لم ينظر سكان شمال إسرائيل إلى إدراج الجبهة اللبنانية ضمن الاتفاق الأميركي – الإيراني باعتباره بشارة نهاية للحرب أو بداية مرحلة استقرا ر طويلة الأمد، بل تلقاه كثيرون منهم كتهديد لما يعتبرونه أهم إنجاز أمني حققته إسرائيل خلال الأشهر الماضية: التمركز العسكري داخل جنوب لبنان.
وكشفت مواقف وشهادات نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن المزاج السائد في المستوطنات الحدودية لا يطالب فقط باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، بل يربط أيضاً بين مستقبل السياسيين الإسرائيليين وبين موقفهم من هذه القضية، في مؤشر إلى أن جنوب لبنان قد يتحول إلى أحد أبرز ملفات الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
من الخوف إلى الغضب
مع الإعلان عن التفاهم الأميركي – الإيراني الذي يشمل لبنان، استيقظ كثير من سكان الشمال على شعور بالقلق والريبة أكثر من شعورهم بالارتياح.
وقال موران دادوش، من مستوطنة غورين في الجليل الغربي، لصحيفة «يديعوت أحرونوت» إنه شعر بـ«الخيانة»، ليس من إيران أو «حزب الله»، بل من الحكومة الإسرائيلية نفسها.
وأضاف أن الاتفاقات التي تُوقّع في العواصم البعيدة لا تجيب عن الأسئلة التي تؤرق سكان الحدود: من سيضمن الأمن؟ ومن سيمنع الحرب المقبلة؟ ومن سيتحمل المسؤولية إذا عاد التهديد إلى السياج الحدودي؟
وتعكس هذه التصريحات مخاوف متزايدة من أن يتحول الاتفاق إلى نسخة جديدة من ترتيبات وقف إطلاق النار السابقة، من دون توفير ضمانات حقيقية تمنع عودة التوتر العسكري مستقبلاً.
مطلب واحد: البقاء في جنوب لبنان
غير أن اللافت في النقاش الدائر داخل إسرائيل ليس الخوف من الاتفاق بحد ذاته، بل الإصرار على أن يبقى الجيش الإسرائيلي داخل المناطق التي سيطر عليها في جنوب لبنان.
فآصاف لانغيلفان، رئيس المجلس الإقليمي للجليل الأعلى، شدد على أن اختبار أي اتفاق لا يكون بالتصريحات بل بالأفعال، داعياً الجيش الإسرائيلي إلى البقاء في مواقعه جنوب لبنان والتحرك بقوة لمنع أي تهديد للمستوطنات الشمالية.
وقال إن سكان الجليل سئموا الوعود ويطالبون بأمن فعلي يضمن عدم تكرار ما جرى في السابع من أكتوبر على أي جبهة حدودية.
أما منظمة «إصبع الجليل» ومجموعة من الناشطين المحليين فحذروا من العودة إلى المفاهيم الأمنية التي كانت سائدة قبل الحرب، معتبرين أن سياسة «الهدوء مقابل الهدوء» أثبتت فشلها.
لبنان قد يحسم الانتخابات المقبلة
الرسالة الأكثر وضوحاً جاءت من عفري إلياهو – ريموني، أحد سكان يسود همعلاه، الذي ربط ب شكل مباشر بين الملف اللبناني والاستحقاق الانتخابي المقبل في إسرائيل.
وقال: «أعتقد أن الانتخابات المقبلة ستحسم على أساس قضية لبنان».
هذه العبارة تكشف حجم التحول الذي طرأ على نظرة سكان الشمال إلى الجنوب اللبناني. فما كان يُعتبر سابقاً ملفاً عسكرياً أو أمنياً بات يتحول تدريجياً إلى قضية سياسية وانتخابية داخل إسرائيل.
وبمعنى آخر، فإن الرسالة الموجهة إلى بنيامين نتنياهو ومنافسيه تبدو واضحة: أي انسحاب من جنوب لبنان قد يكلّف أصحابه ثمناً سياسياً باهظاً في صناديق الاقتراع.
تحقيق لـ«يديعوت أحرونوت» يكشف أن سكان المستوطنات الحدودية يربطون أمنهم ببقاء الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، ويهددون بمحاسبة السياسيين المتراجعين في صناديق الاقتراع.
ومن منظور لبناني، تكشف هذه المواقف أن جزءاً مهماً من الرأي العام في شمال إسرائيل بات ينظر إلى الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية بوصفه ضمانة أمنية مشروعة، لا إجراءً مؤقتاً مرتبطاً بالحرب.
بل إن بعض الأصوات الإسرائيلية ذهبت أبعد من ذلك، داعية إلى تحويل المنطقة العازلة داخل جنوب لبنان إلى واقع دائم يحظى بغطاء دولي وإقليمي.
ويعتقد أصحاب هذا الط رح أن الإنجازات العسكرية التي حققتها إسرائيل خلال الحرب يجب أن تُترجم إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد تمنع عودة «حزب الله» إلى المناطق الحدودية.
معضلة «حزب الله» في الحسابات الإسرائيلية
في المقابل، يرى مسؤولون إسرائيليون أن الاتفاق الأميركي – الإيراني وضع «حزب الله» أمام معضلة معقدة.
فإذا امتنع عن استئناف العمليات العسكرية، فإنه يتعايش عملياً مع استمرار الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان. أما إذا عاد إلى القتال، فإنه يهدد اتفاق وقف إطلاق النار ويعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.
وبحسب تقديرات نقلتها الصحيفة، فإن الحزب سيجد صعوبة كبيرة في القبول طويلاً باستمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الجنوب من دون رد، لأن ذلك سيُفسر داخل لبنان باعتباره عجزاً عن منع ما تصفه إسرائيل بـ«المنطقة الأمنية».
ما الذي يخشاه سكان الشمال؟
في جوهر المواقف التي رصدتها «يديعوت أحرونوت»، لا يظهر سكان شمال إسرائيل وكأنهم يخشون اندلاع حرب جديدة بقدر ما يخشون خسارة النتائج التي حققتها الحرب الأخيرة.
ولهذا السبب، لا ينظر كثيرون منهم إلى الاتفاق الأميركي – الإيراني باعتباره فرصة لإنهاء النزاع، بل اختباراً لقدرة الحكومة الإسرائيلية على تثبيت الوقائع الجديدة التي فرضتها المعارك في جنوب لبنان.
وبينما تتحدث واشنطن عن تفاهمات إقليمية وشرق أوسط جديد، تبدو رسالة سكان الشمال إلى نتنياهو أكثر بساطة ووضوحاً: أبقوا الجيش في جنوب لبنان، وإلا فإن الحساب سيكون في الانتخابات المقبلة.
