
ليست جولة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما مجرد محطة دبلوماسية جديدة، بل تبدو اختباراً لمدى قدرة الطرفين على الانتقال من الاتفاقات النظرية إلى ترتيبات أمنية قابلة للتطبيق على الأرض، في وقت تكشف فيه قراءة متقاطعة لأبرز المحللين العسكريين في إسرائيل أن المؤسسة الأمنية تضع هدفاً واحداً فوق كل الاعتبارات: منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان، مع تجنب الانزلاق إلى احتلال طويل أو حرب استنزاف جديدة. هذا التلاقي بين الرسائل الأميركية والقراءات الإسرائيلية يوضح أن العقدة الأساسية لم تعد في صياغة الاتفاق، بل في آلية تنفيذه. ففي بيان لافت، شدد السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة في روما، على أن واشنطن لا تبحث عن اتفاق سريع بقدر ما تريد اتفاقاً قابلاً للتنفيذ، مؤكداً أن “هناك فرقاً جوهرياً بين صياغة اتفاق على الورق وتنفيذه بمسؤولية”، وأن المرحلة الحالية تتطلب عملاً تقنياً واسعاً لضمان سلامة المدنيين ووضع آلية واضحة قبل الانتقال إلى التنفيذ. وتتزامن هذه الرسالة مع توجه وفد لبناني برئاسة السفير سيمون كرم إلى روما، يضم خبراء في ترسيم الحدود البرية والقانون الدولي، فيما يركز لبنان على تثبيت حدوده البرية، وتحديد المناطق المحتلة، والدفع نحو انسحاب إسرائيلي كامل. لكن في المقابل، تكشف مقالات أبرز المراسلين العسكريين في إسرائيل – عاموس هرئيل في “هآرتس”، ورون بن يشاي ويوآف زيتون في “واينت” – عن اتجاه متقارب داخل المؤسسة الأمنية، يقوم على أربع قناعات أساسية. أولاً، تعتبر المؤسسة الأمنية أن الجبهة اللبنانية لا تزال الأكثر قابلية للاشتعال، حتى مع بقاء إيران التهديد الاستراتيجي الأول. وثانياً، ترى أن الأولوية المطلقة هي منع حزب الله من إعادة بناء بنيته العسكرية جنوب نهر الليطاني، سواء عبر إعادة تنظيم “قوة الرضوان” أو إعادة إنشاء مواقع قيادة ومستودعات أسلحة ومنصات للمسيّرات والصواريخ. أما القناعة الثالثة، فهي رفض العودة إلى احتلال طويل لجنوب لبنان أو إقامة منطقة أمنية دائمة، انطلاقاً من أن تجربة ما قبل عام 2000 أثبتت كلفتها العسكرية والسياسية. ويقابل ذلك تفضيل واضح لسياسة الردع، والعمليات المحدودة، والاستخبارات الدقيقة، مع الإبقاء على حرية التحرك العسكري عند الضرورة. والقناعة الرابعة تتمثل في أن أي تفاهم مع إيران لن يكون كافياً إذا لم يترافق مع ترتيبات تمنع تحوّل الساحة اللبنانية مجدداً إلى منصة تهديد مباشر لإسرائيل. من هنا، تبدو الرسالة الأميركية في روما منسجمة إلى حد كبير مع طريقة التفكير داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فالحديث عن “العمل التقني” و”آلية التنفيذ” لا يقتصر على ترسيم الحدود، بل يشمل قضايا شديدة الحساسية، مثل آليات الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، ووسائل المراقبة والتحقق، وكيفية ضمان عدم إعادة بناء البنية العسكرية لحزب الله في المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل.

