تبدو السلطة اللبنانية وكأنها تدور في حلقة من التخبط السياسي والقضائي، فتُستنزف في معارك جانبية، فيما تواجه ملفات تمسّ الأمن الوطني والسيادة وموقع لبنان الإقليمي من دون أن تبلور حيالها سياسة واضحة أو قرارات حاسمة. وبين تضخيم إجراء إداري في ملف السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوّض، والتخبّط في ملف اليونيفيل، والغموض المحيط بقضية المتفجرات، تتراكم الأسئلة عن أولويات الدولة وقدرتها على فرض سلطتها.
السفيرة معوّض: ضجة تتجاوز الإجراء
أثارت إحالة الإخبار المقدّم ضد السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوّض إلى النيابة العامة العسكرية موجة من الاعتراضات والاستنكار، وبلغت ردود الفعل حدّ الاستغراب من تحويل القضية إلى القضاء العسكري، على خلفية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن اتصال هاتفي أجرته مع السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر، لمواساته بعد إصابة نجله في حادثة دهس في الضفة الغربية.
لكنّ مصدراً في وزارة العدل اللبنانية أفاد «نيوزاليست» بأن إحالة الإخبار التي قام بها المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج لا تعدو كونها إجراءً إدارياً، ولا تش كّل بحدّ ذاتها ملاحقة قضائية للسفيرة. وأوضح أن الإحالة ترتبط بطبيعة موضوع الإخبار، المتصل بالتواصل مع العدو، والذي يدخل ضمن اختصاص القضاء العسكري، كاشفاً أنه لم يُتخذ حتى الآن أي إجراء قضائي في القضية.
وذهب المصدر إلى اعتبار أن منطق الأمور يقتضي حفظ الإخبار واعتبار الملف كأنه لم يكن. وكان المحامي حسن عادل بزي قد تقدّم في 29 أيلول الماضي بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية ضد معوّض.
وفي خضم هذه القضية، أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن استنكارها إحالة الشكوى إلى القضاء العسكري، معتبرة أن ملاحقة السفيرة بسبب تنفيذ سياسة حكومتها الشرعية والمشاركة في مفاوضات تقودها الولايات المتحدة أمر «مثير للاستياء».
المفارقة هنا أن إجراءً إدارياً لم يتحول، وفق مصدر وزارة العدل، إلى ملاحقة قضائية، بات يستحوذ على مساحة واسعة من السجال السياسي، فيما لا تزال ملفات أكثر خطورة وإلحاحاً تنتظر أجوبة واضحة من الدولة. فالمشكلة لا تكمن في حق القضاء في تلقي الإخبارات ومعالجتها وفق الأصول، بل في كيفية إدارة السلطة للأولويات، ومنع تحويل الإجراءات الأولية إلى معارك سياسية تستنزف مؤسساتها.
اليونيفيل: معركة سياسية بلا أفق واضح
وفي ملف اليونيفيل، تخوض السلطة معركة التمسك ببقاء القوات الدولية، مستندة إلى أهمية دورها في الجنوب والتضحيات التي قدمها أفرادها، في وقت تتزايد المؤشرات إلى صعوبة استمرار المهمة بصيغتها الحالية بعد انتهاء ولايتها.
لا تكمن المشكلة في الدفاع عن بقاء اليونيفيل، بل في غياب تصور متكامل لما بعد انتهاء ولايتها، وفي عدم وضوح البدائل العملية القادرة على سدّ الفراغ الأمني والميداني. فالإصرار السياسي، مهما كانت مبرراته، لا يكفي وحده لتغيير مواقف الدول المؤثرة في مجلس الأمن، ولا يغني عن إعداد خطة لبنانية واضحة تضمن استمرار الرقابة الدولية والمساندة للجيش وحماية الاستقرار في الجنوب.
وبين التمسك بالمهمة الدولية من جهة، وصعوبة تأمين توافق دولي على استمرارها أو إيجاد بديل فاعل من جهة أخرى، تبدو الدولة وكأنها تخوض معركة دفاعية من دون امتلاك أوراق كافية لضمان نتيجتها.
المتفجرات: أسئلة أمنية بلا أجوبة سياسية حاسمة
أما قضية نقل المتفجرات داخل الأراضي اللبنانية، فتطرح أسئلة تتجاوز تفاصيل الضبط والتحقيق إلى طبيعة التهديد الذي تواجهه البلاد، والجهات التي تقف خلفه، والوجهة التي كانت المتفجرات تسلكها، والأهداف المحتملة لاستخدامها.
في ملف بهذه الخطورة، لا تكفي البيانات الأمنية والإجراءات القضائية الأو لية لتبديد المخاوف. المطلوب كشف ملابسات القضية كاملة، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، وإطلاع اللبنانيين على ما يمكن إعلانه من نتائج التحقيق، بعيداً من التوظيف السياسي أو الأحكام المسبقة.
لكنّ ما يزيد الالتباس هو غياب موقف سياسي متكامل يوضح كيف ستتعامل الدولة مع أي تهديد لأمنها، وكيف ستمنع تكرار حوادث مماثلة، وما إذا كانت ستترجم نتائج التحقيقات إلى إجراءات تضمن حصر السلاح والقرار الأمني بالمؤسسات الشرعية.
إيران تعود إلى المشهد عبر المال
وفي موازاة هذه الملفات، يعود النفوذ الإيراني إلى واجهة النقاش اللبناني مع إعلان «حزب الله» حصوله على أموال عبر شبكات غير شرعية، وفق ما ورد في التصريحات والتقارير المتداولة بشأن مصادر تمويله.
ويطرح هذا الملف تحدياً مباشراً أمام الدولة: هل تملك القدرة على تعقّب مسارات الأموال، والتحقق من مصادرها وطرق إدخالها، وملاحقة الشبكات التي قد تكون متورطة في تجاوز القوانين المالية؟ أم أن التعامل معه سيبقى محصوراً في تبادل الاتهامات والتصريحات؟
إن معالجة التمويل غير الشرعي لا تكون بالشعارات، بل بتحقيقات مالية وقضائية شفافة، وبالتعاون مع الجهات الدولية المختصة، وتطبيق القوانين على الجميع من دون استثناء. أما ترك الملف معلقاً، فيبقي لبنان عرضة لتداعيات الصراع الإقليمي، ويضعف قدرة مؤسساته على ضبط حدوده المالية والأمنية.
حزب الله يتحرك وإسرائيل ترسم معادلة جديدة
وفي الوقت الذي تنشغل فيه السلطة بهذه السجالات، يواصل «حزب الله» تحركاته السياسية والأمنية والمالية، فيما يعلن المسؤولون الإسرائيليون مواقف أكثر وضوحاً بشأن طبيعة أي مواجهة مقبلة واحتمالات توسيع العمليات داخل لبنان.
وقد رسم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في مواقفه الأخيرة، ملامح تهديدات تتجاوز الرد العسكري التقليدي، متحدثاً عن احتمال توسيع العمليات والاستيلاء على أراضٍ إضافية في جنوب لبنان إذا انخرط الحزب في مواجهة جديدة إلى جانب إيران.
هذه التصريحات لا تعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُّخذ، لكنها تفرض على الدولة اللبنانية التعامل معها بوصفها مؤشراً يستوجب الاستعداد السياسي والعسكري والدبلوماسي، لا الاكتفاء بمراقبة التطورات أو انتظار ما ستقرره الأطراف الخارجية.
والمعضلة أن لبنان يجد نفسه بين احتمال توسع المواجهة الإسرائيلية، واستمرار امتلاك «حزب الله» هامشاً واسعاً للتحرك خارج قرار الدولة، وبين سلطة لم تحسم بعد كيفية ترجمة مبدأ حصرية السلاح والقرار الأمني إلى خطوات عملية قاب لة للتنفيذ.
دولة تلاحق التفاصيل وتترك الأسئلة الكبرى معلّقة
من ملف السفيرة معوّض، حيث تحولت إحالة إدارية إلى عاصفة سياسية، إلى اليونيفيل التي لا يزال مصيرها وبدائلها موضع تجاذب، مروراً بقضية المتفجرات وشبكات التمويل، وصولاً إلى تهديدات إسرائيل واحتمالات المواجهة المقبلة، تبدو السلطة اللبنانية عاجزة عن ترتيب أولوياتها ضمن استراتيجية واحدة.
لا يكفي أن ترفع الدولة شعار السيادة، ولا أن تتمسك بالشرعية الدولية، ولا أن تعلن رفضها أي تهديد لأمن البلاد. فهذه المواقف تحتاج إلى قرارات وإجراءات متناسقة، وإلى قدرة على فرض القانون على الجميع، وإلى سياسة واضحة تمنع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
المشكلة ليست في كثرة الملفات، بل في غياب البوصلة التي تجمعها. فالدولة التي تريد استعادة هيبتها لا تستطيع أن تستنزف نفسها في سجالات حول إجراءات أولية، فيما تبقى أسئلة المتفجرات والتمويل والسلاح ومستقبل الجنوب معلّقة، ويستمر الآخرون في رسم قواعد المواجهة المقبلة على أرضها.
هكذا تبدو سلطة لبنان اليوم: حاضرة في ردود الفعل، غائبة عن الحسم، وتائهة بين معارك صغيرة وتهديدات كبرى.
