وزير العدل يستعين بالسينما لتقريب القضاء من الناس
يستعين وزير العدل عادل نصّار بالسينما لفتح نقاش مع القضاة والجمهور حول العدالة كما يُفترض أن تُمارَس، والعوائق التي تواجهها في الواقع. ففي الدورة الثانية من «العدالة والسينما»، التي تنطلق مساء الاثنين 9 تشرين الثاني في بيروت، تتيح الأفلام للقضاة مناقشة نماذج تجسّد استقلالهم ومسؤوليتهم، وللجمهور أن يرى كيف يمكن للضغط السياسي أو لتضامن أفراد مؤسسة مع زملائهم أن يعرقل الوصول إلى الحقيقة. ويشارك نصّار شخصيًا في نقاشين، أحدهما بعد فيلم عن محكمة سخّرتها السلطة لتنفيذ قرارها، والآخر بعد فيلم عن قاضٍ يحاول مساءلة الشرطة.
تقدّم وزارة العدل اللبنانية الدورة، التي تستمرّ حتى 14 كانون الأول، في إطار مبادرة أُطلقت في خريف 2025 بالتعاون مع المعهد الفرنسي في لبنان وبالشراكة مع «متروبوليس». وتستضيف سينما متروبوليس العرضين الأولين، فيما يُقام العرضان الآخران في سينما مونتانيه في المعهد الفرنسي. ويلي كلّ فيلم نقاش يشارك فيه، بحسب الأمسية، قضاة وأساتذة ق انون وشخصيات من السينما والإعلام.
من قاعة العرض إلى النقاش العام
عند إطلاق المبادرة العام الماضي، قالت رينا صفير، المكلّفة بها لدى وزارة العدل، إنّ الهدف هو جعل العدالة أقرب إلى الجمهور وأسهل فهمًا، وإقامة حوار بين العاملين في القضاء والثقافة والمواطنين. وظهر هذا التوجّه في عرض وثائقي «12 لبنانيًا غاضبًا»، الذي أنجزته زينة دكّاش مع سجناء في رومية، وتلاه نقاش شارك فيه سجناء سابقون. أتاح العرض يومها للجمهور أن يسمع تجربة أشخاص عاشوا داخل السجن، وأن يناقش معهم أثر العقوبة في حياتهم.
وتكتسب البرمجة الجديدة دلالة لبنانية في ظلّ النقاش المستمرّ بشأن استقلال القضاء العدلي.
وفي هذا السياق، تتيح الأفلام نقل النقاش من عنوان «استقلال القضاء» إلى أسئلة ملموسة. ماذا يفعل القاضي حين يُطلب منه أن يمنح قرارًا سياسيًا صفة الحكم؟ وما الذي يساعده على متابعة تحقيق حين تطال الشبهة عناصر من جهاز أمني؟
وتعطي صيغة العرض المتبوع بنقاش الجمهور فرصة لسؤال الوزير والقضا وتعطي صيغة العرض المتبوع بنقاش الجمهور فرصة لسؤال الوزير والقضاة مباشرة عن هذه العوائق، ولأهل القضاء فرصة لسماع ما يتوقّعه الناس من المحكمة. كما تُدخل الأمسيتان الأخريان إلى الحوار جانبًا أقلّ حضورًا في السجال المؤسسي، هو أثر المحاكمة في نظرة الناس إلى المتّهم، وما يحتاج إليه الضحايا بعد صدور الحكم.

«المحكمة الخاصة»… حين تسبق الإعداماتُ المحاكمةَ
يفتتح فيلم كوستا غافراس Section spéciale الدورة في 9 تشرين الثاني في متروبوليس. يستعيد الفيلم، الحائز جائزة الإخراج مناصفة في مهرجان كان عام 1975، واقعة من فرنسا المحتلّة عام 1941. فبعد مقتل عسكري ألماني في باريس، أنشأ نظام فيشي هيئة قضائية استثنائية، وأُعطي النصّ المنشئ لها تاريخًا يسبق مقتل العسكري. وطُبّق النصّ بأثر رجعي، وأُعدم ثلاثة رجال كانوا أصلًا في السجن ولم يشاركوا في الهجوم. وكانت الأحكام تُنفَّذ فورًا، من دون تسبيب أو إمكان للطعن.
يتابع الفيلم كيف انتهى طلب سياسي بالانتقام إلى أحكام أصدرها قضاة، واضعًا مسؤوليتهم الشخصية في قلب الحكاية. ويلي العرض نقاش مع نصّار ودكّاش، التي عملت سنوات مع سجناء في لبنان.
«سانت أومير»… ما الذي يبقى عصيًّا ع لى الحكم؟
في 16 تشرين الثاني، تعرض متروبوليس فيلم Saint Omer لأليس ديوب، الحائز الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان البندقية عام 2022. استلهمت ديوب الفيلم من محاكمة حضرتها عام 2016، وحوّلتها إلى حكاية روائية شابّة تتابع قضية امرأة متّهمة بترك طفلتها على شاطئ مع ارتفاع المدّ. تذهب الروائية إلى المحكمة بحثًا عن مادة لكتاب، لكنّ ما تسمعه في الجلسات يدفعها إلى مراجعة تصوّراتها عن الأمومة والمرأة التي تحاكمها.
يمنح الفيلم الشهادات وكلام المتّهمة مساحة واسعة. وبينما تسعى المحكمة إلى تحديد المسؤولية، يجد المشاهد نفسه أمام سؤال عن مقدار ما يستطيع فهمه من دوافع الجريمة، وعن أثر أحكامه المسبقة في الطريقة التي يسمع بها رواية المتّهمة. ويشارك في النقاش أستاذ الأدب والسينما سيدريك مونتيل وأستاذة القانون الخاص في جامعة القدّيس يوسف ندى شاوول.
«قتلة النظام»… قاضٍ يحقّق مع الشرطة
تنتقل الدورة في 7 كانون الأول إلى سينما مونتانيه، حيث يُعرض فيلم مارسيل كارنيه Les Assassins de l’ordre، المقتبس من رواية جان لابورد. يؤدّي جاك بريل دور قاضي التحقيق برنار ليفيل، الذي يتولّى ملفّ وفاة رجل بعد استجوابه في مركز للشرطة. وحين يبدأ بملاحقة الشرطيين المعنيين، يواجه تضامن ز ملائهم معهم وضغوطًا على التحقيق.
ويقدّم الفيلم نموذجًا لقاضٍ يختبر استقلاله في تفاصيل عمله اليومي، من سماع الشهود وجمع الأدلّة إلى اتّخاذ القرارات حين يطال الاتهام من يتولّون إنفاذ القانون. ويشارك في النقاش وزير العدل والقاضي نسيب إيليا، عضو مجلس القضاء الأعلى.
«سأظلّ أرى وجوهكم»… ماذا يحتاج الضحايا بعد الجريمة؟
تُختتم الدورة في 14 كانون الأول، في سينما مونتانيه، بفيلم جان هيري Je verrai toujours vos visages. ويتابع الفيلم لقاءات طوعية بين ضحايا وأشخاص ارتكبوا جرائم، بإشراف مختصّين وبعد تحضير المشاركين. وقد تجمع هذه اللقاءات أشخاصًا من قضايا مختلفة. وتتيح للضحايا التحدّث عن أثر الجريمة في حياتهم، وللمرتكبين سماع ما يمكن أن تخلّفه أفعال كهذه لدى الآخرين.
يعرّف الفيلم الجمهور إلى «العدالة التصالحية» بوصفها مسارًا مكمّلًا للعدالة الجزائية ومستقلًا عن العقوبة. ويلي العرض نقاش مع المديرة التنفيذية لمجموعة «لوريان لو جور» ريما عبد الملك وعميدة كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة القدّيس يوسف ماري كلود نجم.
تُقام العروض الأربعة عند السابعة مساءً، والدخول مجاني.
