انتشر في بلدة العزونية بقضاء عاليه مقطع فيديو يُظهر الشيخ سمير شرف الدين وهو يَسحل كلبًا بعدما ربطه بحبل بمؤخرة سيارته، قبل أن يرميه على قارعة الطريق.
كان الكلب يتصبّب عرقًا، ويتلوّى من الألم، ويلهث من التعب والخوف، فيما واصل الشيخ سيره ببرودة أثارت غضب كثير من الناشطين. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن فقط في فعل التعنيف، بل في ما تلاه، إذ تحوّلت القضية من مساءلة المعتدي إلى ملاحقة الناشطة غنى نحفاوي التي نشرت الفيديو وندّدت بالحادثة، بعدما تقدّم الشيخ بشكوى ضدها بتهم القدح والذم و«المساس بالشعور الديني»، ما أدى إلى استدعائها للتحقيق وتوقيفها إثر رفضها حذف المنشور أو توقيع تعهّد بعدم النشر.
قد يختصر هذا المشهد النظرة العميقة السائدة لدى كثيرين تجاه الحيوان. فكثيرون لم يروا في الكلب كائنًا تعرّض للتعذيب بقدر ما رأوا في نشر الفيديو «فضيحة» لرجل دين، وكأن صورة الشيخ أهم من الألم الذي تعرّض له الحيوان، الذي يُنظر إليه، في رأي كثيرين، على أنه مجرد كائن وُجد لخدمة الإنسان وتسليته واستخدامه، وبالإمكان التخلّص منه أو تعذيبه بلا أي شعور بالذنب.
في مجتمعاتنا، يُنظر أحيانًا إلى المتحمّسين لحقوق الحيوان على أنهم «حيوانيون» أكثر من اللازم، فيُقال ساخرًا: «هل جعلتكم الحيوانات وكلاء حصريين أمام المحاكم، وناطقين رسميين باسمها، ومدافعين عن حقوقها؟ لم نشهد دجاجة تطالب باستعادة بيضها، ولا بقرة تنادي باسترجاع حليبها من كوب طفل، ولا دبًا يصادر فروة شقيقه من معطف سيدة».
يرى الباحثون، أن هذه النظرة تبدأ منذ الطفولة، إذ يكبر الأطفال في كثير من البيئات وسط غياب شبه كامل للتربية على الرحمة بالحيوان. فنرى أطفالًا يلاحقون القطط بالحجارة أو يربطون الحيوانات ويعذّبونها على سبيل اللهو، بينما يتعامل الأهل مع هذه التصرفات باعتبارها “شقاوة أطفال” لا أكثر. ونادرًا ما يُقال للطفل إن الحيوان يتألم كما يتألم الإنسان، أو إن الخوف الذي يراه في عيني قطة أو كلب هو شعور حقيقي، لا مشهد للتسلية. وهكذا يتربّى الطفل على فكرة أن القوة تمنح الحق في السيطرة على الأضعف، وأن التعاطف ليس قيمة أساسية في العلاقة مع الكائنات الأخرى.
ولا تتوقف المسألة عند الأفراد، بل تمتد إلى المؤسسات والسلطات. ففي كثير من القرى والبلدات ما تزال حملات قتل الكلاب الضالة بالرصاص أو السم تُنفَّذ علنًا، وغالبًا بمطالبات شعبية أيضًا، بدل البحث عن حلول إنسانية كالتلقيح والتعقيم وإنشاء مراكز للرعاية، ما يعكس ثقافة ترى في العنف أداةً مشروعة للتعامل مع المشكلات، خاصة حين يكون الضحية كائنًا عاجزًا لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه.
لقد أعادت حادثة العزونية طرح سؤال أساسي: لماذا يُلاحَق من يوثّق الانتهاك أكثر ممن يرتكبه؟ ولماذا تتحوّل تهم مثل القدح والذم أو «المساس بالشعور الديني» إلى أدوات لإسكات الناشطين بدل حماية الضعفاء؟
وعليه، فإن رقيّ المجتمعات وتحضّرها لا يُقاسان فقط بما تحققه من تقدّم مادي، بل أيضًا بمدى احترامها للحياة بكل أشكالها، بما في ذلك حياة الحيوان وحقه في الحماية والرحمة. ومن هذا المنطلق، فإن استخدام تهم القدح والذم أو «إثارة الشعور الديني» لإسكات الأصوات المدافعة عن هذه القضايا يشكّل سابقة مقلقة تمسّ بحرية التعبير، ويعكس ذهنية لا تزال تُعلي صورة السلطة والنفوذ على قيم الرحمة والعدالة.
