تجدّد القتال في تيغراي يهدد بتحويل النزاع الداخلي إلى مواجهة إقليمية، فيما تتحرك القاهرة وأسمرة والخرطوم ومقديشو لتنسيق مواقفها إزاء طموحات أديس أبابا في النيل والبحر الأحمر.
دخل التوتر بين إثيوبيا وإريتريا مرحلة شديدة الخطورة، بعدما تبادل البلدان الاتهامات أمام مجلس الأمن على خلفية تقارير عن توغّل قوات إريترية داخل إقليم تيغراي الإثيوبي، بالتزامن مع تجدّد القتال بين القوات الحكومية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي.
وفي موازاة التصعيد العسكري والدبلوماسي، تبرز مصر لاعباً أساسياً في المعادلة الإقليمية، في ظل تقاطع مخاوفها مع مخاوف إريتريا والسودان والصومال بشأن أمن البحر الأحمر، وطموحات إثيوبيا البحرية، والخلاف المستمر حول مياه النيل وسد النهضة.
وتعكس التحركات المصرية اتجاهاً نحو تعزيز التنسيق السياسي والأمني مع الدول الثلاث، في وقت باتت فيه التطورات داخل تيغراي مرتبطة بصورة متزايدة بالتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، وبالصراع على الممرات البحرية الاستراتيجية.
استغاثة إريترية أمام مجلس الأمن
طلبت إريتريا من مجلس الأمن الدولي اتخاذ «تدابير رادعة» لحمايتها مما وصفته بالتهديدات الإثيوبية، متهمة أديس أبابا بالتمهيد لشن «حرب عدوانية» عليها.
وجاء التحرك الإريتري بعد رسالة إثيوبية اتهمت القوات الإريترية بالتوغل داخل الأراضي الإثيوبية لمسافة تصل إلى 60 كيلومتراً، وبتمويل وتسليح ودعم المتمردين في تيغراي.
وتنفي أسمرة هذه الاتهامات، معتبرة أن الحكومة الإثيوبية تستخدمها لتبرير تصعيد عسكري محتمل ضدها. وفي المقابل، أكدت أديس أبابا حقها في الدفاع عن أراضيها، مستندة إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، من دون أن تحدد الخطوات التي قد تلجأ إليها.
لكن تقارير دولية وشهادات سكان أثارت تساؤلات بشأن النفي الإريتري. فقد تحدث شهود عن دخول قوات إريترية مدينة أديغرات، ثاني أكبر مدن تيغراي، والواقعة على مسافة نحو 25 كيلومتراً من الحدود الإريترية. كما أفادت تقارير بتعرض قوات ومعدات إريترية لضربات بطائرات مسيّرة إثيوبية، ما أدى إلى انسحابها من بعض المواقع.
ومع ذلك، لم تتمكن وسائل إعلام دولية من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل التوغل المزعوم، فيما لم تُقدَّم أدلة علنية كافية لحسم جميع الاتهامات المتبادلة.
تيغراي تعود إلى دائرة الحرب
يتزامن التصعيد الحدودي مع تجدّد المواجهات في إقليم تيغراي، الذي لم يتعافَ بعد من الحرب الدامية التي اندلعت عام 2020 وانتهت باتفاق بريتوريا في تشرين الثاني 2022.
ففي أواخر أيلول الماضي، استؤنف القتال بين القوات الحكومية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن تجدد المواجهات والتحالفات العسكرية في المنطقة.
وحققت القوات الموالية للحكومة الفيدرالية تقدماً ميدانياً، وتمكنت من دخول ميكيلي، عاصمة الإقليم، بعد انسحاب القوات المناوئة لها. وفي المقابل، اتهمت أديس أبابا إريتريا باستغلال الوضع الميداني لتوسيع تدخلها داخل الأراضي الإثيوبية ودعم خصوم الحكومة.
وتكتسب هذه الاتهامات خطورة إضافية بالنظر إلى أن إريتريا سبق أن تدخلت عسكرياً إلى جانب القوات الإثيوبية خلال الحرب السابقة ضد قوات تيغراي، قبل أن تتدهور العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا مجدداً.
ولا تقتصر تداعيات عودة القتال على الحسابات العسكرية؛ إذ تحدث سكان في مناطق المواجهات عن نقص الغذاء وإغلاق المصارف وتراجع الخدمات الطبية، في مشهد يعيد المخاوف من أزمة إنسانية واسعة في إقليم أنهكته سنوات الحرب.
