حين يفقد العالم خوفه: كيف يحوّل الإفراط في التحذير الكوارثَ الحقيقية إلى ضجيج؟
إرهاق التشاؤم يهدد ثقة الجمهور بالخبراء والإعلام والمؤسسات، وقد يجعل المجتمعات أقل استعداداً لمواجهة الأخطار التي لا تحتمل التجاهل.
في عالم تتوالى فيه التحذيرات من الحروب والأوبئة والانهيارات الاقتصادية والتهديدات التكنولوجية، لم يعد السؤال مقتصراً على مدى خطورة ما ينتظر البشرية، بل بات يتعلق أيضاً بقدرة الناس على الاستمرار في الإصغاء إلى التحذيرات نفسها.
هل يمكن أن يصبح العالم أكثر خطورة، فيما يصبح سكانه أقل خوفاً؟ وهل تؤدي كثرة الإنذارات، بدلاً من دفع المجتمعات إلى الاستعداد، إلى خلق حالة من اللامبالاة تجعلها أقل قدرة على مواجهة الأخطار الفعلية؟
هذا ما يناقشه الكاتب جانان غانيش في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» في 10 تشرين الأول الجاري، تحت عنوان «خطر إرهاق التشاؤم» (The danger of pessimism fatigue). وتكمن الفكرة الأساسية في أن التحذير المستمر من الأسوأ قد ينتج أثراً عكسياً: فحين يسمع الناس مراراً أن العالم يقف على حافة الكارثة، قد يتوقفون تدريجياً عن التعامل مع هذه التحذيرات بجدية.
من الخوف إلى اللامبالاة
يبدأ غانيش من مفارقة يومية: الحياة تستمر، والمطاعم مكتظة، والناس يخرجون ويلتقون و يمارسون عاداتهم المعتادة، فيما تتحدث التحليلات عن مخاطر وجودية قد تهدد مستقبل البشرية.
هذا التناقض لا يعني بالضرورة أن الجمهور يجهل المخاطر أو أنه يعيش في وهم الأمان. فقد يكون بعض الناس مقتنعين بأن المستقبل مقلق، لكنهم لا يرون أن القلق المستمر سيغيّر شيئاً من واقعهم. وقد يكون آخرون قد بلغوا مرحلة من التشبع بالتحذيرات تجعلهم يتعاملون مع كل إنذار جديد باعتباره نسخة أخرى من إنذارات سابقة.
هنا تظهر ظاهرة «إرهاق التشاؤم»: عندما يتحول الخوف من استجابة لمخاطر محددة إلى حالة دائمة، يفقد تدريجياً قدرته على التأثير. فالإنذار الذي كان يفترض أن يوقظ الانتباه يصبح جزءاً من الخلفية اليومية، مثل ضجيج لا يعود أحد يلتفت إليه.
والمشكلة أن هذا الاعتياد لا يميز دائماً بين التحذير المبالغ فيه والخطر الحقيقي. فقد يفقد الجمهور حساسيته تجاه الاثنين معاً.
حين تستنزف الإنذارات المتكررة الثقة
يستعيد المقال مخاوف طبعت العقود الماضية، من احتمال اندلاع حرب نووية خلال الحرب الباردة، إلى تهديد الإرهاب بعد هجمات 11 أيلول، وصولاً إلى المخاوف من التحولات الاجتماعية التي رافقت جائحة كورونا وإجراءات الإغلاق.
لا يعني ذلك أن هذه الأخطار كانت وهمية أو أن التحذير منها كان خطأ. فالتهديد النووي كان حقيقياً، والإرهاب أوقع ضحايا، وجائحة كورونا كانت أزمة صحية عالمية. لكن المشكلة تظهر عندما تتجاوز بعض التوقعات الأدلة المتاحة، أو عندما تُقدَّم السيناريوهات المحتملة كما لو أنها نتائج حتمية، أو حين تستمر اللغة الكارثية حتى بعد تغير المعطيات.
عندئذ، لا يخسر التحذير قوته فحسب، بل قد يخسر مصدره أيضاً جزءاً من مصداقيته.
فالجمهور الذي يسمع مراراً أن أزمة ما ستغيّر الحياة إلى الأبد، ثم يكتشف أن بعض التوقعات لم تتحقق، قد يصبح أقل استعداداً لتصديق التحذير التالي. ومع مرور الوقت، لا يعود يسأل عن الأدلة التي يستند إليها الإنذار الجديد، بل يكتفي باستحضار الإنذارات السابقة التي لم تتحقق بالصورة الموعودة.
وهذه إحدى أخطر نتائج المبالغة: أن يتحول الشك المشروع في بعض التوقعات إلى رفض تلقائي للتحذيرات، حتى عندما تكون الأدلة قوية.
ليست كل المؤشرات سوداء
ينتقد غانيش أيضاً الميل إلى تصوير الحاضر باعتباره مرحلة انحدار شامل، ومقارنته بماضٍ مثالي لم يكن موجوداً بالضرورة.
ففي الخطاب المتشائم، غالباً ما تُختزل التحولات المعقدة في تفسير واحد: التكنولوجيا أفسدت العلاقات، أو وسائل التواصل دمّرت المجتمع، أو جيل جديد فقد قدرته على التفكير، أو أن العالم يتجه حتماً نحو الانهيار.
لكن الواقع أكثر تعقيداً من هذه الروايات. فإلى جانب الأزمات الفعلية، توجد مؤشرات على تحسن بعض جوانب الحياة مقارنة بأجيال سابقة، كما تختلف الاتجاهات من بلد إلى آخر ومن قطاع إلى آخر. ولا يمكن فهم الحاضر من خلال انتقاء الوقائع التي تؤكد الانحدار وتجاهل تلك التي تناقضه.
إن الاعتراف بالتقدم لا يعني إنكار الأزمات، تماماً كما أن الاعتراف بالأزمات لا يبرر اعتبار كل تطور دليلاً على الانهيار.
والصحافة التي تختار دائماً السيناريو الأكثر قتامة، لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه، تخاطر بتقديم صورة مشوهة عن الواقع. فهي قد تنجح في إثارة القلق على المدى القصير، لكنها قد تفشل في إقناع الجمهور عندما يصبح التحذير ضرورياً بالفعل.
الخطر الحقيقي: أن يأتي الإنذار الصحيح بعد فوات الأوان
تتجاوز أطروحة المقال مسألة المزاج العام لتصل إلى نتائج سياسية واجتماعية خطيرة.
فإذا اعتاد الجمهور وصف كل أزمة بأنها وجودية، وكل خصم بأنه تهديد استثنائي، وكل تحول بأنه بداية النهاية، فقد يصبح أقل قدرة على التمييز بين درجات الخطر. وعندما يظهر تهديد يستحق استجابة فعلية، قد تكون الثقة اللازمة للتحرك قد تآكلت بالفعل.
في السياسة، قد يؤدي الاستخدام المفرط للمفردات القصوى إلى إضعاف القدرة على التعبئة حين تكون التعبئة ضرورية. وفي الأمن، يمكن أن يؤدي تكرار الإنذارات غير الدقيقة إلى تراجع الاستجابة لتحذير جدي. وفي الاقتصاد، قد تدفع التوقعات الكارثية المتكررة الجمهور إلى تجاهل المخاطر أو التعامل معها باستخفاف.
وينطبق الأمر نفسه على النقاشات المتعلقة بالمناخ والذكاء الاصطناعي والحروب. فوجود مخاطر كبيرة لا يجعل كل سيناريو متشائم مرجحاً بالدرجة نفسها، ولا يحوّل كل احتمال إلى حقيقة وشيكة.
المطلوب ليس التقليل من شأن التهديدات، بل توضيح طبيعتها واحتمالاتها وشروط تحققها، والتمييز بين ما نعرفه وما نتوقعه وما لا نزال نجهله.
مسؤولية الإعلام: التحذير من دون تهويل
هنا تبرز مسؤولية الصحافة، التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تجذب انتباه الجمهور إلى المخاطر من دون أن تسهم في صناعة اللامبالاة التي تحذر منها؟
في بيئة إعلامية تنافسية، يملك العنوان الكارثي أفضلية واضحة. فعبارات مثل «العالم على حافة الانهيار» أو «التهديد الأخطر في التاريخ» أكثر قدرة على استثارة الانتباه من شرح هادئ لا حتمالات متعددة. لكن ما يجذب القارئ في المرة الأولى قد يفقد تأثيره عندما يتكرر يومياً.
ولا تكمن المشكلة في استخدام لغة قوية عندما تبررها الوقائع، بل في جعل الاستثناء قاعدة، والاحتمال يقيناً، والتوقع حقيقة مكتملة.
التحذير المسؤول يبدأ بتحديد الخطر، وتقديم الأدلة التي تدعمه، وشرح حدود المعرفة المتاحة. كما يقتضي توضيح ما إذا كان الحديث يدور عن احتمال ضعيف ذي عواقب هائلة، أم عن خطر مرجح، أم عن تطور وقع بالفعل. وهذه فروق أساسية، لا تفاصيل تقنية يمكن الاستغناء عنها من أجل صياغة أكثر إثارة.
كذلك، لا ينبغي أن تكون مهمة الإعلام إثارة الخوف وحده، بل تمكين الجمهور من فهم ما يمكن فعله. فالتحذير الذي لا يشرح سبل الاستجابة قد يترك الناس أمام شعور بالعجز، فيما يمنحهم التحليل الدقيق فرصة لتقدير المخاطر واتخاذ قرارات عقلانية.
لا للتفاؤل القسري ولا للتشاؤم الدائم
لا تعني الدعوة إلى ترشيد التحذيرات أن على الصحافة تبني خطاب متفائل، أو أن عليها تجنب الأخبار السيئة حمايةً لمعنويات الجمهور. فالتفاؤل غير المستند إلى الوقائع قد يكون مضللاً بقدر التشاؤم الذي يتجاهلها.
المطلوب هو استعادة التوازن بين التحذير والتقدير، وبين إبراز المخاطر والاعتراف بحدودها. فليس كل خطر وشيكاً، وليس كل احتمال مرجحاً، وليس كل إخفاق دليلاً على انهيار شامل.
كما أن مصداقية المؤسسات لا تُبنى عبر الادعاء بأنها تعرف المستقبل، بل عبر توضيح ما تستطيع معرفته وما لا تستطيع الجزم به، ثم مراجعة تقديراتها عندما تتغير المعطيات.
وقد تكون أهم رسالة في مقال غانيش أن الإفراط في التشاؤم لا يسيء إلى المزاج العام فحسب، بل قد تكون له عواقب عملية: إنه يضعف إحدى الأدوات التي تحتاج إليها المجتمعات لحماية نفسها، وهي القدرة على الإصغاء إلى التحذير المناسب في الوقت المناسب.
في النهاية، ليست المشكلة أن الناس لم يعودوا خائفين بما يكفي، بل أن كثرة ما يُطلب منهم الخوف منه قد تجعلهم عاجزين عن معرفة ما يستحق خوفهم فعلاً.
فالإنذار الذي يُطلق عند كل منعطف يفقد قيمته، لكن الخطر الذي لا يعود أحد يصغي إلى التحذير منه لا يصبح أقل خطورة.
