صدحت قصائد الشاعر اللبناني الراحل شوقي أبي شقرا مساء السبت في معهد العالم العربي بباريس، خلال أمسية تكريمية خُصّصت لاستعادة تجربته الشعرية والاحتفاء بإرثه الأدبي، ضمن برنامج «الشعر ديوان العرب» (Les Samedis de la poésie) الذي ينظمه المعهد في السبت الأخير من كل شهر، احتفاءً بالشعر العربي وأبرز أصواته.
واستعادت الأمسية عالماً شعرياً متفرّداً، شكّل علامة فارقة في مسيرة الحداثة الشعرية العربية، إذ تميّزت قصائد أبي شقرا بقدرتها على ابتكار الصور والتراكيب غير المألوفة، وتحرير اللغة من قوالبها التقليدية، في تجربة جمعت بين الخيال السوريالي والدهشة اللغوية، مع الاحتفاظ بجذور متصلة بالتراث الشعري العربي.
وشهد اللقاء قراءات شعرية باللغتين العربية والفرنسية، شارك فيها المؤرخ والناشر السوري فاروق مردم بك، والشاعر والكاتب اللبناني عيسى مخلوف، إلى جانب قراءات باللغة الفرنسية قدمتها الممثلة كليمانس أزانكور. واستندت النصوص الفرنسية إلى ترجمات أنجزها عدد من الأدباء والمترجمين، من بينهم الأديبة اللبنانية الراحلة فينوس خوري غاتا، والشاعر والكاتب والدبلوماسي الراحل صلاح ستيتية، في تجربة أتاحت للقصيدة أن تعبر من لغتها الأصلية إلى فضاء ثقافي آخر، من دون أن تفقد خصوصيتها وإيقاعها.
شوقي أبي شقرا… شاعر الدهشة والخيال
وُلد شوقي أبي شقرا في بيروت عام 1935، ونشأ في بيئة جبل لبنان التي تركت آثارها في مخيلته الشعرية. ويُعدّ من أبرز وجوه الحداثة الأدبية العربية ومن رواد قصيدة النثر، كما ارتبط اسمه بمجلة «شعر» التي أسسها يوسف الخال في بيروت عام 1957، وكان من أركانها البارزين، حيث تولى سكرتارية التحرير وأسهم في ترسيخ توجهاتها التجديدية.
ومن مجموعته الأولى «أكياس الفقراء»، بدأ أبي شقرا بناء عالم شعري خاص، اتسم بلغة طازجة ومخيلة متحررة من المألوف، تتداخل فيها الطبيعة والتفاصيل اليومية مع صور سريالية ومفارقات لغوية تمنح الأشياء العادية أبعاداً غير متوقعة. وتوالت مجموعاته الشعرية، لتكرّس مكانته صوتاً متميّزاً في حركة التجديد الشعري العربي.
ولم يقتصر اهتمامه على الكتابة الشعرية، بل أسهم أيضاً في نقل الأدب الفرنسي إلى العربية، من خلال ترجماته لأعمال عدد من الشعراء الفرنسيين، بينهم Rimbaud, Lautréamont, Apollinaire et Pierre Reverdy
من القصيدة إلى الصحافة الثقافية
إلى جانب حضوره الشعري، كان أبي شقرا أحد أبرز رواد الصحافة الثقافية في ل بنان والعالم العربي. ففي عام 1964، التحق بصحيفة «النهار» البيروتية، وتولى تأسيس وإدارة صفحة ثقافية متخصصة في النقد الأدبي والفني، قبل أن يسهم في إطلاق ملحق أسبوعي ثقافي. وعلى امتداد نحو خمسة عقود من العمل الصحافي، حافظ على أسلوبه الخاص الذي جمع بين الحس النقدي والابتكار واللغة المميزة.
ورحل شوقي أبي شقرا في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2024 في بيروت، عن عمر ناهز 89 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً شعرياً وصحافياً راسخاً في ذاكرة الثقافة اللبنانية والعربية.
ومن باريس، جاءت الأمسية لتؤكد أن رحيل الشاعر لا يعني غياب قصيدته، وأن تجربة شوقي أبي شقرا ما زالت قادرة على إثارة الدهشة واستقطاب القراء، حتى حين تنتقل من العربية إلى الفرنسية. فقصيدته التي راهنت على حرية اللغة واتساع الخيال تواصل عبور الحدود، حاملة معها صوت شاعر جعل من الشعر مساحة مفتوحة للتجديد والاكتشاف.
