الأشخاص الذين يصلون دائمًا قبل الموعد بـ15 دقيقة يخفون غالبًا خوفًا عميقًا، وفقًا لعلماء النفس. فالوصول المبكر بشكل دائم لا يرتبط فقط بالتهذيب أو حسن التنظيم، بل قد يعكس احتياجات نفسية أعمق مما يبدو.
غالبًا ما يُنظر إلى الأشخاص الذين يحرصون على الوصول قبل الموعد بوقت كافٍ على أنهم أفراد موثوقون ومنظمون ويتمتعون بحس عالٍ من المسؤولية. وفي مجتمع يُربط فيه التأخير بقلة الجدية وعدم الاحترام، تُعتبر هذه الصفة ميزة إيجابية، بل إنها من السمات التي تُذكر كثيرًا في مقابلات العمل.
لكن علماء النفس يرون أن هذا السلوك قد يخفي أيضًا مستوى من القلق الداخلي. فالتخطيط المسبق لكل تنقل، وتوقع العراقيل المحتملة، ومحاولة تجنب أي احتمال للتأخير، كلها أمور قد تتحول إلى وسيلة لتهدئة توتر دائم يرافق الشخص.
القلق من المجهول والحاجة إلى السيطرة
بالنسبة لبعض الأشخاص، فإن الوصول المبكر ليس مجرد عادة، بل آلية دفاع نفسية. فالخوف من التأخر لا يقتصر على الإحراج الاجتماعي، بل يتحول إلى مصدر حقيقي للتوتر والاستباق الذهني.
ازدحام السير، تأخر وسائل النقل، ضياع موعد مهم أو حتى نظرة الآخرين… جميع السيناريوهات السلبية تُستحضر مسبقًا في ذهن الشخص القَلِق. وتسمح هذه الحالة من “اليقظة المفرطة” بتخفيف الشعور بعدم اليقين، وهو أمر يصعب على الشخصيات القلقة تحمّله.
ويشير الكاتب والصحافي البريطاني أوليفر بوركمان، المتخصص في علاقتنا بالوقت، إلى أن الحاجة الدائمة إلى استباق كل شيء تعكس غالبًا صعوبة في التعايش مع الم جهول. ومن هذا المنطلق، فإن الوصول المبكر لا يكون مجرد تعبير عن الانضباط أو الاحترام، بل محاولة لاستعادة السيطرة وخلق هامش أمان نفسي يخفف من القلق المرتبط بالمفاجآت.
عادة قد تحمل جوانب إيجابية
ورغم هذا البعد النفسي، فإن العلاقة الدقيقة بالوقت قد تحمل فوائد فعلية. فالأشخاص شديدو الالتزام بالمواعيد يميلون عادة إلى التخطيط الأفضل، وترتيب الأولويات بشكل أكثر فعالية، كما أنهم يتعاملون بهدوء أكبر مع ضغوط اللحظة الأخيرة.
وفي دراسة نُشرت في “المجلة الدولية للاتجاهات الجديدة في التعليم وتطبيقاتها”، أشار الباحثون إلى وجود علاقة بين قوة التحكم بالنفس والقدرة على إدارة الوقت. وخلصت الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة أعلى من الانضباط الذاتي يميلون إلى تبني سلوكيات استباقية ومنظمة تساعدهم على تقليل التوتر والمفاجآت غير المتوقعة.
وفي هذا السياق، قد يكون الوصول الدائم قبل الموعد وسيلة نفسية للحفاظ على التوازن الداخلي والشعور بالطمأنينة في حياة يراها البعض مليئة بالمفاجآت وعدم الاستقرار.
ويبقى الأمر طبيعيًا وصحيًا ما دام لا يتحول إلى مصدر معاناة أو سلوك صارم يقيّد حياة الشخص اليومية.
