
تصاعد التوتر في العاصمة اللبنانية بيروت على خلفية إشكال أمني في منطقة ساقية الجنزير، إثر مداهمة نفذتها دورية من المديرية العامة لأمن الدولة لتوقيف صاحب مولد كهربائي يُدعى أبو علي عيتاني، ما أدى إلى احتجاجات شعبية واشتباك مع الأهالي، وسط تضارب في الروايات حول ما جرى. تتراوح الروايات بين تأكيد رسمي بأن القوة الأمنية كانت تنفذ إشارة قضائية، وبين اتهامات من أبناء المنطقة باستخدام القوة المفرطة ومحاولة فرض واقع بالقوة من مجموعة في أمن الدولة على صلة مباشرة بحزب الله. لكن المؤشر الأبرز، وفق المعطيات الميدانية، هو حالة الاحتقان المتراكمة في الشارع البيروتي، والتي انفجرت على خلفية الضغوط السياسية والطائفية والحزبية والانفلات الأمني والاجتماعي. ويرى مراقبون أن ما حصل “ليس حادثة معزولة”، بل تعبير عن غضب واسع من الأعباء المتزايدة، مقابل تراجع دور الدولة في الحماية والتنظيم، في ظل ما يصفه البعض بـ”تفلت متعدد المستويات” أمنيًا ومخابراتيًا. وفي هذا السياق، روى النائب وضاح صادق تفاصيل الحادثة، مشيرًا إلى أن عناصر من أمن الدولة “اقتحموا المنطقة وكأنهم يداهمون مجموعة إرهابية”، متهمًا إياهم بضرب عيتاني وإطلاق النار لترويع الأهالي الذين تجمعوا لحمايته. وأضاف أن الحجة كانت رفع تعرفة المولد، معتبرًا أن ما جرى تجاوز للقانون وصلاحيات الجهات المختصة، ومؤكدًا أن “هذا الأمر لن يمر”، مشددًا على أن “بيروت ليست مكسر عصا لأحد”. في المقابل، أوضحت المديرية العامة لأمن الدولة في بيان رسمي أن العملية جاءت تنفيذًا لإشارة النيابة العامة المالية بعد تخلف صاحب المولد عن الحضور لاستكمال الإجراءات القانونية. وأكدت أن الدورية تعرضت لاعتراض من عدد من المواطنين، ما اضطر العناصر إلى إطلاق النار في الهواء لتفريقهم، مشيرة إلى عدم وقوع إصابات، وإلى أن التحقيق جارٍ بإشراف النيابة العامة العسكرية. من جهته، علّق رئيس الحكومة نواف سلام على الحادثة، معتبرًا أن ما جرى من “أعمال عنف وإطلاق نار وإرعاب للمواطنين تصرفات غير مقبولة أياً كانت الذرائع”. وأكد أنه أصدر أوامر بإجراء تحقيق فوري لكشف الملابسات واتخاذ الإجراءات المسلكية والقضائية بحق المسؤولين، داعيًا أهالي بيروت إلى ضبط النفس حفاظًا على أمن العاصمة. سياسيًا، يتقاطع الانفجار الشعبي مع عوامل عدة، أبرزها التهميش السياسي للعاصمة، والاعتراض على سياسات السلطة التنفيذية، إضافة إلى تصاعد الانتقادات لدور حزب الله في بيروت، وسط مخاوف من تغيير التوازنات داخلها. كما برزت إشارات إلى دور أنصار تيار المستقبل في التحركات الميدانية، لا سيما في قطع الطرق والضغط لإطلاق سراح عيتاني. في الخلاصة، تكشف أحداث ساقية الجنزير عن أزمة أعمق من مجرد إشكال أمني، إذ تعكس تراكم غضب شعبي واسع في بيروت، حيث لم يعد المواطنون قادرين على تحمل الضغوط الاقتصادية والمعيشية، في ظل شعور متزايد بغياب الدولة أو عدم عدالتها. وتساءل الأمين العام ل"تيار المستقبل" أحمد الحريري: "هل تحوّلت بعض الأجهزة إلى أدوات بيد مجموعات نافذة، تُدار بعقلية الميليشيا وتفتح أبواب الفتنة، على حساب استقرار لبنان وسلامته؟وهل يُسمح بالعبث بأمن العاصمة، فيما تُبذل جهود عربية ودولية للحفاظ على استقرار البلد ومنع انزلاقه نحو "الفوضى؟ وبين الروايات المتضاربة، يبقى الثابت أن الشارع البيروتي دخل مرحلة حساسة، عنوانها فقدان الثقة، ومرشح لمزيد من التوتر ما لم تُعالج جذور الأزمة سريعًا.
