المنطقة العازلة قد تتحول من إجراء مؤقت إلى عنصر دائم في التفكير الأمني الإسرائيلي، خصوصاً إذا استمرت إسرائيل في الاعتقاد بأن الاتفاقات وحدها لا تمنحها الأمن الذي تطلبه.

لكن يبقى السؤال الأصعب:

هل تعلمت إسرائيل فعلاً درس 7 أكتوبر، أم أنها تعالج إخفاقاً استخبارياً وعملياتياً سابقاً عبر توسيع القوة والسيطرة إلى خارج حدودها؟

الجواب لن يظهر في الوثائق ولا في العروض العسكرية.

سيظهر عندما تحدث المفاجأة المقبلة.

فالمشكلة التي أسقطت مفهوم الأمن الإسرائيلي في 7 أكتوبر لم تكن نقص القوة، بل الثقة الزائدة في أن القوة والاستخبارات والتكنولوجيا تتيح معرفة ما سيفعله الخصم قبل أن يفعله.

وإذا كان الدرس الإسرائيلي الجديد هو أن الأمن يحتاج إلى عمق يتجاوز الحدود، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على لبنان وسوريا هو:

إذا أصبحت إسرائيل تعتبر أن أمنها يبدأ خارج حدودها، فأين تنتهي حدود أمنها؟

وهنا تحديداً تكمن التداعيات الأعمق لما بعد 7 أكتوبر.

المقال السابق
اختبار نووي فرنسي يهزّ موسكو: الكرملين يحذّر من «عسكرة أوروبا»
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

«الوعد الإلهي» و7 أكتوبر: كيف دخل الدين في قرار حماس؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية