مع كل موجة حر تضرب أوروبا، يتكرر سؤال يبدو بسيطًا لكنه يحمل إجابة علمية معقدة: إذا كانت الحرارة تبلغ 43 درجة مئوية في أوروبا كما في الهند أو بعض دول الشرق الأوسط، فلماذا تبدو أكثر قسوة على الأوروبيين؟
ففي حين تثير درجات الحرارة المرتفعة حالة من القلق والإغلاقات والتحذيرات في دول أوروبية، ينظر إليها كثيرون في مناطق مثل الشرق الأوسط والهند على أنها جزء معتاد من فصل الصيف. لكن الخبراء يؤكدون أن الرقم وحده لا يروي القصة كاملة.
ليست درجة الحرارة وحدها
يوضح خبراء الأرصاد أن الإحساس بالحرارة لا تحدده درجة الحرارة المسجلة فقط، بل يتأثر بعوامل عدة، أبرزها الرطوبة، وسرعة الرياح، والتعرض المباشر لأشعة الشمس، ودرجة الحرارة خلال الليل، وطبيعة المدن والمباني.
ويشير ستيفن ديكسون، المتحدث باسم هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، إلى أن الرطوبة المرتفعة تجعل تبخر العرق أكثر صعوبة، ما يحدّ من قدرة الجسم على تبريد نفسه، ويزيد الشعور بالإجهاد الحراري.
منازل تحتفظ بالحرارة
ومن الأسباب التي تجعل موجات الحر أكثر إزعاجًا في أور وبا، أن معظم المنازل بُنيت أساسًا لمواجهة الشتاء البارد، لذلك تعتمد على العزل الحراري الذي يحبس الحرارة داخلها خلال الصيف. كما أن نسبة المنازل المزودة بمكيفات الهواء لا تزال منخفضة في كثير من الدول الأوروبية مقارنة بدول الخليج أو الولايات المتحدة.
عامل التكيف
ويلعب التكيف دورًا مهمًا أيضًا. فالسكان الذين يعيشون في مناطق حارة طوال العام يعتاد جسمهم تدريجيًا على درجات الحرارة المرتفعة، بينما تواجه الشعوب التي تتمتع عادة بصيف معتدل صعوبة أكبر عند التعرض لموجات حر استثنائية.
ويقول خبراء إن الاستعداد النفسي وأنماط الحياة يؤثران كذلك في تحمل الحرارة، إذ تكون المجتمعات المعتادة على المناخ الحار أكثر استعدادًا للتعامل معها.
أوروبا والهند… لماذا يختلف الشعور؟
وأثارت موجة الحر الأخيرة نقاشًا واسعًا بعد انتشار منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يتساءل: “هل تختلف 43 درجة مئوية في أوروبا عن 43 درجة في الهند؟”
ويجيب الدكتور باليتي سيفا كارثيك ريدي، استشاري الطب الباطني، بأن جسم الإنسان يتأثر بدرجة الحرارة نفسها أينما كان، لكن البيئة المحيطة هي التي تحدد مدى خطورتها.
ويضيف أن الرطوبة ، والتعرض للشمس، وحركة الرياح، وانخفاض درجات الحرارة ليلًا، إضافة إلى ظاهرة “الجزر الحرارية” في المدن، كلها عوامل تؤثر في حجم الإجهاد الحراري الذي يتعرض له الإنسان.
عندما تصبح الرطوبة العدو الأكبر
بدورها، توضح الطبيبة الهندية مانغوشا أغراوال أن تجاوز الحرارة حاجز 40 درجة مئوية يشكل عبئًا فزيولوجيًا على الجسم في جميع أنحاء العالم، إلا أن الرطوبة المرتفعة تجعل الوضع أكثر خطورة، لأنها تمنع تبخر العرق، وهو الوسيلة الأساسية التي يستخدمها الجسم للتخلص من الحرارة.
كما أن المباني الخرسانية والتهوية الضعيفة تحتفظ بالحرارة لساعات طويلة، ما يزيد من خطر الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس.
الحرارة ليست مجرد رقم
ويؤكد الخبراء أن مقارنة درجات الحرارة بين الدول قد تكون مضللة إذا أُخذ الرقم وحده في الاعتبار. فالإحساس الحقيقي بالحرارة يعتمد على مجموعة من العوامل المناخية والبيئية، إضافة إلى مدى استعداد البنية التحتية والسكان للتعامل مع موجات الحر.
لذلك، قد تبدو 43 درجة مئوية في أوروبا أشد وطأة من الدرجة نفسها في مناطق اعتادت هذا المناخ، ليس لأن الحرارة مختلفة، بل لأن الظروف المحيطة بها مختلفة.
