
بين الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، يقف لبنان أمام مرحلة تتشابك فيها حساباته الداخلية مع استحقاقات خارجية قد تنعكس مباشرة على مسار الحرب والتفاوض ومستقبل الجنوب. فبينما تبدأ اليوم تل أبيب وتليها بعد أيام واشنطن لاختبارين انتخابيين، تبدو بيروت معنية بما ستفرزه صناديق الاقتراع، ليس من زاوية تبدّل الوجوه السياسية فحسب، بل أيضاً من زاوية انعكاس النتائج على القرارات المتعلقة بلبنان، باعتباره هدفاً قائماً بذاته من جهة، ومستتبعاً لإيران عبر “حزب الله” من جهة أخرى. في إسرائيل، تتداخل الحسابات الانتخابية مع ملفات الأمن والحدود والوجود العسكري في الجنوب اللبناني. فمستقبل الانتشار الإسرائيلي، وشروط الانسحاب، والضمانات الأمنية، ومسار التفاوض مع بيروت، كلها قضايا يصعب فصلها عن التجاذبات السياسية الداخلية. وبينما يسعى كل طرف إلى تثبيت روايته لمآلات المواجهة، يبقى لبنان معنياً بقرارات إسرائيلية تتصل بأرضه وأمنه، من دون أن يمتلك وحده القدرة على تحديد توقيتها أو شروطها. أما في الولايات المتحدة، فتكتسب الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني أهمية إضافية في ضوء انعكاساتها المحتملة على أولويات إدارة دونالد ترامب. ويترقب لبنان مسار السياسة الأميركية حيال دعم الجيش، والضغط لحصر السلاح بيد الدولة، ومستقبل المفاوضات مع إسرائيل، فضلاً عن موقع الملف اللبناني في سلّم الاهتمامات الأميركية وسط ملفات إقليمية ودولية متشابكة. غير أن حجم أي تغيير محتمل سيبقى مرتبطاً بالقرارات الفعلية للإدارة الأميركية، لا بمجرد الحسابات الانتخابية. هكذا، ينتظر لبنان على رصيف انتخابات الآخرين، كأن مصيره معلّق بصناديق اقتراع لا يملك فيها صوتاً ولا قراراً. لكن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده؛ فالقوى اللبنانية هي التي اختارت، ولا تزال، تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات وانتظار الإشارات الإقليمية والدولية. ولم يعد مقبولاً أن تُدار الدولة بمنطق الترقّب، أو أن يُترك قرار الحرب والسلم ومستقبل الجنوب رهينة نتائج انتخابات في تل أبيب أو واشنطن. المطلوب قرار لبناني واضح وشجاع يعيد الاعتبار للدولة ويضع مصالحها فوق حسابات المحاور؛ وإلا فإن لبنان لن يكون شريكاً في رسم مستقبله، بل مجرد متلقٍّ لنتائج الآخرين، يدفع وحده ثمن الجحيم الذي يُرمى فيه مرة جديدة!
