
مع حلول الأول من آب، يحتفل لبنان بعيد الجيش في واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ المؤسسة العسكرية، فيما يقف الجيش أمام اختبار داخلي وإقليمي ودولي يتجاوز الاحتفال الرمزي إلى سؤال جوهري: هل يتحول إلى جيش الدولة وحدها، أم يبقى محكوماً بتوازنات السلاح والسياسة؟ ويأتي عيد الجيش هذا العام فيما تتقاطع الضغوط الأميركية والدولية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة مع التزامات لبنان بتنفيذ التفاهمات الأمنية في الجنوب، في وقت لا يزال حزب الله يحتفظ بترسانته العسكرية وبنفوذ واسع يفرض نفسه على المعادلة الداخلية، ما يجعل دور الجيش محاطاً بقيود سياسية وعملانية. وعلى الرغم من مشاركة الجيش في المناطق التجريبية، فإن المؤسسة العسكرية لا تزال تعمل ضمن سقف قرارات سياسية مترددة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى امتلاكها تفويضاً واضحاً لفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، أم أنها تبقى مكلفة بإدارة التوازنات لا بحسمها. وفي الداخل، يواجه الجيش تحدياً مزدوجاً. فمن جهة، يُنتظر منه أن يكون الضامن الوحيد للأمن والاستقرار، ومن جهة أخرى، يُطلب منه التعامل مع واقع يفرضه وجود قوة عسكرية موازية للدولة، بما يحد من هامش حركته ويضعه أمام معادلة شديدة التعقيد. أما خارجياً، فتتعامل العواصم المعنية بالملف اللبناني مع الجيش باعتباره الركيزة الوحيدة القادرة على تنفيذ أي ترتيبات أمنية مستقبلية، سواء على الحدود الجنوبية أو في أي مسار يؤدي إلى استعادة الدولة احتكارها للسلاح. لذلك، يرتبط استمرار الدعم العسكري والمالي للمؤسسة بقدرتها على ترجمة هذا الدور، وبمدى استعداد السلطة السياسية لمنحها الغطاء اللازم. ويختصر عيد الجيش هذا العام أزمة الدولة اللبنانية نفسها. فالسؤال لم يعد يتعلق بكفاءة المؤسسة العسكرية أو احترافيتها، بل بقدرة النظام السياسي على اتخاذ قرار واضح يجعل الجيش المرجعية الأمنية الوحيدة في البلاد. فهل يمتلك الجيش التفويض السياسي الذي يحتاج إليه؟ وهل تستطيع السلطة تحريره من حسابات الانقسام الداخلي ومن سطوة السلاح غير الشرعي؟

