تدخل الضفة الغربية مرحلة جديدة من التصعيد، مع إطلاق الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية واسعة في مدينة الخليل، عقب هجوم مسلّح أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين، بالتزامن مع هدم منشآت وإخلاء سكان من منازلهم، وتشديد القيود على الحركة، وتصاعد الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وتتجاوز الإجراءات الإسرائيلية، وفق المعطيات الواردة، استهداف منفّذي الهجوم إلى تدابير تطاول مناطق سكنية وبلدات فلسطينية، وسط اتهامات فلسطينية وإدانات حقوقية باستخدام العقاب الجماعي والتهجير القسري.
الخليل: عملية أمنية وإجراءات عقابية
أعلن الجيش الإسرائيلي، مساء الجمعة، إطلاق عملية لمكافحة الإرهاب في الخليل، بمشاركة الجيش وجهاز الأمن العام «الشاباك» وشرطة حرس الحدود والإدارة المدنية.
وقال إن العملية تهدف إلى تنفيذ عمليات تفتيش دقيقة، وتفكيك البنى التحتية المسلحة وضبط الأسلحة، واستجواب عشرات المشتبه فيهم، متوقعاً استمرارها عدة أيام.
وجاءت العملية بعد مقتل جنديي ن إسرائيليين في إطلاق نار استهدف نقطة تفتيش عند أحد مداخل المدينة. وأعلن الجيش أنه قاس منازل المسلّحين المنفّذين تمهيداً لاحتمال هدمها، فيما فرض إغلاقاً على الخليل وبلدات وقرى فلسطينية مجاورة.
لكن الإجراءات لم تقتصر على منازل المنفّذين. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه تدمير الحي الذي كانا يقطنان فيه، وطلب الاستعداد لفرض إغلاق شامل على الضفة الغربية. كما أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تنفيذ عمليات هدم لمنشآت وصفها بأنها غير قانونية، بهدف الردع وفرض ثمن على منفّذي الهجوم.
وأظهرت مشاهد مصوّرة إخلاء فلسطينيين من منازلهم في منطقة فرش الهوى قرب الخليل، قبل هدم منشآت بالجرافات، فيما اتهمت السلطة الفلسطينية إسرائيل بفرض عقاب جماعي على السكان.
قيود تهدد الحياة الاقتصادية
تأتي هذه الإجراءات في منطقة تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية حادة. وبحسب المعلومات الواردة، أغلق الجيش الإسرائيلي خمسة من أصل سبعة مداخل لمحافظة الخليل، التي يعيش فيها أكثر من مليون فلسطيني، ما أدى إلى تعطيل واسع للحركة والنشاط الاقتصادي في إحدى أهم المناطق التجارية في الضفة الغربية.
وفي حال تنفيذ الإغلاق الشامل الذي تحدث عنه نتنياهو، بالتزامن مع القيود المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية، فإن حركة السكان والبضائع والخدمات قد تواجه مزيداً من التعطيل.
موسم الزيتون يتحول إلى بؤرة مواجهة
لا يقتصر التصعيد على الخليل. فقد سجلت الأشهر الأخيرة ارتفاعاً في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، ولا سيما خلال موسم قطاف الزيتون.
ووفق بيانات منظمة «يش دين» الحقوقية الإسرائيلية، التي تغطي الفترة الممتدة من 27 أيلول إلى 22 تشرين الأول 2026، سُجّل أكثر من 670 حادثة عنف مرتبطة بموسم القطاف، بمعدل يتجاوز 25 حادثة يومياً.
وتشمل الحوادث الموثقة:
وتشير المنظمة إلى أن أكثر من 23 في المئة من الحوادث وقعت بوجود الجيش الإسرائيلي أو بمشاركته، وفق توثيقها الميداني ومراجعتها للمعلومات المتاحة.
وكان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير قد أكد أن الجيش سيواصل العمل لتمكين الفلسطينيين من قطاف الزيتون، لكن ناشطين وفلسطينيين أفادوا، في المقابل، بأن القوات الإسرائيلية احتجزت ناشطين أو منعتهم من الوصول إلى البساتين.
حصيلة متراكمة منذ حرب غزة
منذ هجوم «حماس» على إسرائيل في تشرين الأول 2023، وما أعقبه من حرب غزة، تصاعد العنف في الضفة الغربية بصورة ملحوظة.
ووفق وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل أكثر من 1100 فلسطيني على أيدي القوات الإسرائيلية أو المستوطنين خلال هذه الفترة. ويقول الجيش الإسرائيلي إن الغالبية الساحقة من القتلى كانوا مسلحين قُتلوا في اشتباكات، أو أشخاصاً دخلوا في مواجهات مع القوات، أو منفّذين لهجمات.
وفي الفترة نفسها، قُتل 60 مدنياً وعنصراً من قوات الأمن الإ سرائيلية في هجمات داخل إسرائيل والضفة الغربية، إضافة إلى مقتل ثمانية من أفراد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية خلال مواجهات أثناء عمليات عسكرية في المدن الفلسطينية.
كما سجّل الجيش الإسرائيلي 867 حادثة من جرائم العنف القومي واعتداءات المستوطنين خلال عام 2025، مقابل 682 حادثة في عام 2024.
تحذيرات من العقاب الجماعي والتهجير
نددت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية بعمليات الهدم، معتبرة أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن تدمير الأحياء وفرض العقوبات الجماعية تثير مخاوف من ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، قد ترقى إلى جرائم حرب بحسب ظروفها وتقييمها القانوني.
ودعت المنظمة الحكومات والمؤسسات الدولية إلى التحرك لمنع التهجير القسري للمدنيين والعقاب الجماعي والتدمير غير المشروع للممتلكات.
كما دعا الناشط الفلسطيني عيسى عمرو الأمم المتحدة والحكومات والمنظمات الإنسانية إلى حماية المدنيين، ووقف عمليات الهدم والقيود الجماعية، وضمان الوصول الآمن إلى الإمدادات الأساسية وخدمات الطوارئ.
ماذا يعني ذلك سياسياً وميدانياً؟
تكشف التطورات عن ثلاثة مسارات متداخلة:
