
دخل وقف إطلاق النار الجديد بين إسرائيل و«حزب الله» حيّز التنفيذ عصر اليوم، بعد ساعات من الاتصالات المكثفة التي قادتها الولايات المتحدة وقطر وإيران لاحتواء التصعيد الذي استمر رغم توقيع مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية الهادفة إلى إنهاء الحرب في المنطقة. ويأتي القرار الجديد في محاولة لإعادة تثبيت الهدنة على الجبهة اللبنانية بعدما فشلت الترتيبات السابقة في منع تجدد المواجهات وسقوط المزيد من الضحايا. وأكد مسؤول أميركي رفيع أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن اليوم تم التوصل إليه عبر قنوات تفاوض موازية مع إسرائيل وإيران، فيما كشف دبلوماسي خليجي أن الدوحة وواشنطن وطهران لعبت دوراً مباشراً في صياغة الاتفاق. ويعكس ذلك للمرة الأولى الدور الإيراني العلني في إدارة ملف التهدئة في لبنان، بعدما تحول هذا الملف إلى أحد البنود التنفيذية الأساسية في التفاهم الأميركي – الإيراني. لكن الهدنة الجديدة وُلدت تحت النار. فبحسب وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الغارات والقصف الإسرائيليان خلال الساعات التي سبقت دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ عن مقتل 47 شخصاً وإصابة 97 آخرين، بينهم سبع نساء وطفلان، في واحدة من أكثر الحصائل دموية منذ بدء جولة التصعيد الأخيرة. وأعادت هذه الخسائر طرح تساؤلات جدية حول قدرة الوسطاء على تثبيت الاتفاق ومنع انهياره، خصوصاً مع استمرار الاتهامات المتبادلة بين إسرائيل و«حزب الله» بشأن خرق التهدئة. وفي خضم القلق من انهيار وقف النار، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه تدخّل شخصياً لإقناع إسرائيل بقبول الهدنة. وقال في مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي» إنه طلب من إسرائيل الموافقة على وقف إطلاق النار مع «حزب الله»، مضيفاً: «أحياناً يجب أن تهدأ وتستخدم عقلك». ولم يوضح ترامب ما إذا كان قد تحدث مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن تصريحه عكس حجم الرهان الأميركي على نجاح التفاهم مع إيران ومنع الجبهة اللبنانية من تقويضه. وفي إسرائيل، كشفت تقارير إعلامية أن رون ديرمر، أحد أقرب مستشاري نتنياهو، شارك في المشاورات الأمنية الأخيرة محذراً الوزراء المطالبين بتصعيد واسع في لبنان من أن إدارة ترامب قد تعتبر إسرائيل مسؤولة عن إفشال الاتفاق النهائي مع إيران إذا استمرت في توسيع العمليات العسكرية. بالتوازي، كثفت واشنطن ضغوطها السياسية على بيروت. فقد أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال اتصال هاتفي أن الولايات المتحدة تدعم بالكامل جهود الدولة اللبنانية لبسط سيادتها على كامل أراضيها واستعادة سلطتها الحصرية على القرار الأمني والعسكري. وبحسب بيان الخارجية الأميركية، شدد روبيو على أن المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي تستضيفها واشنطن الأسبوع المقبل تمثل الطريق الوحيد لإعادة الإعمار وتحقيق التعافي الاقتصادي وإنهاء دوامات العنف المتكررة. كما أكد ضرورة نزع سلاح «حزب الله» وإعادة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، مشيراً إلى أهمية التنسيق مع الحلفاء الإقليميين لتحقيق هذه الأهداف. في المقابل، شدد الرئيس عون على أن أي تقدم في المفاوضات يبقى مشروطاً بوقف كامل للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، معتبراً أن التوصل إلى وقف شامل ومستدام لإطلاق النار يشكل الأساس الضروري لأي مسار تفاوضي مستقبلي. وفي مؤشر إضافي إلى حجم التباين بين واشنطن وتل أبيب، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن تقييماً للاستخبارات الأميركية حذّر من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يتخذ خطوات من شأنها تقويض جهود إدارة ترامب الرامية إلى تثبيت السلام مع إيران. وبحسب التقرير، ترى أجهزة الاستخبارات الأميركية أن إسرائيل تبدو مصممة على مواصلة الضغط العسكري على «حزب الله» في لبنان، رغم أن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية تنص على وقف العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية. كما خلص التقييم إلى أن الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو قد تدفعه إلى الإبقاء على القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان وتصعيد المواجهة مع الحزب مع اقتراب انتخابات الكنيست المقبلة. وفي المقابل، بدت إيران حريصة على تأكيد ارتباط المسار اللبناني بمفاوضاتها مع واشنطن. فقد أعلن النائب في «حزب الله» حسن فضل الله أن طهران أبلغت الحزب بأن المحادثات الأميركية – الإيرانية لا يمكن أن تستمر من دون تنفيذ وقف شامل لإطلاق النار في لبنان.
