
في ما يشبه تلطيشة أميركية غير مسبوقة لرئيس مجلس النواب نبيه بري، كشف السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، بعد أقل من 24 ساعة على لقائه رئيس المجلس، حجم الشكوك الأميركية حيال طريقة إدارة بري للملفات التفاوضية المرتبطة بالوضع الأمني والحدودي. وقال عيسى حرفياً: “سنكتب لبري معنى المنطقة التجريبية، وهو يقبل بها، ولكن تعرفون بري كل يوم بلاقي شغلة جديدة”. ولم يتوقف السفير الأميركي عند هذا الحد، بل ذهب أبعد من ذلك عندما ربط ما وصفه عملياً بمناورات بري التفاوضية بالتنسيق المباشر مع “حزب الله”، قائلاً: “نحن نعرف أنه سيتكلم باسم الحزب، ولكن أحياناً بيطلع من عندو شي ومن الحزب شي تاني كمان، ما هني ينسقوا مع بعض وبيقرروا مين بيحكي شمال ومين بروح يمين”. وتعكس هذه العبارات، للمرة الأولى بهذا الوضوح، اقتناعاً أميركياً بأن التباينات التي تظهر أحياناً بين بري و”حزب الله” ليست سوى توزيع أدوار متفقاً عليه سلفاً، وأن الطرفين ينسقان مواقفهما ويتبادلان الأدوار في إدارة الملفات الحساسة، بحيث يبدو أحدهما أكثر تشدداً فيما يتولى الآخر هامش المناورة. وتكتسب تصريحات عيسى أهمية استثنائية لأنها جاءت بعد ساعات فقط من اجتماعه ببري، ما يحولها من مجرد ملاحظة سياسية إلى رسالة أميركية مباشرة تعبر عن مستوى متقدم من فقدان الثقة بالرجل الذي لعب لعقود دور الوسيط والقناة الأساسية بين لبنان وواشنطن في ملفات شديدة الحساسية. ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية في ضوء العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية في أيار الماضي على أحمد أسعد بعلبكي، أحد أبرز المسؤولين الأمنيين في حركة “أمل” والمقربين من بري، ضمن حزمة عقوبات استهدفت شخصيات قالت واشنطن إنها تعمل على حماية نفوذ “حزب الله” داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. وقد اعتُبرت تلك الخطوة أول استهداف مباشر لدائرة بري الأمنية المقربة، لا للحزب وحده. ومن هذه الزاوية، لا يبدو كلام عيسى منفصلاً عن مسار أميركي متصاعد ينظر إلى حركة “أمل” و”حزب الله” باعتبارهما شريكين في إدارة النفوذ داخل الدولة اللبنانية. لذلك لا يمكن النظر إلى تصريحاته على أنها انتقاد عابر، بل باعتبارها أخطر توصيف أميركي معلن حتى الآن لدور بري، إذ تتهمه واشنطن ضمناً بالتنسيق الكامل مع “حزب الله” في إدارة عملية التفاوض وتوزيع المواقف والأدوار بما يخدم استراتيجية واحدة، تخدم "حزب الله".
