"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

«إنتوا بتحبوا الأجانب»… فهل يحتاج لبنان إلى مستعمِر ليصبح دولة؟

نيوزاليست
الاثنين، 2 نوفمبر 2026

«إنتوا بتحبوا الأجانب»… فهل يحتاج لبنان إلى مستعمِر ليصبح دولة؟

همسة أبو خير

اللبناني الذي يقف في طابور طويل في مطار أوروبي من دون اعتراض، قد يستنفر معارفه لتجاوز طابور في دائرة رسمية في بلاده. والذي يلتزم بالقانون في سيدني أو باريس، قد يبحث في بيروت عن واسطة تعفيه منه. ليس لأن اللبناني يتبدّل بمجرد عبوره الحدود، بل لأن علاقته بالسلطة تتبدّل بتبدّل المكان.

لكن المفارقة لا تتوقف عند القانون. إنها تمتد إلى نظرتنا لأنفسنا، وإلى سؤال جوهري: لماذا يبدو ما يأتي من الخارج، أحياناً، أقدر على انتزاع احترامنا مما نصنعه بأيدينا؟

«إنتوا بتحبوا الأجانب». عبارة لبنانية ساخرة نرددها حين نرى منتجاً محلياً يُهمَل لمصلحة آخر مستورد، أو فكرة لا تلقى اهتماماً إلا بعدما يتبنّاها اسم أجنبي. نضحك عليها، ثم نواصل ممارستها. فالاسم الأوروبي قد يمنح صاحبه وجاهة إضافية، والشهادة الغربية تفتح أبواباً، واللغة الأجنبية تتحول أحياناً من وسيلة للتواصل إلى علامة تفوّق اجتماعي.

ليس في الانفتاح على العالم ما يستدعي النقد. لبنان بُني على التعدد والتفاعل مع الثقافات. لكن الانفتاح شيء، والاعتقاد بأنّ القيمة لا تكتمل إلا بختم أجنبي شيء آخر.

والسؤال هنا يتجاوز الذوق والمظاهر: هل انتقلت هذه النظرة إلى السياسة؟ وهل أصبحنا نثق بالسلطة حين تأتي من الخارج أكثر مما نثق بها حين تنبع من داخلنا؟

نحن شعب يفاخر بكفاءاته المنتشرة في العالم، وباللبنانيين الذين يقودون شركات ومؤسسات ويحققون نجاحات لافتة في بلدان الاغتراب. لكننا، في الوقت نفسه، نعجز عن الاتفاق على قواعد مستقرة لإدارة دولتنا. نملك القدرة الفردية على النجاح، ونفتقر إلى الثقة الجماعية اللازمة لبناء المؤسسات.

نطالب بالسيادة، ثم ننتظر الخارج ليفكّ عقد السياسة. نرفض الوصاية في الخطابات، ونبحث عن الوسيط الأجنبي عند كل مأزق. ونرفع شعار الدولة، بينما نلجأ إلى الزعيم والطائفة والواسطة كلما اصطدمنا بمؤسساتها.

وليس حضور الخارج في تاريخ لبنان تفصيلاً عابراً. فمن الانتداب الفرنسي إلى اتفاق الطائف، مروراً بسنوات الهيمنة السورية ووصولاً إلى المبادرات والوساطات الدولية، ارتبطت محطات مفصلية بتدخلات أو رعايات خارجية متفاوتة الطبيعة والنتائج.

لكن تصوير الخارج على أنه المنقذ الدائم يتجاهل حقيقة أساسية: بعض القوى التي تدخّلت للمساعدة في حل أزمات لبنان كانت، في مراحل مختلفة، جزءاً من تعقيدها. فالنفوذ الأجنبي لا يأتي بلا مصالح، والوصاية لا تتحول إلى ضمانة للعدالة لمجرد أنها قادمة من وراء الحدود.

ثم إنّ تحميل اللبنانيين وحدهم مسؤولية هذه العلاقة المضطربة بالسلطة سيكون تبسيطاً مريحاً. فالمواطن الذي فقد ثقته بقضائه وإدارته ومؤسساته لا يفضّل بالضرورة الأجنبي لأنه أجنبي، بل ربما لأنه اعتاد رؤية القانون يُطبّق بانتظام في مكان ويُساوَم عليه في مكان آخر.

وهنا تكمن المسألة: هل نحترم الأجنبي، أم نحترم المؤسسة التي تقف خلفه؟ وهل ننبهر بجنسيته، أم بالنظام الذي يجعل سلطته قابلة للمساءلة؟

هذا التمييز مهم. فلبنان لا يحتاج إلى مستعمِر جديد، ولا إلى حاكم يحمل جواز سفر أجنبياً كي يستقيم. يحتاج إلى دولة لا يُضطر المواطن فيها إلى طلب الحماية من زعيم، ولا إلى الاستعانة بوسيط لإنجاز معاملة، ولا إلى انتظار مبعوث خارجي ليذكّر المسؤولين بواجباتهم.

لكن بناء هذه الدولة يتطلب أيضاً مراجعة علاقتنا نحن بها. لا يمكن المطالبة بالقانون ثم البحث عن استثناء شخصي منه، أو التنديد بالمحسوبية صباحاً والاستفادة منها مساءً. ولا يمكن الدفاع عن السيادة بوصفها شعاراً، ثم التعامل مع مؤسسات الدولة وكأنها ملكيات خاصة تتقاسمها القوى النافذة.

ربما لم تكن مشكلتنا يوماً أننا نحب الأجانب أكثر مما ينبغي، بل أننا فقدنا الثقة بما هو وطني إلى حدّ أصبحنا معه نبحث عن الشرعية والهيبة والضمانات خارج حدودنا.

وإذا كان الاستعمار قد انتهى رسمياً، فإن السؤال الذي يستحق أن يقلقنا اليوم ليس ما إذا كنا بحاجة إلى مستعمِر جديد، بل لماذا ما زلنا ننتظر من الخارج أن يمنح دولتنا ما لم ننجح في منحه لها بأنفسنا: الشرعية والثقة والاحترام.

فالاستقلال لا يكتمل بخروج المستعمِر من الأرض، إذا بقيت هيبته في العقول.

المقال السابق
«إنذار نووي… لا تخرجوا!» قراصنة يشعلون ليلة رعب في أوكرانيا وروسيا
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

هل كان العصر الجاهلي… عصرًا جاهليًا حقًا؟!

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية