لم يكن غياب وزير الدفاع ميشال منسى عن الجلسة التشريعية المسائية لمجلس النواب مجرد تفصيل في سجال حول اقتراح قانون العفو العام، بل كشف عن مواجهة داخل الحكومة نفسها حول سؤال أكثر حساسية: من يملك حق التعبير عن موقف الدولة أمام البرلمان عندما يتصل الملف مباشرة بالمؤسسة العسكرية؟ ففيما أراد منسى عرض موقف قيادة الجيش من اقتراح قانون العفو العام، تمسّك رئيس الحكومة نواف سلام بأن الحكومة تتحدث بصوت واحد، وأن التعبير عن موقفها أمام مجلس النواب يتم من خلال رئيسها، انطلاقاً من مبدأ التضامن الوزاري. وفي محاولة لحسم الجدل، قال سلام إن الادعاء بأنه طلب من وزير الدفاع عدم حضور الجلسة «باطل»، مؤكداً أن منسى «صديق عزيز»، وأنه، مثله، يعمل وفق قاعدة التضامن الوزاري وحريص على الدستور، مضيفاً: «نحن مش ٢٤ حكومة». وأعطى سلام للخلاف بعداً سياسياً إضافياً عندما أكد أن موقف قيادة الجيش من اقتراح العفو سبق أن عُبّر عنه أمام اللجان النيابية بواسطة وزير الدفاع نفسه، مشيراً إلى أن منسى لم يكتفِ بذلك، بل سلّم مذكرة خطية بهذا الخصوص «وحسب الأصول»، و«طبعاً بموافقتي». وبذلك حصر سلام جوهر الخلاف في طريقة التعبير عن الموقف أمام الهيئة العامة للمجلس، وليس في حق المؤسسة العسكرية بإبداء رأيها. فبالنسبة إليه، موقف الجيش وصل إلى النواب عبر القنوات المعتمدة، لكن ذلك لا يعني أن وزير الدفاع يستطيع تقديم موقف مستقل عن موقف الحكومة أمام البرلمان. وشهدت الجلسة الصباحية توتراً بين سلام ومنسى، وسُمعت أصوات الرجلين خارج القاعة، قبل أن يغادر وزير الدفاع المجلس، فيما وصل رئيس الحكومة لاحقاً. واستؤنفت الجلسة المسائية من دون منسى، بعدما فشلت الاتصالات في التوصل إلى صيغة تسمح له بإلقاء كلمة حول موقف المؤسسة العسكرية من اقتراح العفو. وأثار غياب وزير الدفاع اعتراضات نيابية، إذ طالب عدد من النواب بعودته والاستماع إلى موقفه، فيما لوّح بعضهم بعدم العودة إلى الجلسة ما لم يُسمح له بإبداء رأيه. وأعلن نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب أن تأجيل انطلاق الجلسة جاء للبحث في الخلاف بين سلام ومنسى، فيما عُقد اجتماع بين رئيس المجلس نبيه بري ورئيس الحكومة لمتابعة الأزمة. ويحمل موقف سلام رسالة واضحة داخل حكومته: وجود وزير للدفاع لا يعني وجود «حكومة للجيش» داخل الحكومة، كما أن ارتباط الوزير بالمؤسسة العسكرية لا يمنحه حق تقديم موقف سياسي مستقل باسم الدولة. وبعبارة «نحن مش ٢٤ حكومة»، وضع سلام قاعدة يريد تثبيتها: الحكومة متعددة الوزراء، لكنها تتحدث أمام البرلمان بصوت واحد. في المقابل، يرى مناصرو موقف وزير الدفاع أن من حقه نقل موقف المؤسسة التي يتولى مسؤوليتها، خصوصاً أن اقتراح العفو يمس مباشرة الجيش والعسكريين والجرائم المرتكبة بحقهم. ولذلك تحوّل الخلاف من مسألة إجرائية إلى سجال سياسي ودستوري حول حدود استقلال الوزير في التعبير عن موقف وزارته، وحدود مسؤولية رئيس الحكومة في توحيد الموقف التنفيذي. وتزداد حساسية المواجهة بسبب طبيعة قانون العفو العام، الذي يتصل بملفات موقوفين ومحكومين، وبينهم أشخاص متهمون أو مدانون بجرائم اعتداء على الجيش والقوى الأمنية. ولهذا يتمسك معارضو شمول هذه الجرائم بالعفو بأن حماية المؤسسة العسكرية يجب أن تبقى خطاً أحمر.
