بدت بيروت في معهد العالم العربي في باريس مساء الثلاثاء، كما لم تُقدَّم من قبل، مدينة مُعاد تركيبها من شظاياها، لكن لا كأرشيف صامت، إ نما كجسد حيّ نابض بالصور والذكريات.
هكذا افتتح فيلم “دو يو لاف مي؟” بحضور مخرجته اللبنانية الشابة لانا ضاهر تجربته، متجاوزًا حدود الوثائقي التقليدي ليقدّم عملًا بصريًا - وجدانيًا يعيد مساءلة الذاكرة اللبنانية من داخلها.
في أول أفلامها الطويلة، تنسج ضاهر رحلة تمتد على سبعة عقود من التاريخ السمعي البصري للبنان، محوِّلةً الماضي إلى مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل والفهم. ومنذ اللحظة الأولى، يعلن الفيلم عن مشروعه بوضوح: “ليس استعادة التاريخ كما هو، بل تفكيك صوره وإعادة تركيبها”. عبر أكثر من عشرين ألف مادة أرشيفية، تتنوع بين أفلام سينمائية وبرامج تلفزيونية ومقابلات إذاعية وفيديوهات عائلية وصور فوتوغرافية، يبني العمل كولاجًا بصريًا كثيفًا يُشكّل ذاكرة بيروت كما ترسّخت في الوعي الجماعي: ذاكرة متشظية، متناقضة، ومفتوحة على الفرح والحميمية بقدر ما هي مثقلة بالدمار والفقد.
ما يميّز الفيلم أيضًا هو غياب التعليق الصوتي التقليدي، إذ تترك المخرجة الصورة تقود السرد، في رهان على قدرتها على حمل المعنى والتأثير. وقد أشارت ضاهر، التي بدأت العمل على المشروع عام ٢٠١٨، إلى أن هذا الخيار نابع من قناعة بأن الصورة تمتلك “طاقة سردية ووجدانية أعمق”، خصوصًا عند مقاربة ذاكرة جماعية معقّدة كذاكرة لبنان. أما الصوت، فيتشكّل من طبقات متعددة، يضم مقتطفات من أعمال فنية وتسجيلات وأغنيات وأرشيفات متنوعة، ما يمنح الفيلم بُعدًا سمعيًا غنيًا، أقرب إلى “مونتاج للذاكرة” منه إلى سرد خطي تقليدي.
يحمل الفيلم عنوانه من أغنية قديمة لآل بندلي، في استحضار لزمن الحرب الأهلية، لكن السؤال الذي يطرحه يتجاوز البعد العاطفي البسيط. “دو يو لوف مي؟” هنا هو سؤال عن الانتماء، عن العلاقة المعقّدة بمدينة وبلد يعيشان بين والانقسام والالتحام. ومن هذا المنطلق، يبدو الفيلم كرسالة حب طويلة إلى بيروت، مكتوبة بلغة الصورة لا بالكلمات.
غير أن قوة العمل لا تكمن فقط في أرشيفه الضخم أو بنيته الفنية، بل في أثره الممتد، فهو من تلك الأفلام التي لا تنتهي مع آخر مشهد، بل تستمر في الذاكرة، حيث تتداخل الدمعة بالابتسامة، والحنين بالنفور، والحضور بالغياب.
الفيلم من إخراج لانا ضاهر، وإنتاج جان-لوران سسينيديس، ومونتاج قتيبة برهمجي، وقد حظي بحضور لافت في مهرجانات دولية، من بينها مهرجان البندقية السينمائي، كما عُرض ضمن أسبوع النقاد في مهرجان القاهرة السينمائي. وهو يُعرض حاليًا في صالات السينما في باريس.
في “دو يو لوف مي؟”، لا تُروى بيروت كما هي، بل كما تُحَسّ وتُتَذكّر. فيلم يعيد للذاكرة صوتها وصورتها، ويترك للمشاهد مهمة إعادة اكتشافها.
