يُقال دائماً إن التسامح يساعد الإنسان على المضي قدماً والتخلص من أثقال الماضي، لكن عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الوالدين، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً. فبعض الأشخاص يجدون صعوبة كبيرة في تجاوز ما تعرضوا له خلال الطفولة، خصوصاً عندما تكون تلك التجارب مرتبطة بمن يفترض أن يكونوا مصدر الأمان والدعم.
وتشير دراسات حديثة إلى أن مسامحة الوالدين ليست مستحيلة، لكنها غالباً ما تكون عملية طويلة تحتاج إلى وعي ورغبة حقيقية في تجاوز الألم، وليس مجرد قرار لحظي. فالتسامح، وفق الباحثين، لا يعني تبرير الأذى أو نسيان ما حدث، بل محاولة فهم التجربة والتعامل معها بطريقة تسمح للشخص بالمضي في حياته.
جراح الطفولة تجعل التسامح أكثر صعوبة
بحسب دراسة نُشرت عام 2024 وشملت بالغين تعرضوا لجروح عاطفية عميقة بسبب والديهم، فإن بعض التجارب تجعل مسار التسامح أكثر صعوبة، من أبرزها:
العنف النفسي أو الجسدي، الذي قد يترك آثاراً طويلة على شعور الشخص بالأمان والثقة. الإحساس بالرفض أو عدم القبول، عندما يشعر الطفل بأنه لم يحصل على الحب أو الاهتمام الذي يحتاج إليه. الخيانة المتكررة للثقة، سواء عبر الوعود التي لم تُحترم أو التصرفات التي سببت ألماً مستمراً. غياب الأمان العاطفي، عندما لا يجد الطفل الدعم والاحتواء في مراحل نموه الأولى.
ويرى الباحثون أن هذه التجارب لا تؤثر فقط على العلاقة مع الوالدين، بل قد تغير طريقة تعامل الشخص مع العلاقات الأخرى وشعوره بقيمته الذاتية.
فهم الوالد لا يعني تبرير أفعاله
يشير العلماء إلى أن أحد عناصر عملية التسامح هو محاولة فهم تاريخ الوالد وظروفه النفسية والاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها. فمعرفة أسباب بعض التصرفات قد تساعد في رؤية الصورة بشكل أوسع، لكنها لا تعني بالضرورة قبول الأذى أو إنكار ما حدث.
ويؤكد الباحثون أن هناك فرقاً بين الفهم والتبرير؛ فقد يفهم الإنسان لماذا تصرف أحد والديه بطريقة مؤذية، لكنه يظل محتفظاً بحقه في الاعتراف بالألم الذي سببه ذلك التصرف.
عندما تؤدي الجراح إلى القطيعة
وفي بعض الحالات، لا تبقى آثار هذه التجارب داخلية فقط، بل قد تؤدي إلى ابتعاد الأبناء عن والديهم أو حتى قطع العلاقة بشكل نهائي.
وتشير دراسات أخرى إلى أن أسباب هذا الابتعاد غالباً ما ترتبط بالشعور بالإساءة العاطفية، أو غياب الدعم، أو استمرار السلوكيات التي يراها الأبناء مؤذية أو مدمرة. ويصف الباحثون هذا الابتعاد بأنه قرار قد يتخذه أحد أفراد الأسرة بهدف حماية نفسه والحفاظ على توازنه النفسي.
التسامح رحلة شخصية لا قاعدة مفروضة
لا يوجد وقت محدد للتسامح، كما لا يُعدّ واجباً يحدث بمجرد طلبه. فلكل شخص تجربته الخاصة وطريقته في التعامل مع الألم.
ويرى المختصون أن التسامح، عندما يحدث، يكون نتيجة مسار تدريجي يقوم على فهم المشاعر ومعالجة الجراح وبناء علاقة أكثر سلاماً مع الماضي. لكنه لا يعني بالضرورة العودة إلى العلاقة السابقة أو تجاهل الحدود التي يحتاج إليها الشخص لحماية نفسه.
في النهاية، تؤكد الأبحاث أن التسامح مع الوالدين ممكن، لكنه يحتاج إلى وقت ووعي، وأن بعض الجراح العميقة التي تبدأ في الطفولة قد تجعل هذا الطريق أطول وأكثر تعقيداً. فالهدف ليس محو الماضي، بل الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش دون أن يظل أسيراً لما حدث.
