
رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ عصر الجمعة، شهد جنوب لبنان واحدة من أعنف جولات المواجهة منذ أسابيع، مع استمرار الاشتباكات والغارات المتبادلة بين إسرائيل و«حزب الله»، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى على الجانبين وكشف هشاشة الهدنة الجديدة منذ ساعاتها الأولى. وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل خمسة من جنوده خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بينهم المقدم دور جداليا بن سيمحون، قائد الكتيبة 52 في اللواء المدرع 401، وثلاثة من أفراد طاقم دبابته بعد استهدافها بصاروخ مضاد للدروع أو بطائرة مسيّرة تابعة لـ«حزب الله» في منطقة كفرتبنيت قرب تلة علي الطاهر. كما أعلن مقتل الرقيب أول نير بن آري (21 عاماً) من وحدة «ماغلان» الخاصة وإصابة 13 جندياً آخرين، بينهم إصابات خطرة، إثر هجوم صاروخي ومسيّرات استهدف موقعاً عسكرياً إسرائيلياً في كفرتبنيت خلال الليل. وأكد تحقيق عسكري إسرائيلي أن الدبابة التي قُتل فيها قائد الكتيبة تعرضت لإصابة مباشرة بنيران «حزب الله»، نافياً الروايات التي تحدثت عن خلل تقني أو انفجار داخلي. في المقابل، أعلن «حزب الله» أنه التزم بوقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ، لكنه أكد أنه تصدى لمحاولة إسرائيلية جديدة للتقدم نحو تلة علي الطاهر الاستراتيجية قرب النبطية. وقال الحزب إن مقاتليه نصبوا كميناً للقوات الإسرائيلية التي حاولت التقدم باتجاه المنطقة التي تضم شبكة أنفاق واسعة يعتبرها الجيش الإسرائيلي مركزاً رئيسياً لقيادة «قوة بدر» التابعة للحزب، مضيفاً أن التزامه بالهدنة لا يعني السماح لإسرائيل بتوسيع احتلالها أو فرض وقائع ميدانية جديدة داخل الأراضي اللبنانية. أما الجيش الإسرائيلي فاتهم «حزب الله» بارتكاب انتهاكات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن نحو 50 صاروخاً وقذيفة أطلقت ليلاً على قواته العاملة داخل المنطقة الأمنية التي أعلنها في جنوب لبنان. وقال إنه رد على تلك الهجمات بشن عشرات الغارات على مواقع ومخازن أسلحة ومراكز قيادة تابعة للحزب. وكشف السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر أن «حزب الله» نفذ خلال 24 ساعة ما مجموعه 176 هجوماً ضد القوات الإسرائيلية، شملت 147 صاروخاً و20 طائرة مسيّرة و9 صواريخ مضادة للدروع، فيما حذر مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من أن إسرائيل ستواصل البقاء في جنوب لبنان «طالما كان ذلك ضرورياً لحماية حدودها الشمالية»، مؤكداً أن الجيش تلقى تعليمات بالرد بقوة على أي هجوم جديد. وأضاف أن القوات الإسرائيلية استهدفت خلال اليومين الماضيين نحو 300 هدف وقتلت ما يقارب 100 مقاتل من «حزب الله». على الجانب اللبناني، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة أن حصيلة الغارات الإسرائيلية يوم الجمعة بلغت 83 شهيداً و141 جريحاً، فيما ارتفعت الحصيلة التراكمية للحرب منذ 2 آذار وحتى 20 حزيران إلى 4057 شهداء و12121 جريحاً. وسجلت مدينة النبطية العدد الأكبر من الضحايا مع سقوط 17 شهيداً و9 جرحى، فيما شهدت بلدات حاروف وحبوش والدوير والشرقية وعربصاليم وكفرصير وقرى أخرى خسائر بشرية كبيرة، بينها أطفال ونساء، ما يؤكد أن الجنوب اللبناني ما زال يدفع الثمن الأكبر للمواجهة رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار. سياسياً، خطف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأضواء بعدما أعاد نشر مقال على منصته «تروث سوشال» بعنوان: «ترامب يمسك بالأوراق في فرص إعادة انتخاب نتنياهو المهتزة». ورغم أنه لم يضف أي تعليق، فإن إعادة نشر المقال بدت بمثابة رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، مفادها أن مستقبله السياسي بات مرتبطاً إلى حد بعيد بالموقف الأميركي. وتأتي هذه الإشارة في وقت تمارس فيه واشنطن ضغوطاً متزايدة على إسرائيل للالتزام بالهدنة في لبنان، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سويسرا، ما يعزز الانطباع بأن إدارة ترامب تسعى إلى فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، حتى ولو جاء ذلك على حساب الحسابات السياسية لنتنياهو. وبين هدنة معلنة ومعارك مستمرة ورسائل أميركية تتجاوز الميدان إلى مستقبل القيادة الإسرائيلية نفسها، تبدو جبهة جنوب لبنان مرشحة لمزيد من التوتر، فيما يزداد الترابط بين مسار الحرب ومسار التفاهمات الإقليمية التي ترعاها واشنطن.
