حسن الحو
لا توجد إيديولوجية تريد فرض مبادئها والوصول إلى غاياتها السياسية والاجتماعية، إلا وشيطنت باقي الأيديولوجيات أو قلّلت من شأنها أو خطّأتها في أحسن الأحوال.
نزعةٌ من التوحّش تعكس بعض ماضينا التطوري، لازمت البشرية منذ نشأتها، وكانت سببًا في الصراعات والحروب الإقليمية والعالمية طلبًا للهيمنة والاستفراد.
إلى يومنا هذا، فأغلب النقاشات الدائرة في المقاهي أو المغطّاة بالبروتوكولات الدبلوماسية في أروقة المنظمات الدولية، لا يزال طابع الإقصاء والشيطنة فيها حاضرًا بقوة، رغم ما يحاول الجميع الاتفاق عليه، ابتداءً من عدم احتكار الحقيقة، واعتبار كل الأمور نسبية قابلة للتداول، وخلق بيئة مشتركة للتعايش.
من المواضيع التي لم تحظَ باهتمام الباحثين، وكانت ضحية هذا العداء المتأصل في النفس البشرية للمختلف والمخالف، ما يُسمّى بالحقبة الجاهلية. بعد مجيء الإسلام، وصَم المسلمون العصر الذي كان قبله بعهد الجهل والانحطاط، حتى يتأتّى لهم تنفير المدعوين منه والتمهيد لنشر الدين الجديد.
فهل كان العصر الجاهلي عصرًا جاهليًا حقًا؟ وما المعايير المعتمدة لتصنيفه عصرًا ج اهليًا واعتبار غيره عصرًا متحضرًا؟
تعالوا بنا نستعرض بعض ملامح التحضّر في المجتمع الذي سبق الإسلام، وتفوّقه في إقرار مجموعة من السلوكيات المتحضّرة، التي لم يتم إقرارها إلا بعد قرون في المجتمعات الغربية.
التعددية الدينية
كانت مكة قبل الإسلام مدينة روحية يقصدها العرب للحج وممارسة طقوسهم الدينية. هذه الطقوس كانت عبارة عن خليط من الوثنية وشعائر الديانة الصابئية، وبقايا الأساطير الإبراهيمية، وتقديس النار الذي أخذه العرب من القبائل المجاورة للفرس، كعُمان والبحرين. كما لم تخلُ عقائد العرب الدينية من تأثيرات الديانتين اليهودية والمسيحية، وبقايا الرموز الدينية للحضارتين الفرعونية والبابلية.
ذكر ابن قتيبة، في حديثه عن أديان العرب في الجاهلية، أن اليهودية كانت في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة وبعض قضاعة. وذكر الأمر نفسه ابن حزم الأندلسي الظاهري في «جمهرة أنساب العرب». كما تسرّبت اليهودية إلى الأوس والخزرج بحكم المجاورة، وقد ذكر بعض المفسّرين أن سبب نزول الآية ٢٥٦ من سورة البقرة أن بعض الأنصار أراد إرجاع بعض أبنائه المتهوّدين قسرًا إلى الإسلام بعد هجرة الرسول، فنزلت الآية: «لا إكراه في الدين».
وانتشرت المسيحية بشكل أكبر بين قبائل العرب، من نصارى نجران باليمن إلى المناذرة في الشمال، كما كان للنصارى قبائل وأساقفة في عُمان، ذكرهم ياقوت الحموي في «معجم البلدان». وذكر ابن خلكان أن جميع قبائل العراق اليمانية الأصل قد تنصّرت، بما فيها تيم واللات وكلب والأشعريون وتنوخ.
كانت كل هذه التنوعات الدينية متعايشة مع بعضها بعضًا، ولم يسجّل التاريخ أي حرب دينية بين العرب من أجل فرض دين على دين آخر. فكان الأحناف منعزلين بدينهم عن الأصنام المنصوبة حول الكعبة، والنصارى يمارسون شعائرهم وينسخون ما وقعت عليه أيديهم من الكتب المقدسة، والوثنيون ينحتون ما شاء لهم النحت من تماثيل وأصنام، وكل طائفة تحترم باقي الطوائف، وتسمح لها بإقامة شعائر دينها وتخصيص مقابر لدفن موتاها.
ذكر المقدسي وجود مقبرة أثرية للمسيحيين بمكة خارج المدينة نحو طريق بئر عنبسة. وقد اشتهر في مكة من المسيحيين ورقة بن نوفل، خال خديجة زوجة الرسول، وعثمان بن الحويرث، واشتهر من الأحناف زيد بن عمرو بن نفيل، الذي نهى الرسول قبل البعثة عن أكل ما ذُبح على الأنصاب.
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو:
«أن النبي لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي الوحي، فقُدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه».
وللقصة تفصيل آخر يبيّن فضل زيد بن عمرو بن نفيل وتوجيهاته لرسول الإسلام. روى الحاكم في مستدركه، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة، قال:
«خرج رسول الله وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب، فذبحنا له شاة ووضعناها في التنور، حتى إذا نضجت استخرجناها فجعلناها في سفرتنا، ثم أقبل رسول الله يسير وهو مردفي في أيام الحر من أيام مكة، حتى إذا كنا بأعلى الوادي لقي فيه زيد بن عمرو بن نفيل، فحيا أحدهما الآخر بتحية الجاهلية… فأناخ رسول الله البعير الذي كان تحته، ثم قدمنا إليه السفرة التي كان فيها الشواء، فقال: ما هذه؟ فقلنا: هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال: إني لا آكل ما ذبح لغير الله، وكان صنمًا من نحاس يقال له: إساف ونائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله وطفت معه…».
أخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. (وهذا الحديث يستميت المرقّعون في تضعيفه رغم وجود أصله في البخاري).
القيم الأخلاقية
إذا أردنا البحث في القيم الأخلاقية بالمجتمع العربي قبل الإسلام، فسنجده مجتمعًا حافلًا بالقيم الأخلاقية الرفيعة، التي يندر وجودها اليوم، حيث كان العربي يلتزم بمنظومة سامية من الأخلاق، دون رادع قانوني غير ما تُمليه عليه نخوته ومروءته. فسادت بينهم فضيلة الكرم وقِرى الضيف، وكانوا يشعلون النار ليلًا ليهتدي إليهم ابن السبيل.
وقصة الشاعر الحطيئة، الذي لم يجد ما يطعم به ضيوفه فأشار عليه ابنه بذبحه ليتمكّن من إطعام زائريه، مشهورة معروفة. يقول الحطيئة في ميميته التي خلّدت الحادثة:
وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل ببيداء لم يعرف بها ساكنٌ رسمًا
أخي جفوة فيه من الإنس وحشة يرى البؤس فيها من شراسته نُعمى
وأفرد في شِعب عجوزًا إزاءها ثلاثة أشباح تخالهم بَهْما
رأى شبحًا وسط الظلام فراعه فلما بدا ضيفًا تسوّر واهتمّا
وقال ابنه لما رآه بحيرة أيا أبتِ اذبحني ويسّر له طُعمًا
ولا تعتذر بالعُدم علّ الذي طرا يظنّ لنا مالًا فيوسعنا ذمّا
كما عقد العرب أحلافًا محلية لنصرة المظلوم وإحقاق الحق وإرجاع المظالم إلى أهلها. ذكر ابن هشام في سيرته عن حلف «الفضول»:
«تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي لسِنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من س ائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته».
ويُقال في سبب هذا الحلف:
«أن رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة، واشتراها منه العاص بن وائل السهمي، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الأحلاف عبد الدار، ومخزومًا، وجمحًا، وسهمًا، وعديًا، فلم يكترثوا له، فعلا جبل أبي قبيس، ونادى بأشعار يصف فيها ظلامته رافعًا صوته، فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مَتْرك؟ حتى اجتمع الذين مضى ذكرهم في حلف الفضول، فقاموا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه حق الزبيدي بعد ما أبرموا الحلف». («مختصر سير الرسول»، عبد الله النجدي).
وكانوا يأنفون من الكذب والخصال الذميمة، ولو على حساب مصالحهم. فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان أخبره:
«أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا في الشام، في المدة التي كان رسول الله مهادنًا فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوه مني، وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجل، فإن كذَبني فكذّبوه، فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عليّ كذبًا لكذبتُ عليه…». («صحيح البخاري»).
كما لم تدفعهم عداوة الدين الجديد إلى الفجور في الخصومة وانتهاك الحرمات. فهذا أبو جهل، عمرو بن هشام أبو الحكم، لا تسمح له نفسه بأذية بنات محمد أو ترويعهن. قيل له: «كيف تركت محمدًا يخرج من بين أيديكم ليلة الهجرة ويلحق بصاحبه؟ لِمَ لم تكسر الباب عليه وتأخذه من سريره؟». فأجاب: «وتقول العرب: روّع عمرو بن هشام بنات محمد وهتك حرمة بيته!».
ورغم الحصار الذي فرضته قريش على أتباع محمد في شِعب أبي طالب، لم يمنع ذلك بعض القرشيين من حمل المؤونة لهم سرًا حتى لا يهلكوا جميعًا. فكان حكيم بن حزام تأتيه العير تحمل الحنطة من الشام، فيوجّه بعضها، تحت ستار الظلام، إلى الشِّعب، ويضرب أعجازها، فتدخل الشِّعب، فيأخذ المحصورون ما عليها من الحنطة. ومثله كان هشام بن عمرو يوقر البعير طعامًا، حتى إذا أقبل به فم الشِّعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه فيدخل الشِّعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره بزًّا أو بُرًّا فيفعل به مثل ذلك. («سيرة ابن هشام»).
أما عن شجاعة العرب قبل الإسلام وعدم قبولهم الذل ولو في صغائر الأمور، فحدّث عن البحر ولا حرج. وما حروب داحس والغبراء وحرب البسوس ويوم خزاز ويوم بُعاث، إلا شواهد على أنفة الإنسان العربي وصونه لكرامته بسيفه ودمائه.
وإذا كانت بريطانيا لم تعرف قصص المغامرة والتضحية من أجل الفقراء إلا مع «روبين هود»، فقد عرفها المجتمع، المسمّى ظلمًا بالجاهلي، قبل ذلك بقرون، مع الشعراء الصعاليك؛ شعراء لهم نظرة خاصة إلى الحياة والبيئة الاجتماعية، تقترب أحيانًا من التفلسف العميق والتمرد على كل الأعراف القبلية السائدة. نذروا حياتهم للغارة على قوافل الأغنياء واقتسامها مع الفقراء والمنبوذين.
وهذه بعض أشعارهم التي تختصر نظرتهم إلى الحياة. يقول الشنفرى:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القِلى متعزّلُ
أُديم مطال الجوع حتى أُميته وأضرب عنه الذكر صفحًا فأذهلُ
وأستفّ تراب الأرض كي لا يُرى له عليّ من الطَّول امرؤ متطوّلُ
ويقول تأبط شرًّا واصفًا إنفاقه ماله كله على الفقراء:
يقول أهلكت مالًا لو قنعت به من ثوب صدق ومن بزٍّ وأعلاقِ
عاذلتي إن بعض اللوم معنفة وهل متاعٌ إن أبقيته باقِ؟
الحياة الثقافية
لم تكن الحياة بالمجتمع الجاهلي، كما وصفتها السردية الإسلامية، جاهلة ومتخلفة، بل كانت حياة غنية زاخرة بالمظاهر الثقافية. فإلى جانب براعة العرب في الخطابة وفنون الشعر، ونبوغهم في تصوير بيئتهم الصحراوية والعادات الاج تماعية، وتنوّع الأغراض الشعرية لتشمل كل اهتمامات الفرد والمجتمع، فقد اهتمت الطبقة المثقفة بتنظيم أسواق ثقافية تُعدّ حدثًا موسميًا للسياحة والتجارة، وتسوية النزاعات وتنظيم المسابقات الشعرية للتباري بين شعراء القبائل.
من أبرز هذه الأسواق: سوق عكاظ، وسوق الرابية، وسوق المشقر، وسوق دومة الجندل، وسوق ذي المجاز، وسوق مجنة، وسوق نطاة خيبر، وسوق هجر.
كما عرفت مكة طائفة من المهتمين بالفلك ودراسة النجوم سُمّوا بـ«القلامسة»، كانت مهمتهم إفتاء العرب في تواريخ مناسكهم وضبط شهور السنة القمرية، عن طريق عملية «الكبس»، لتكون شهور السنة ثابتة على مدار الفصول. وهي عملية تم إهمالها بعد مجيء الإسلام، فاختلّ نظام الأشهر وأصبحت السنة الهجرية لا تصلح لتقويم فلاحي ولا لغيره.
فالعرب سمّت رمضان بهذا الاسم لأن مجيئه كان يأتي في فصل الحر، فاشتُقّ له اسم من الرمَض، أي شدة الحر، وسمّت شهرًا بشوال لأنه كان يوافق موسم تزاوج النوق وشَوَلانها بذيولها، وسمّت شهرًا بجمادى لتجمّد الماء فيه. وهكذا، لكل شهر دلالة على حدث يتكرر كل سنة، واليوم أصبحت الشهور تدور وتوافق كل فصول السنة، لإهمال التقويم الذي اعتمده القلامسة.
وكان العرب عامة يكتبون ويقرؤون بعد نقلهم حروف الهجاء من الحضارة النبطية، كما شاع بينهم نوع من التطبّب المبني على المشاهدات اليومية والتداوي بمنقوع الأعشاب.
يقول الدكتور غالب السرجاني في كتابه «قصة العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية»:
«إن عرب الجاهلية استعانوا بالأدوية البسيطة والأشربة الطبيعية، من قبيل العسل الذي اعتُبر حينذاك أساس العلاج لأمراض البطن وعلله، وفي جوانب أخرى، قام العرب بتنفيذ بعض العمليات الجراحية الصغرى، ومن بين تلك العمليات: الحجامة والبتر والكيّ والحمية والفصد».
وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب»:
«وفي مداواة الجروح تقليدٌ عربيٌ قديم هو تعبيرٌ أصيلٌ عن عبقرية العرب، ذلك أن عرب الجاهلية قد أبدعوا في مداواة الجروح المعدية ووجدوا لها وسيلة لم تُكتشف إلا في قرننا العشرين، وكان لها صدىً عظيم، ونعني بها مضادات الجراثيم، فمن سروج حميرهم ودوابهم حصلوا على المواد المضادة للجراثيم (البنسلين) وعلى دواء الهليون، وصنعوا منها مراهم وعالجوا بها جراحاتهم الملتهبة، كما أنهم نفخوا غبار الخبز العفن في الحلق لدى التهابه، كما هو معهود لدى البدو حتى أيامنا هذه».
ويقول عباس محمود العقاد:
«يبدو لنا أن اشتغال العرب الطويل برعي الماشية قد باعد بينهم وبين طب الك هانة والخرافة، وقارب بينهم وبين طب التجارب العملية، لأنهم راقبوا الحمل والولادة والنمو وما يتصل به من الأطوار الحيوية، وشرّحوا الأجسام، فعرفوا مواقع الأعضاء منها، وعرفوا عمل الأعضاء في بنية الحيوان نحوًا من المعرفة السليمة، فاقتربوا من الإصابة في تعليل المرض والشفاء». (المصدر: «أثر العرب في الحضارة الأوروبية»).
ورغم أن هذا الطب كان مقترنًا بالكهانة والعرافة، فإنه كان في بعض جوانبه معتمدًا على أسس صحيحة. واشتهر من أطباء العرب قبل الإسلام: الحارث بن كلدة الثقفي، وابن حذيم، وزينب طبيبة بني أود، وعبد الملك بن أبجر الكناني.
مكانة المرأة في المجتمعات قبل الإسلام
كانت الحرائر من النساء مصونات الأعراض، ذوات ذمة مالية مستقلة، يتمتعن بقدر وافر من الكرامة والحقوق. ولعل وضع السيدة خديجة، كتاجرة مشهورة في قريش، ومبادرتها لخطبة الرسول قبل بعثته، دليل واضح على مكانة المرأة الاعتبارية في المجتمع قبل الإسلام.
كما كانت النساء مهوى أفئدة الشعراء، يُطلب وصلهن بالقصائد الغزلية الرقيقة، ويُبذل في سبيل خطبتهن الغالي والنفيس. ولم ترضَ المرأة أن تكون موضوعًا للشعر الغزلي فقط، بل شاركت الشعراء في مضمارهم وبزّتهم في صناعتهم.
واشتهر من شاعرات العصر العربي قبل الإسلام جليلة بنت مرة، والخنساء بنت عمرو، التي كان شعرها لا يختلف في جودة صياغته وجزالة ألفاظه عن شعر فحول الشعراء، حتى ارتضوها أن تكون حكمًا بين المتنافسين.
بجانب الشعر، نبغت النساء في العرافة والكهانة، التي كانت تُعتبر علمًا روحانيًا يتطلب التمتع بقدر لا بأس به من الرصانة والحكمة، وامتلاك قواعد اللباقة والقدرة على السجع المنمّق. وحظيت الكاهنات بقدسية دينية ونفوذ كبير، فكانت آراؤهن تؤخذ على محمل الجد ولا يُراجَعن في القول.
من أشهر كاهنات العرب، اللواتي كان يُلجأ إليهن لطلب خبر الغيبيات: طريفة الكاهنة وكانت باليمن، وفاطمة الخثعمية وكانت بمكة، والزرقاء بنت زهير، وزبراء كاهنة بني رئام، وأم قرفة…
أما في الحروب، فقد كانت المرأة مدار رحى بعض الحروب، دفاعًا عن عرضها واستجابة لاستغاثتها. فهذا عمرو بن كلثوم يستلّ سيفه ليقتل عمرو بن هند بعد نداء أمه «واقوماه»، ثم يمضي منشدًا معلقته الشهيرة:
ألا هبّي بصحنك فاصبحينا ولا تُبقي خمور الأندرينا
مشعشعةً كأنّ الحُصّ فيها إذا ما الماء خالطها سخينا
صبنتِ الكأس عنّا أمّ عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرّ الثلاثة أمّ عمرو بصاحبك الذي لا تصبحينا
وكأس ٍ قد شربتُ ببعلبكٍّ وأخرى في دمشق وقاصرينا
أبا هندٍ فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبّرك اليقينا
بأنّا نورد الرايات بيضًا ونصدرهنّ حمرًا قد روينا
وأيامٍ لنا غرٍّ طوالٍ عصينا الملك فيها أن ندينا
ويكفي، لنعلم مكانة المرأة في المجتمع قبل الإسلام، أن أشهر حروب العرب، المسمّاة بحرب البسوس، قامت من أجل ناقة «البسوس»، خالة كليب بن ربيعة. حربٌ دامت أربعين سنة، قامت بين قبيلة تغلب بن وائل وأحلافها، ضد بني شيبان وأحلافها من قبيلة بكر بن وائل، بعد قتل جساس بن مرة الشيباني البكري لكليب بن ربيعة التغلبي، ثأرًا لخالته البسوس بنت منقذ، بعدما قتل كليب ناقة كانت لجارها سعد بن شمس الجرمي.
كما أُنيطت بالمرأة أدوار محورية في الحروب، فهن المسعفات وهن المشجّعات. فعندما استحكم الصراع بين الغساسنة والمناذرة، قامت حليمة بنت الحارث الغساني تتفقّد جنود أبيها بنفسها، وتدهن أيديهم بالطيب والعطر، وهي تبثّ فيهم روح الحماسة والإقدام.
وكان من بين نساء العرب طائفة تُدعى بـ«العَمَّاريات» أو «بنات طارق»، نساء ذوات جمال وحسن باهر، اقتصر دورهن على مصاحبة الجيوش في الحروب، لعقد عزائم الرجال على الاستبسال، ودفعهم للاستماتة في القتال، مقابل تسليمهن أنفسهن بعد النصر والظفر بالأعداء.
وكانت العماريات يركبن هودجًا بين المقاتلين، ويُشرن بأيديهن ليحرّضنهم على القتال. يقول المفكر والباحث السوري تركي علي الربيعو في دراسته الوصفية «طقوس الخصب عند البدو»، معرّفًا المرأة العمارية:
«امرأةٌ ذات حسبٍ ونسبٍ وأصلٍ رفيعٍ تحضّ الرجال على القتال، وهي عادةٌ بدويةٌ معروفة».
ولا تزال العمارية من طقوس الأعراس المغربية، حيث تجلس العروس على هودج مزخرف، وتشير بيديها للمدعوين، ويرافقها أحيانًا شباب بلباس الفرسان يمتطون أحصنة خشبية.
وسُمّيت بنات طارق بهذا الاسم انتسابًا إلى النجم الطارق، تعبيرًا عن شرفهن وحسنهن. يقول ابن قتيبة في «المعاني الكبير»:
«نحن بنات طارق إنما أردن بالطّارق النجم، وأنهن شبّهن أباهن بنجمٍ في علوّه وشهرة مكانه».
وبلغ من جمالهن أن فضّلتهن السيدة عائشة على الخيول العربية الأصيلة. أخرج أبو الفرج الأصفهاني في كتابه «الأغاني» عن شيخه الحرميّ، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني محمد بن يحيى عن جدّه غسّان بن عبد الحميد، قال:
«رأت عائشة زوج النبي بنات طارق اللواتي يقلن: نحن بنات طارق، نمشي على النمارق، فقالت: أخطأ من يقول: الخيل أحسن من النساء».
ولم تكن بنات طارق يستحيين من إثارة حم ية الجنود بالكشف عن مواضع جمالهن والتعرّي الفاضح. جاء في «الأغاني»:
«قال ابن الكلبيّ: لما كان يوم التحالق [يوم لبكر على تغلب من أيام حرب البسوس]، أقبل الفِنْد الزِمّاني [شاعر وفارس ربيعة من بني زِمّان بن بكر بن وائل] إلى بني شيبان، وهو شيخ كبير قد جاوز مائة سنة، ومعه بنتان له… فكشفت إحداهما هَنَها (فرجها) وتجرّدت، وجعلت تصيح ببني شيبان ومن معهم من بني بكر:
وَعَا وَعَا وَعَا حُرَّ الجَوَادُ وَالْتَظَى وَمُلِئَتْ مِنْهُ الرُّبَا يَا حَبَّذَا يَا حَبَّذَا الْمُلْحِقُونَ بِالضُّحَى
ثم تعرّت الأخرى وأقبلت تقول:
إن تُقبلوا نُعانقْ ونفرش النمارقْ أو تُدبروا نُفارقْ فراق غير وامقْ».
القصد من إيراد هذه التفاصيل هو الوقوف على الحرية الممنوحة للمرأة في العصر الذي سبق الإسلام، ودورها في الحرب والسلم. حرية لم تمنع بعضهن من نصب رايات على خيامهن، إعلامًا للراغبين في المتعة وقضاء أوقات حميمية مدفوعة الأجر، ثم إذا حدث وحملت إحداهن، دعت كل من عاشرها ثم نسبت إلى أحدهم الابن، فيقبله دون معرّة أو استهجان من المجتمع.
روى البخاري في صحيحه وأبو داود في سننه عن عائشة:
«أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء، فكان منها نكا ح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليّته فيُصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسّها أبدًا حتى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إن أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح يُسمّى نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرّ ليالٍ بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدتُ، وهو ابنك يا فلان، فتسمّي من أحبّت منهم باسمه، فيلحق به ولدها.
ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهنّ البغايا، كنّ ينصبن على أبوابهن رايات يكنّ علمًا، لمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه ودُعي ابنه، لا يمتنع من ذلك».
ومن الشخصيات المشهورة التي نتجت عن هذه العلاقات الرضائية، «زياد بن أبيه» أو «زياد بن أبي سفيان»، القائد الأموي وأحد أعلام الخلافة الراشدة الذي استلحقه معاوية كأخ له، بعد اعتراف أبيه أبي سفيان بأنه زنى بأمه «سمية» بالطائف.
إن ما ورد في الحديث من حرية جنسية، يرتضيها المجتمع ويتعايش معها، ولا يرفض ما نتج عنها من حمل، عرفها المجتمع «الجاهلي» منذ قرون، ولا تزال مطلب المنظمات الحقوقية وحركات التمرد النسوية في المجتمعات المعاصرة، التي لا تعتبر نفسها جاهلية. فالإنسان العربي قبل الإسلام كان يرضى بحكم القائف، وهو المتخصص في إلحاق المتشابهين بعضهم ببعض، الذي يمكن تعويضه اليوم بتحليل ADN، ليتحمّل تكاليف تربية ابنه دون حرج.
إن ما تقدّم ذكره من مميزات المجتمعات العربية قبل الإسلام هو صورة مصغّرة، واختصار مُخلّ، لا يعطي تلك المجتمعات حقها وما عرفته من شيم أخلاقية وقيم إنسانية رائدة، شوّهتها الدراما السينمائية والسردية التاريخية المنحازة.
فما عرفه المجتمع العربي قبل الإسلام موضوع يدعو إلى تعميق البحث حول الحقبة الموسومة بالجاهلية، لمعرفة الفرق بين شعوب كانت تحضّ على التعايش وشعوب تقتل المخالفين. بين قبائل كانت تستشير النساء… وفتاوى شيوخٍ تجعلهن عورة.
مرايانا
