
بعد أقل من 24 ساعة على إعلان مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد، والتي قُدّمت باعتبارها إطاراً لإنهاء الحرب ووقف التصعيد على مختلف الجبهات، بدا الجنوب اللبناني بعيداً عن أي تهدئة فعلية، فيما أكدت إسرائيل أنها لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة الاتفاق على إحداث تغيير ميداني في لبنان. ففي الميدان، استمرت الاشتباكات بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» طوال يوم الاثنين. وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الحزب أطلق عدة صواريخ وقذائف هاون وصاروخاً مضاداً للدروع باتجاه قواته في جنوب لبنان، فيما نفذ سلاح الجو الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت ما وصفهم بـ«عناصر شكلوا تهديداً مباشراً» للقوات المنتشرة في المنطقة. وأكد الجيش الإسرائيلي اعتراض عدد من الصواريخ التي أطلقت باتجاه قواته، فيما تحدثت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان عن استهداف سيارة في بلدة كفرتبنيت أدى إلى مقتل سائقها. في المقابل، أعلن «حزب الله» أنه تصدى لقوة إسرائيلية كانت تحاول التقدم في محيط كفرتبنيت قرب النبطية، مؤكداً استهداف آليات ودبابات إسرائيلية بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقذائف المدفعية، في مؤشر إلى أن المواجهات الميدانية لم تتأثر عملياً بإعلان التفاهم الأميركي – الإيراني. الأكثر أهمية من التطورات الميدانية كان الموقف الإسرائيلي الرسمي الذي بدد سريعاً أي رهانات على انسحاب قريب من الجنوب اللبناني. فقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستبقى داخل المنطقة العازلة في جنوب لبنان «طالما كان ذلك ضرورياً»، مشدداً على أنه رفض مطالب إيرانية وأميركية بالانسحاب. وقال نتنياهو في مؤتمر صحافي هو الأول له منذ ثلاثة أشهر: «إيران أرادت أن ننسحب من هناك، لكن ذلك لم يحدث»، مضيفاً أنه تمسك بموقفه وأن الإدارة الأميركية احترمت هذا الموقف. وقبل ساعات من كلام نتنياهو، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل «لن تنسحب من جنوب لبنان رغم كل الضغوط الحالية والمستقبلية»، مؤكداً استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق التي سيطر عليها الجيش خلال الحرب. وكشفت التطورات أيضاً حجم التهميش الذي تعرضت له إسرائيل نفسها خلال المفاوضات الأميركية – الإيرانية، إذ أقر نتنياهو علناً بأنه لا يعرف حتى الآن التفاصيل الكاملة لمذكرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن وطهران إلكترونياً، على أن يتم توقيعها رسمياً في سويسرا يوم الجمعة. كما أفادت تقارير إسرائيلية بأن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس طلب خلال اتصال متوتر مع نتنياهو تقليص الوجود العسكري الإسرائيلي في لبنان، إلا أن الأخير رفض ذلك بشكل قاطع. وفي المقابل، أكد مسؤول أميركي رفيع أن مذكرة التفاهم لا تربط الاتفاق بانسحاب إسرائيلي من لبنان، رغم أنها تتحدث عن وقف إطلاق نار يشمل الساحة اللبنانية. وعليه، يبدو أن مذكرة إسلام آباد فتحت مساراً سياسياً جديداً بين واشنطن وطهران، لكنها لم تنجح حتى الآن في تغيير الوقائع الميدانية في جنوب لبنان، حيث لا تزال الحرب مستمرة بوتيرة منخفضة، ولا يزال الاحتلال الإسرائيلي قائماً من دون أي التزام واضح أو جدول زمني للانسحاب.

