
تصريح دونالد ترامب، صباح اليوم الخميس لم يكن مجرد إعلان هدنة، بل صياغة صريحة لمعركة بشروط جديدة. فالرئيس الأميركي، الذي أكد إبقاء قواته وسفنه وطائراته في محيط إيران، لم يقدّم التهدئة كخيار نهائي، بل كمرحلة مشروطة بتهديد واضح: إذا انهار الاتفاق، ستعود الحرب “أكبر وأقوى”. بهذا المعنى، لا تعكس الهدنة انتقالًا إلى السلام، بل انتقالًا إلى إدارة الحرب بأدوات مختلفة. فواشنطن لم تخفف حضورها العسكري، بل ثبّتته، ولم تخفف لهجتها، بل ربطت التهدئة بإمكانية تصعيد غير مسبوق. إنها هدنة تحت مظلة القوة، لا خارجها. غير أن ما جرى فور إعلانها كشف حدود هذا التصور. فمع الساعات الأولى، أطلقت إسرائيل عملية “الظلام الأبدي” مستهدفة مواقع حزب الله في مختلف أنحاء لبنان، في إشارة إلى أن الجبهة اللبنانية لم تُجمّد. وفي المقابل، دخل حزب الله المواجهة بإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل، ما أسقط عمليًا فكرة “الهدوء” التي يفترض أن ترافق أي وقف لإطلاق النار. هذا التزامن بين التهدئة السياسية والتصعيد الميداني يكشف حقيقة أعمق: الحرب لم تتوقف، بل تغيّر شكلها وتوزّعت جغرافيًا. وهنا تحديدًا تتقدّم إيران إلى قلب المشهد، ليس كطرف مباشر، بل كمدير اشتباك عبر أذرعه. ومن هنا تبرز العقدة المركزية التي تتجاهلها المقاربات التقليدية: لا يمكن تثبيت أي هدنة من دون كسر وظيفة الذراع اللبناني. فلبنان لم يعد مجرد ساحة جانبية، بل تحوّل إلى منصة رسائل استراتيجية تستخدمها طهران لإثبات استمرار نفوذها، ولحماية موقعها التفاوضي. إيران لا تحتاج إلى خوض حرب مباشرة كي تفاوض من موقع قوة؛ يكفيها أن تُبقي حزب الله حاضرًا في المعادلة، يضغط عند الحاجة ويهدأ عند الحاجة. بهذا المعنى، يصبح استمرار الاشتباك في لبنان جزءًا من التفاوض نفسه، لا خروجًا عنه. ومن هنا أيضًا، يتضح البعد الأخطر: محاولة استخدام هذه الورقة على طاولة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد. فطهران قد تسعى إلى مقايضة تهدئة جبهة لبنان بتنازلات في ملفات أخرى، من النووي إلى العقوبات. أي أن النار في الجنوب اللبناني قد تتحول إلى عملة تفاوضية. الاختبار الحقيقي إذًا ليس فقط في مضيق هرمز أو في منشآت التخصيب، بل في بيروت والجنوب: هل تستطيع واشنطن فرض معادلة تفصل بين التفاوض والساحات المشتعلة؟ وهل يمكن إجبار إيران على التخلي عن استخدام لبنان كخط دفاع متقدم وكورقة ضغط؟ حتى الآن، لا مؤشرات حاسمة. فطهران لم تتخلّ عن أدواتها رغم آلاف الضربات، ولم تُظهر استعدادًا لفصل المسارات. بل على العكس، يبدو أنها تختبر حدود الهدنة، وتستخدمها لتثبيت موقعها لا للتراجع عنه. في هذا السياق، يكتسب تصريح ترامب معناه الكامل: الهدنة ليست هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لفرض شروط جديدة. لكن نجاح هذه المقاربة يتوقف على نقطة واحدة حاسمة: هل تتحول القوة إلى قدرة على تفكيك شبكة النفوذ الإيراني، أم تبقى مجرد تهديد؟ الخلاصة أن الهدنة الحالية لا تُقاس بمدى صمودها زمنيًا، بل بقدرتها على تغيير قواعد اللعبة. فإذا بقيت الأذرع تعمل، بقيت الحرب قائمة وإن تغيّر شكلها. الهدنة قائمة، نعم. لكنها تختبر شيئًا أعمق بكثير من وقف النار: تختبر ما إذا كان بالإمكان كسر منظومة النفوذ، أم الاكتفاء بإدارتها.