
هزّ إطلاق نار كثيف منطقة برج أبي حيدر في قلب بيروت، السبت، وأدى إلى سقوط قتيلين وإصابة ثالث بجروح خطيرة، في حادث وُصف بأنه «خلاف شخصي» بين أفراد من عائلتين، قبل أن يتخذ طابعاً أمنياً أكثر حساسية بسبب موقعه وهوية بعض المتورطين. وأكدت قيادة الجيش، في بيان مساء السبت، أن الإشكال وقع في منطقة برج أبي حيدر نتيجة «خلافات سابقة»، وتخلله إطلاق نار أدى إلى مقتل مواطنين اثنين وإصابة مواطن آخر بجروح خطيرة. وأضافت أن وحدة من الجيش حضرت فوراً إلى المكان وعملت على تطويق الإشكال، وأوقفت اثنين من مطلقي النار واتخذت التدابير الأمنية اللازمة لضبط الوضع، فيما تتواصل المتابعة لتوقيف بقية المتورطين. وبحسب المعطيات المتوافرة، تعود جذور الخلاف إلى مشكلة سابقة بين سيف الدين سعدو ونجله جمال من جهة، وعمر مشهور من جهة أخرى. وكان الخلاف قد شهد في مرحلة سابقة محاولات للتهدئة والمصالحة، إلا أن التفاهم لم يصمد، وتجدد الاحتكاك بين الطرفين بعد ظهر السبت، ليتحول إلى إطلاق نار. وأدى الحادث إلى مقتل سيف الدين سعدو، المعروف بـ«أبو جمال»، والذي كان مسؤولاً في تيار المستقبل في منطقة برج أبي حيدر، فيما أصيب نجله جمال بجروح خطيرة. كما قُتل ربيع المصري، الذي تشير المعلومات المتداولة إلى صلته بجمعية المشاريع الإسلامية، وكان موجوداً في المكان. وتزداد حساسية القضية مع المعلومات التي تتحدث عن وجود عنصر في أمن الدولة، يعمل مرافقاً لأحد النواب، إلى جانب عمر مشهور لحظة وقوع الإشكال. وقد أوقف العنصر مع مشهور للتحقيق، من دون أن يعني ذلك، في حد ذاته، ثبوت مشاركته في إطلاق النار أو تورط الجهة التي يعمل معها في الحادث. وفي أعقاب مقتل سعدو، نعت منسقية بيروت في تيار المستقبل «أبو جمال سعدو»، مسؤول التيار في منطقة برج أبي حيدر، داعية أبناء المنطقة وأهالي بيروت إلى ضبط النفس والتحلي بأعلى درجات المسؤولية والحكمة، وعدم الانجرار إلى أي ردود فعل من شأنها زيادة التوتر وتهديد أمن العاصمة واستقرارها. وطالبت المنسقية الأجهزة الأمنية والقضائية بالتحرك الفوري والحازم وإلقاء القبض على جميع الفاعلين والمتورطين وسوقهم إلى العدالة، أياً كانت الجهة التي تقف خلفهم أو توفر لهم الحماية أو الغطاء، مشددة على أن أمن بيروت ودماء أبنائها ليسا موضع مساومة، وأن لا أحد يجب أن يكون فوق القانون أو بمنأى عن المحاسبة. وفيما أثارت الواقعة تكهنات حول خلفيات سياسية أو مذهبية، نفت جمعية المشاريع الإسلامية أي علاقة لها بالإشكال، مؤكدة أنه خلاف فردي بين عائلتين. كما أن بيان الجيش لم يشر إلى أي خلفية سياسية أو مذهبية، بل اكتفى بتحديد سبب الإشكال بأنه ناجم عن «خلافات سابقة». لكن وصف الحادث بأنه «خلاف شخصي» لا يلغي دلالته الأمنية. فالمواجهة وقعت في منطقة شديدة الحساسية من العاصمة، حيث تتداخل فيها انتماءات عائلية وسياسية واجتماعية متعددة، وتحول نزاع سابق إلى إطلاق نار وسقوط قتيلين، وسط ظهور عناصر مرتبطة بأجهزة أمنية وقوى سياسية في المشهد. وتكمن أهمية التحقيق الآن في تحديد المسؤوليات بدقة: من أطلق النار، ومن أصاب كل واحد من القتيلين، وما الدور الذي أداه الأشخاص الموقوفون، ولا سيما عنصر أمن الدولة، وما إذا كان وجوده في المكان مرتبطاً بالخلاف أم أنه تدخل فيه بصورة مباشرة. حتى الآن، تبدو الرواية الرسمية والأكثر ترجيحاً أن الحادث بدأ نتيجة خلافات سابقة بين أفراد، وليس لدينا ما يثبت أنه كان اشتباكاً سياسياً أو مذهبياً منظماً. إلا أن سقوط قتيلين في قلب بيروت، وارتباط أحد القتلى بتيار المستقبل وآخر بجمعية المشاريع، يجعل القضية أبعد من مجرد مشادة عابرة، ويضع الأجهزة الأمنية والقضائية أمام اختبار منع حادث فردي من التحول إلى توتر أوسع. فالخطر في برج أبي حيدر ليس فقط في الرصاص الذي أطلق، بل في أن يتحول «الخلاف الشخصي» إلى عنوان لتوتر جماعي، إذا لم تُحسم المسؤوليات وتُفرض سلطة القانون سريعاً على جميع الأطراف.
