
في ذروة الحديث عن “هبّة باردة” تهبّ على مسار التفاهمات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، اختار الجيش الإسرائيلي أن يكشف، بشكل غير مألوف، تفاصيل عملية استهداف قوة له بواسطة مسيّرات تابعة لـ”حزب الله” في جنوب لبنان، في خطوة بدت أبعد من مجرد إعلان عسكري روتيني، وأقرب إلى رسالة سياسية – أمنية متعددة الاتجاهات. الجيش الإسرائيلي أعلن مقتل الرقيب أول نوعام هامبرغر (23 عامًا)، وهو عنصر تقني وصيانة في اللواء 401، جراء هجوم بطائرة مسيّرة قرب الحدود اللبنانية. كما أُصيب جندي آخر بجروح خطيرة وعنصر غير مفوض بجروح طفيفة، قبل أن تسقط مسيّرة ثانية بعد نحو 25 دقيقة من دون وقوع إصابات إضافية. ولم يكتف الجيش الإسرائيلي بالإعلان عن الخسائر، بل نشر أيضًا تسجيلات مصوّرة التقطتها مجندة مصوّرة حربية أُصيبت بدورها في هجوم سابق لـ”حزب الله” في بلدة حداثا الجنوبية، يوثّق لحظات عمل القوة الإسرائيلية قبل الاستهداف وعمليات الإخلاء بعده. وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإنّ القوة التابعة للكتيبة 601 في اللواء 401 كانت تنفذ عملية داخل بلدة حداثا للبحث عن بنى تحتية ومستودعات أسلحة تابعة لـ”حزب الله”، حيث قالت إنّها عثرت على مستودع يحتوي على أكثر من 20 قطعة سلاح تعود لـ”قوة الرضوان”. وبعد نحو ساعة، استهدفت مسيّرتان انقضاضيتان الموقع، ما أدى إلى إصابة سبعة جنود، بينهم قائدة ميدانية وضابط برتبة نقيب. إصرار الجيش الإسرائيلي على نشر التفاصيل الكاملة للهجوم، والصور، وأسماء الجرحى والقتلى، يحمل في طياته أكثر من رسالة. فمن جهة، أرادت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية القول إنّ “حزب الله” لا يزال يحتفظ بقدرات هجومية فعالة رغم الضربات المتواصلة، وإنّ خطره الميداني لم يُسقط بعد. ومن جهة أخرى، بدا النشر وكأنّه تذكير مباشر لواشنطن، في لحظة الانفتاح الحذر على إيران، بأنّ أي تفاهم إقليمي لا يمكن أن يتجاوز الجبهة اللبنانية وسلاح “حزب الله”. ويأتي ذلك بالتزامن مع تقارير عن اقتراب واشنطن وطهران، بوساطة باكستانية وعُمانية، من صياغة “مذكرة تفاهم” تمهّد لمفاوضات تمتد 60 يومًا، تشمل وقف التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز، وسط قلق إسرائيلي متزايد من إمكان التوصل إلى اتفاق لا يأخذ الهواجس الأمنية الإسرائيلية بالكامل في الاعتبار. وقال السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الذي اعتبر أنّ الموافقة على الاقتراح الإيراني الذي صاغته باكستان قد تعطي طهران شعورًا بتعاظم نفوذها، إنّ أي حلّ دبلوماسي يخلق انطباعًا بأنّ إيران باتت أكثر جرأة وقوة سيشجّع «حزب الله» والميليشيات الشيعية في العراق. وأضاف ليندسي غراهام: «إذا ساد الاعتقاد بأنّه لا يمكن ردع إيران، فوداعًا لأي اتفاق سلام في لبنان. سيكون حزب الله كمن يتعاطى المنشّطات. كما سيؤدي ذلك إلى نسف توازن القوى في العراق. وستزداد قوة الجهات الإقليمية المارقة. أخشى أن ينزلق لبنان إلى مزيد من الفوضى إذا لم نحسن التعامل مع هذا الأمر».


