في قراءة دينية وسياسية لنتائج الانتخابات الإسرائيلية، يستعيد الحاخام الأميركي إليوت كوسغروف قصة إسماعيل وإسحق في سفر التكوين، ليطرح سؤالاً يتجاوز تشكيل الحكومة المقبلة: هل تستطيع إسرائيل الاعتراف بالعرب شركاء في الحكم، أم أنها ستكرر، سياسياً، قصة إبعاد إسماعيل عن خيمة إبراهيم؟
في مقال نشرته صحيفة «ذا فورورد» الأميركية، في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، ينطلق الحاخام إليوت كوسغروف، كبير حاخامات كنيس بارك أفينيو في نيويورك، من المفارقة التي أفرزتها الانتخابات الإسرائيلية: أحزاب عربية تحقق تقدماً تاريخياً، وتصبح أصواتها حاسمة في تحديد هوية الحكومة المقبلة، بينما يرفض معظم قادة الأحزاب اليهودية التعامل معها بوصفها شريكاً شرعياً في السلطة.
فقد حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 للأحزاب المعارضة ذات القيادة اليهودية، فيما فازت الأحزاب العربية بـ19 مقعداً، وهي حصيلة تقارب ضعف تمثيلها السابق.
وبذلك، لا يستطيع أي من المعسكرين اليهوديين تشكيل حكومة بمفرده. ومع ذلك، فإن القوى القادرة حسابياً على حسم المأزق السياسي هي نفسها التي يتردد الطرفان في إشراكها في الحكم.
ويرى كوسغروف أن هذه النتيجة تكشف تناقضاً جوهرياً في الديموقراطية الإسرائي لية: كيف يمكن الاعتراف بحق المواطنين العرب في التصويت والتمثيل البرلماني، ثم التعامل مع الأحزاب التي ينتخبونها باعتبارها غير مؤهلة للمشاركة في السلطة؟
من صناديق الاقتراع إلى سفر التكوين
لا يكتفي الحاخام بالتحليل الانتخابي، بل يعود إلى إحدى القصص المؤسسة في التراث التوراتي، وهي قصة إبراهيم وسارة وهاجر وابني إبراهيم، إسماعيل وإسحق.
فبحسب رواية سفر التكوين، أنجبت هاجر المصرية إسماعيل من إبراهيم، قبل أن تنجب سارة إسحق. لكن ولادة إسحق أثارت مخاوف سارة على مكانة ابنها ومستقبله، فطالبت إبراهيم بإبعاد هاجر وإسماعيل.
ويشير كوسغروف إلى اختلاف المفسرين في تفسير دوافع سارة: هل كانت تخشى سلوك إسماعيل، أم كانت قلقة من مسألة الميراث ومكانة إسحق؟
لكن النتيجة، في الرواية التوراتية، كانت واحدة: خروج هاجر وإسماعيل إلى البرية، بعدما عجزت العائلة الأولى عن إيجاد صيغة تتيح للابنين البقاء معاً.
ومن هذه القصة يستخرج الحاخام السؤال المركزي في مقاله: ماذا لو لم يكن تحقيق المصير الخاص بإسحق يتطلب إبعاد إسماعيل؟ وماذا لو كانت خيمة إبراهيم واسعة بما يكفي ليحتفظ كل منهما بهويته ومكانته، من دون إقصاء الآخر؟
ويقرّ بأن أحداً لا يستطيع إعادة كتابة سفر التكوين، لكنه يرى أن الإسرائيليين يستطيعون اتخاذ قرار مختلف في حاضرهم السياسي.
فإذا كانت التقاليد الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية قد ربطت إسماعيل تاريخياً بأصول الشعوب العربية، فإن السؤال الذي يطرحه كوسغروف هو ما إذا كان اليهود والعرب في إسرائيل محكومين بتكرار منطق الافتراق، أم قادرين على بناء شراكة سياسية.
لماذا يُقبل المتدينون اليهود ويُستبعد العرب؟
ينتقل كوسغروف من الرمز الديني إلى الواقع السياسي، متسائلاً عن سبب اعتبار التفاوض مع الأحزاب العربية أمراً غير مقبول، فيما تتعامل الأحزاب الإسرائيلية الأخرى بصورة اعتيادية مع مطالب الأحزاب الدينية اليهودية، بما فيها الإعفاء من الخدمة العسكرية وتمويل المؤسسات الدينية.
ويذكّر بأن مشاركة العرب في الحكم ليست سابقة مجهولة تماماً. فقد اعتمد إسحق رابين على دعم أحزاب عربية من خارج ائتلافه في التسعينيات، بينما شارك حزب «راعم»، بقيادة منصور عباس، في حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام 2021.
ويلفت أيضاً إلى أن نتنياهو نفسه بحث إمكان التعاون مع عباس قبل تشكيل تلك الحكومة.
ولا يتجاهل الح اخام أثر هجوم السابع من تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبته على المجتمع الإسرائيلي، معتبراً أن الخوف وانعدام الثقة جعلا التعاون مع الأحزاب العربية أكثر صعوبة.
لكنه يرفض أن تتحول هذه المخاوف إلى مبرر دائم لاستبعاد ممثلي المواطنين العرب من السلطة.
الشراكة العربية واختبار هوية إسرائيل
يقدم كوسغروف ثلاثة مبررات رئيسية لإشراك الأحزاب العربية في الحكم.
أولها داخلي، إذ يرى أن الشراكة قد تساعد على تجاوز الانقسامات السياسية الحادة وإعادة الاعتبار إلى التسويات التي يقوم عليها النظام البرلماني.
وثانيها يتعلق بصورة إسرائيل الدولية. فهو يقرّ بأن مشاركة العرب في الحكومة لن تحل القضية الفلسطينية، ولن تنهي التفاوت القائم بين المواطنين اليهود والعرب، لكنها قد تقدم دليلاً عملياً على إمكان الجمع بين الهوية اليهودية للدولة والمشاركة الديموقراطية لمواطنيها العرب.
أما المبرر الثالث، فيتصل بأوضاع المجتمع العربي نفسه، الذي يعاني انتشار الجريمة والعنف، وضعف الخدمات والبنى التحتية، وأزمات الإسكان والتعليم.
ويرى أن منح ممثليه مسؤوليات حكومية فعلية قد يتيح معالجة هذه المشكلات بصورة أكثر جدية، ويعزز شعور المواطنين العرب بأنهم شركاء في مؤسسات الدولة، لا مجرد ناخبين يُستدعون إلى صناديق الاقتراع.
هل تتحول المعضلة إلى فرصة؟
يتوقف كوسغروف عند التعهدات التي أطلقها قادة الأحزاب قبل الانتخابات، ولا سيما رفض التعاون مع خصومهم أو مع الأحزاب العربية.
ويستحضر هنا تقليداً في الشريعة اليهودية يُعرف باسم «هتارات نِداريم»، يتعلق بإمكان التحلل من بعض النذور والالتزامات وفق شروط محددة.
ومن خلال هذه الإشارة الدينية، يدعو القادة الإسرائيليين إلى إعادة النظر في تعهداتهم الانتخابية إذا كانت تمنع تشكيل حكومة وتعطّل النظام السياسي.
ويستعيد أيضاً المقولة الشهيرة للدبلوماسي الإسرائيلي أبا إيبان عن العرب وإضاعة الفرص، متسائلاً عما إذا كانت الأجيال المقبلة ستستخدم العبارة نفسها لوصف القادة اليهود الذين أضاعوا فرصة الشراكة مع المواطنين العرب.
وفي خاتمة مقاله، يعود الحاخام إلى صورة خيمة إبراهيم، معتبراً أن إسرائيل تواجه فرصة تاريخية لتجاوز نمط الإقصاء الذي حكم علاقاتها السياسية الداخلية.
ولا يدعو كوسغروف إلى التخلي عن الهوية اليهودية لإسرائيل، بل إلى إعادة التفكير في كيفية التوفيق بينها وبين المساواة السياسية والمشاركة الع ربية في الحكم.
وهنا تكمن الفكرة الأكثر دلالة في مقاله: إنه لا يستدعي قصة إسماعيل وإسحق لتبرير الانفصال بين اليهود والعرب، بل ليطرح إمكان تجاوز هذا الانفصال.
فالمسألة، كما يصوغها، ليست ما إذا كان إسماعيل وإسحق مختلفين، بل ما إذا كان اختلافهما يفرض إخراج أحدهما من الخيمة.
وبذلك، تتحول نتائج الانتخابات الإسرائيلية من أزمة حسابات برلمانية إلى اختبار سياسي وأخلاقي: هل تتسع الدولة التي تصف نفسها بأنها يهودية وديموقراطية لمشاركة العرب في حكمها، أم أن الاعتراف بهم سيبقى محصوراً بحق التصويت، من دون حق فعلي في المشاركة بالسلطة؟
