
على وقع الحديث عن تفاهم أميركي – إيراني قيل إنه يشمل لبنان، شهد الجنوب اللبناني تصعيداً ميدانياً لافتاً تمثل في سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت بلدات عدة في قضاء النبطية، في وقت بدت فيه طهران أكثر انخراطاً من أي وقت مضى في متابعة التطورات اللبنانية وربطها مباشرة بمسار التفاهمات الإقليمية. فبينما واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية على الأرض، كثّفت إيران وحلفاؤها مواقفهم السياسية والإعلامية التي تتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءاً من الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة، لا مجرد ساحة منفصلة عن الصراع الإقليمي الأوسع. ميدانياً، استهدفت طائرات مسيّرة إسرائيلية سيارة في بلدة ميفدون، قبل أن تنفذ غارة ثانية في المنطقة نفسها عقب تجمع عدد من الأهالي، كما استُهدفت سيارة أخرى في البلدة. وفي وقت لاحق، استهدفت غارة ثالثة سيارة في بلدة شوكين المجاورة. وبحسب المعطيات الأولية، أسفرت الغارات عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين بجروح، فيما تولت فرق الإسعاف التابعة للدفاع المدني في الهيئة الصحية الإسلامية وكشافة الرسالة الإسلامية والصليب الأحمر اللبناني نقل الضحايا والمصابين. وفي ميفدون أيضاً، سُجلت ثلاث غارات متتالية استهدفت ساحة البلدة أثناء وجود عدد من السكان الذين كانوا يتفقدون الأضرار في المنطقة، من دون ورود معلومات مؤكدة عن إصابات جراء هذه الغارات. وفي بلدة حداثا، ألقت طائرة مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية قرب مجموعة من الشبان، ما أدى إلى إصابة أربعة منهم بجروح طفيفة. كما استهدفت غارة بطائرة مسيّرة محيط «دار المعلمين» في بلدة النبطية الفوقا بصاروخ موجه، من دون أن تتوافر على الفور معلومات حول حجم الأضرار أو الإصابات. وتزامنت هذه التطورات مع تحليق مكثف للطيران المسيّر الإسرائيلي فوق أجواء بيروت والضاحية الجنوبية على علو منخفض. لكن التطور الأبرز سياسياً لا يقتصر على الغارات نفسها، بل على طبيعة الخطاب الصادر عن طهران وحلفائها منذ الإعلان عن التفاهم مع واشنطن. فالأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم وجّه رسالة شكر إلى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، اعتبر فيها أن إدراج لبنان في الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة شكّل إنجازاً إيرانياً، مشيداً بما وصفه بالدور الإيراني في «إلزام» إسرائيل بوقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات بما فيها لبنان. كما واصل مسؤولون إيرانيون إصدار مواقف تربط التطورات في الجنوب اللبناني مباشرة بمسار الاتفاق مع واشنطن، فيما لوّحت جهات إيرانية بردود على أي خرق أو تصعيد إسرائيلي يطال الساحة اللبنانية. ويعكس هذا المشهد معادلة جديدة آخذة في التبلور: إسرائيل تواصل فرض وقائعها الميدانية في الجنوب عبر الغارات والاستهدافات والتمسك بمواقعها العسكرية، فيما تتعامل إيران مع الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءاً مباشراً من التفاهم الإقليمي الذي تفاوضت عليه بنفسها، ما يجعلها شريكاً سياسياً مباشراً في متابعة ما يجري على الأرض. وفي موازاة ذلك، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة اللبنانية أن الحصيلة التراكمية للضحايا منذ الثاني من آذار وحتى السادس عشر من حزيران بلغت 3826 قتيلاً و11851 جريحاً. وبينما تتحدث طهران عن تفاهم يشمل لبنان، تشير الوقائع الميدانية إلى أن الجنوب لا يزال ساحة مفتوحة للاشتباك، وأن اختبار الاتفاق لا يجري على طاولات التفاوض، بل تحت الطائرات المسيّرة وفي القرى الحدودية.
