
لا تبدو العقوبات الجديدة التي فرضها مركز استهداف تمويل الإرهاب (TFTC) على البنية المالية لـ«حزب الله» مجرد خطوة مالية جديدة، بل تحمل دلالات سياسية تتجاوز الأسماء والكيانات المستهدفة، خصوصًا أنها تأتي في مرحلة تشهد دفعًا دوليًا وإقليميًا نحو تنفيذ الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، وتعزيز دور الدولة اللبنانية في الملفات الأمنية. وتكتسب هذه العقوبات أهمية خاصة لأنها لم تصدر عن الولايات المتحدة وحدها، بل جاءت بقرار جماعي من الدول السبع الأعضاء في المركز، وهي: الولايات المتحدة، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، قطر، وسلطنة عُمان. ويُعدّ ذلك أول إجراء مشترك تتخذه هذه الدول بحق الشبكة المالية لـ«حزب الله» منذ تأسيس المركز عام 2017. وأعلن المركز فرض عقوبات على خمسة كيانات و16 شخصًا قال إنهم يشكلون جزءًا أساسيًا من المنظومة المالية للحزب، مؤكدًا أن جميعهم كانوا مدرجين سابقًا على لوائح العقوبات الاميركية، إلا أن إدراجهم هذه المرة بقرار جماعي يعكس مستوى جديدًا من التنسيق السياسي والمالي بين واشنطن والعواصم الخليجية. وتركزت العقوبات على مؤسستي «القرض الحسن» و«بيت المال»، اللتين تعتبرهما الولايات المتحدة الركيزتين الأساسيتين للبنية المالية التابعة لـ«حزب الله». واتهم البيان مؤسسة «القرض الحسن» بإدارة نشاط مصرفي موازٍ للنظام المالي اللبناني عبر شبكة من الحسابات والشركات والأشخاص، بما يسمح للحزب بالالتفاف على العقوبات وتأمين مصادر تمويل مستقلة عن مؤسسات الدولة. كما وصف «بيت المال» بأنه الخزينة غير الرسمية للحزب، والمسؤولة عن إدارة أصوله واستثماراته، إضافة إلى تنسيق علاقاته المالية. وشملت العقوبات أيضًا مسؤولين في الوحدة المالية المركزية للحزب، إضافة إلى شركات تقدم خدمات محاسبية ومالية وإدارية مرتبطة بهذه المنظومة. ورغم أن العقوبات تستند إلى ملفات مالية، فإن توقيتها يطرح تساؤلات حول الرسائل السياسية التي تحملها، خصوصًا في ظل المساعي الدولية لتنفيذ الاتفاق الإطاري، الذي يقوم في أحد أبرز أهدافه على تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر القرارين الأمني والعسكري بمؤسساتها. ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أن استهداف البنية المالية لـ«حزب الله» قد يشكل جزءًا من بيئة ضغط أوسع تهدف إلى الحد من قدرة الحزب على المحافظة على مؤسسات موازية للدولة، سواء على المستوى المالي أو الإداري. كما أن صدور العقوبات بشكل جماعي من الولايات المتحدة ودول الخليج يمنحها بعدًا سياسيًا إضافيًا، ويعكس تقاطعًا في الرؤية بين واشنطن والعواصم الخليجية حيال مستقبل لبنان وضرورة تعزيز مؤسسات الدولة. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن التحولات التي يشهدها الإقليم منذ انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة، حيث انتقل الضغط على «حزب الله» من البعد العسكري إلى الأدوات المالية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا السياق، تبدو العقوبات رسالة إلى كل من قد يسعى إلى عرقلة المرحلة الجديدة التي يفترض أن يكرسها الاتفاق الإطاري، ومؤشرًا إلى أن الدول الراعية لهذا المسار، والمدعومة من شركائها الإقليميين، باتت تستخدم أدوات ضغط متعددة لدفع مسار التنفيذ إلى الأمام.
