لطالما ترددت المقولة الشهيرة: “من لا يُجازف لا يربح”، إلا أن دراسات علمية حديثة تشير إلى أن هذه العبارة ليست مجرد حكمة شعبية، بل تستند إلى أسس علمية تربط بين الاستعداد للمخاطرة المدروسة وتحقيق النجاح.
ففي عالم الأعمال وريادة المشاريع، غالبًا ما تُروى قصص نجاح شخصيات مثل ستيف جوبز، وبيل غيتس، وإيلون ماسك، لكن ما يُغفل في كثير من الأحيان هو حجم القرارات الجريئة التي اتخذها هؤلاء في مراحل مبكرة من مسيرتهم.
فقد راهن ستيف جوبز على تطوير جهاز “ماكنتوش” رغم كلفته العالية والظروف المالية الصعبة التي كانت تمر بها شركته آنذاك، فيما قرر بيل غيتس ترك جامعة هارفارد قبل إكمال دراسته للتفرغ لتطوير شركة “مايكروسوفت”، في خطوة لم يكن يضمن نتائجها.
المخاطرة والنجاح… علاقة مثبتة علميًا
وكشفت دراسة نُشرت عام 2021 بعنوان “رأس المال النفسي للنجاح: الدور الوسيط للمثابرة الريادية والميل إلى المخاطرة” أن الأشخاص الذين يحققون نجاحات أكبر هم غالبًا الأكثر استعدادًا لاتخاذ مخاطر مدروسة، الأمر الذي يمنحهم قدرة أفضل على استغلال الفرص واتخاذ قرارات حاسمة.
وأوضحت الدراسة أن الثقة بالقدرات الشخصية، إلى جانب المثابرة، تشكلان عنصرين أساسيين في تعزيز فرص النجاح، إذ تساعدان الأفراد على التعامل مع التحديات وعدم التردد في اغتنام الفرص.
رواد الأعمال أكثر استعدادًا للمجازفة
وتتفق مع هذه النتائج أبحاث أجراها باحثون من جامعتي بيرغن النرويجية وستيرلينغ البريطانية عام 2013، أظهرت أن الأشخاص الأكثر ميلًا إلى المخاطرة هم أيضًا الأكثر احتمالًا لتأسيس شركات ومشاريع جديدة.
غير أن الباحثين شددوا على أن النجاح لا يرتبط بالمجازفة غير المحسوبة، بل بالمخاطرة الواعية القائمة على تقييم دقيق للفرص والتحديات.
وفي السياق نفسه، حذرت دراسة نُشرت عام 2024 من أن الإفراط في المخاطرة قد ينعكس سلبًا على استدامة الشركات ونجاحها على المدى الطويل، ما يجعل تحقيق التوازن بين الجرأة والحكمة أمرًا ضروريًا.
الثقة بالنفس تصنع الفارق
ويرى الباحثون أن الميل إلى المخاطرة لا يرتبط بالشخصية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالقدرات المعرفية ومستوى الثقة بالنفس.
فالأشخاص الذين يؤمنون بقدراتهم يكونون أكثر استعدادًا لاتخاذ قرارات صعبة وخوض تجارب جديدة، وهو ما يفتح أمامهم فرصًا قد لا يجرؤ الآخرون على استكشافها.
في المقابل، يميل الأشخاص الذين يفتقرون إلى الثقة بأنفسهم إلى اختيار الخيارات الآمنة وتجنب المجازفة، ما قد يحدّ من فرصهم في تحقيق إنجازات استثنائية.
ويخلص الباحثون إلى أن النجاح لا يتحقق بالمخاطرة وحدها، بل بالمخاطرة المدروسة التي تستند إلى التخطيط، والثقة بالنفس، والقدرة على تقييم النتائج قبل اتخاذ القرار، وهو ما قد يكون الفارق بين فرصة ضائعة وإنجاز كبير.
