
في مفارقة تختصر التباين داخل ساحات النفوذ الإيراني، تحتفي طهران بالتقدّم الذي يحققه الحوثيون في باب المندب، فيما تتجاهل التراجع الذي يتكبده حزب الله في جنوب لبنان، حيث تتواصل العمليات الإسرائيلية لتفكيك بنيته العسكرية وتدمير شبكات الأنفاق والتحصينات التي بناها الحزب على مدى عقود. ففي اليمن، يواصل الحوثيون المدعومون من إيران تقدّمهم في منطقة باب المندب، مستفيدين من موقعهم على الساحل الغربي لليمن لفرض وقائع عسكرية وجغرافية جديدة عند واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ويمنح هذا التقدّم الجماعة ورقة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ يوسّع قدرتها على تهديد الملاحة الدولية والتأثير في حركة السفن عبر البحر الأحمر، في تطور تتابعه طهران باعتباره مكسباً جديداً لمحورها الإقليمي. لكن الصورة مختلفة تماماً في جنوب لبنان، حيث يتعرض أحد أبرز أذرع إيران العسكرية لخسائر ميدانية متراكمة. فقد واصلت إسرائيل عملياتها ضد مواقع حزب الله ومنشآته، وصولاً إلى تدمير بنى تحتية تحت الأرض في مرتفعات علي الطاهر، في عملية تكشف حجم المنظومة العسكرية التي أقامها الحزب في المنطقة. وفي هذا السياق، اكتسب ظهور رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير في جنوب لبنان دلالة تتجاوز الزيارة الميدانية. فقد وقف زامير في المنطقة التي ينفذ فيها الجيش عملياته، مؤكداً أن المهمة لا تقتصر على ضرب منشآت حزب الله، بل تشمل تحصين المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي والبقاء فيها، في إشارة واضحة إلى أن ما تسميه إسرائيل «المنطقة الصفراء» بات جزءاً من معادلة أمنية تريد تثبيتها على الأرض. وشدد زامير على أن الجيش الإسرائيلي لن يسمح بإعادة بناء القدرات الهجومية لحزب الله في هذه المنطقة، مؤكداً استمرار النشاط العسكري لحماية البلدات الإسرائيلية الشمالية. وبذلك، لا تبدو العمليات الإسرائيلية مجرد حملة لتدمير مواقع محددة، بل محاولة لإعادة رسم الواقع العسكري على جانبي الحدود، عبر منع الحزب من العودة إلى المواقع التي كان يعتبرها جزءاً من خطه الدفاعي والهجومي المتقدم. والأكثر دلالة كان تأكيد إسرائيل الطابع الإيراني للبنية التحتية التي جرى تدميرها. فالجيش الإسرائيلي يقول إن شبكة الأنفاق في علي الطاهر بُنيت على مدى أكثر من عقدين بتمويل وتوجيه من إيران، وإنها شكلت جزءاً من منظومة عسكرية متكاملة لحزب الله، تضم غرف قيادة وتحكم ومستودعات أسلحة ومرافق تسمح للمقاتلين بالبقاء والعمل تحت الأرض لفترات طويلة. وهكذا، فإن ما يجري في جنوب لبنان لا يتعلق بتدمير أنفاق معزولة، بل بضرب بنية عسكرية تعتبرها إسرائيل امتداداً مباشراً للمشروع الإيراني في المنطقة. والمفارقة أن إيران، في الوقت الذي تبرز فيه تقدّم الحوثيين في باب المندب كإنجاز لمحورها، تواجه في لبنان تفكيك جزء من المنظومة التي أنفقت سنوات وأموالاً هائلة على بنائها. وتتضح المفارقة أكثر عند مقارنة الساحتين: الحوثي يتقدم في باب المندب، فيما حزب الله يتقهقر في جنوب لبنان. الأول يوسّع حضوره عند ممر بحري دولي بالغ الحساسية، والثاني يفقد مواقع وبنى عسكرية أقامها بالقرب من الحدود الإسرائيلية، فيما تعمل إسرائيل على تحويل وجودها في «المنطقة الصفراء» إلى واقع أمني مستمر. وفي المحصلة، تبدو طهران أمام مشهد إقليمي شديد التناقض: إنجاز حوثي في باب المندب يقابله تراجع لحزب الله في الجنوب اللبناني. وبينما تسعى إيران إلى تقديم تقدّم الحوثيين باعتباره دليلاً على اتساع نفوذها، تكشف التطورات في جنوب لبنان الوجه الآخر للصورة: منظومة عسكرية مرتبطة بها مباشرة تتعرض للتفكيك، وإسرائيل لا تكتفي بتدمير ما أقامه حزب الله، بل تؤكد أنها تريد البقاء في المواقع التي سيطرت عليها ومنع عودة الحزب إليها.
