
لم تعد أزمات الشرق الأوسط تتحرك على جبهات منفصلة. فمن سوريا إلى مضيق هرمز وصولاً إلى جنوب لبنان، تتشكل في الوقت نفسه ثلاث بؤر توتر، تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية والتركية والإيرانية والأميركية، وسط تحولات عسكرية وسياسية واقتصادية متسارعة في المنطقة. في سوريا، كانت غارة إسرائيل على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب من أبرز التطورات الأمنية خلال الأيام الأخيرة. إسرائيل قالت إن دمشق كانت على وشك السماح بانتشار عسكري تركي في القاعدة، وإنها حذرت القيادة السورية من أن مثل هذا الانتشار يمثل تهديداً لأمنها. وأكدت الحكومة الإسرائيلية أن الضربة جاءت لمنع تحول الموقع إلى نقطة ارتكاز عسكرية تركية. تركيا نفت وجود انتشار عسكري تركي في القاعدة، فيما أكدت دمشق أنه لم تكن هناك خطة لإنشاء قاعدة تركية دائمة، وأن التعاون التركي مع الجيش السوري يتركز على التدريب وإعادة بناء القدرات العسكرية. المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير لدى تركيا توم برّاك قال إن الضربة حملت خطراً حقيقياً بالتصعيد إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا وسوريا، لأن القوات التركية لم تكن على علم مسبق بالعملية، ما كان يمكن أن يدفعها إلى تحريك مقاتلاتها إذا اعتقدت أنها تتعرض لهجوم. وبرّاك طرح أيضاً احتمال أن تكون إسرائيل قد سعت إلى استفزاز تركيا، مع تأكيده أن ذلك مجرد احتمال وليس تقييماً استخبارياً أميركياً. وبالتزامن مع أزمة أبو الظهور، استُهدفت سيارة في منطقة بيت جن بريف دمشق بغارة إسرائيلية، في تطور أضاف بعداً ميدانياً جديداً إلى المشهد السوري. وأفادت التقارير بإصابة شخص في الاستهداف، فيما اعتبرت دمشق الضربة انتهاكاً لسيادتها وتصعيداً إسرائيلياً جديداً. وتتحرك الساحة السورية على مسارين متوازيين: أزمة إسرائيلية–تركية حول مستقبل الوجود العسكري التركي، وضربات إسرائيلية مباشرة داخل الأراضي السورية. القضية لا تتعلق بقاعدة واحدة. تركيا تريد دوراً أساسياً في إعادة بناء الدولة السورية وجيشها، بينما تريد إسرائيل التأكد من أن إعادة بناء القدرات العسكرية السورية لن تنتج تهديداً جديداً على حدودها. وتخشى إسرائيل بصورة خاصة من نشر رادارات أو معدات دفاع جوي تركية في قواعد سورية، بما قد يحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي. وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى منع تحول التنافس الإسرائيلي–التركي إلى مواجهة مباشرة، من خلال الدفع نحو آلية اتصال وفض اشتباك تضم إسرائيل وتركيا وسوريا. في الخليج، أصبح مضيق هرمز محوراً رئيسياً للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تراجع كبير في حركة النفط والتجارة عبره. وتتخذ الولايات المتحدة إجراءات لضمان حرية الملاحة، بينما يبقي الرئيس دونالد ترامب الخيار العسكري مفتوحاً بالتوازي مع تصعيد الضغط الاقتصادي على طهران. أما إيران، فتستخدم حركة الملاحة عبر المضيق كأداة ضغط في مواجهة واشنطن، وبدأت إدارة المرور بصورة انتقائية، بما في ذلك السماح لناقلات نفط عراقية بالعبور بعد طلبات من بغداد. في المقابل، بقيت حركة السفن التجارية عند مستويات شديدة الانخفاض، ما أدى إلى ارتفاع المخاوف بشأن إمدادات الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين. وبالتوازي مع أزمة الملاحة، تستعد إدارة ترامب لتوسيع الحرب الاقتصادية على إيران من خلال عقوبات جديدة تستهدف التجارة والتمويل والنفط. وترفض طهران الإجراءات الأميركية وتتعهد بمواصلة المواجهة، بينما تحاول واشنطن الضغط على الدول والشركات التي توفر لإيران قنوات للتجارة والتمويل. وفي هذا السياق، جاء قرار الإمارات بتجميد العلاقات التجارية والمعاملات المالية مع إيران، وهو قرار له أهمية خاصة نظراً إلى الدور الذي لعبته الإمارات، وخصوصاً دبي، خلال سنوات العقوبات، كمركز تجاري ومالي رئيسي للتعامل مع الاقتصاد الإيراني. كما تواجه صادرات النفط الإيرانية ضغوطاً متزايدة، في وقت تبقى فيه الصين من أهم الأسواق المتبقية أمام النفط الإيراني. في لبنان، لا يزال الوضع الميداني في الجنوب متوتراً رغم وجود إطار سياسي لوقف القتال والتفاوض حول الانسحاب الإسرائيلي. وشهدت مناطق جنوبية عدة غارات وقصفاً وعمليات هدم، فيما يواصل الرئيس جوزاف عون اتصالاته الدولية للضغط من أجل تنفيذ الاتفاق وانسحاب القوات الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، رفعت الولايات المتحدة مستوى الضغط على حزب الله من خلال عقوبات جديدة تستهدف شبكات تمويل مرتبطة به، وتتهمها بتحويل الأموال وتأمين العملات الأجنبية للحزب. وتزامن ذلك مع استمرار النقاش اللبناني حول سلاح حزب الله، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود. في سوريا، يتداخل الخلاف الإسرائيلي–التركي مع الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، فيما تعمل دمشق على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية. وفي هرمز، تحولت المواجهة الأميركية–الإيرانية إلى أزمة تؤثر في حركة النفط والتجارة والشحن والتأمين. أما في لبنان، فتستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب بالتوازي مع مسار سياسي يسعى إلى تثبيت وقف القتال وإعادة ترتيب الوضع الأمني على الحدود. وتتداخل الملفات الثلاثة مع التحركات الأميركية في المنطقة، سواء من خلال جهود فض الاشتباك بين إسرائيل وتركيا وسوريا، أو الضغط الاقتصادي على إيران، أو المساعي المرتبطة بترتيبات وقف القتال في لبنان.
