
لم يكن إطلاق “حزب الله” صاروخين باتجاه الجليل صباح الأحد حدثاً عسكرياً معزولاً، بقدر ما بدا جزءاً من مشهد إقليمي أوسع بدأ قبل ساعات مع القصف الصاروخي الإيراني على إسرائيل. فبينما كانت صفارات الإنذار تدوي في شمال إسرائيل بالتزامن مع انتقال الطلاب إلى مدارسهم، كانت طهران تدرك أنها تضع تل أبيب أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الامتناع عن الرد على خرق معادلة “الجليل – الضاحية” التي استقرت خلال الأيام الأربعة الماضية، وإما العودة إلى استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وأمنية. اختارت إسرائيل الخيار الثاني. فقصف الضاحية لم يكن مجرد رد على صاروخين، بل محاولة للحفاظ على معادلة الردع التي أعلنها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قبل أيام، ومفادها أن استهداف الشمال الإسرائيلي سيقابله استهداف الضاحية الجنوبية. وبذلك، تحولت الضاحية إلى ساحة اختبار عملية للتفاهمات التي رعتها واشنطن، وللقدرة الإسرائيلية على فرض قواعد الاشتباك التي تسعى إليها. لكن خلف هذا المشهد برز لاعب آخر هو إيران. فطهران التي تواجه ضغوطاً متزايدة على أكثر من جبهة، من العقوبات الاقتصادية إلى التوترات العسكرية والضغوط الداخلية، تبدو معنية بإعادة خلط الأوراق في لحظة حساسة من مفاوضاتها المتعثرة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة إطلاق الصواريخ من لبنان والقصف الإيراني المباشر على إسرائيل باعتبارهما جزءاً من رسالة مزدوجة: أولاً، التأكيد أن إيران ما زالت قادرة على التأثير في أكثر من ساحة إقليمية رغم الضغوط المفروضة عليها؛ وثانياً، دفع واشنطن إلى التدخل لمنع انزلاق الأمور إلى مواجهة أوسع قد تربك أولويات ترامب الإقليمية والدولية. ويكتسب هذا الضغط بعداً إضافياً مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، الذي تراهن عليه الإدارة الأميركية باعتباره حدثاً عالمياً ضخماً يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية تتجاوز الرياضة نفسها. ومن هنا، تبدو طهران وكأنها تضع ترامب أمام معادلة دقيقة: إما ممارسة مزيد من الضغوط على إسرائيل لمنع توسع المواجهة، أو المخاطرة بانفجار إقليمي قد يلقي بظلاله على الاستقرار الذي تسعى واشنطن إلى تكريسه قبل الحدث العالمي المرتقب. غير أن إسرائيل، من جهتها، بعثت برسالة معاكسة. فهي ترى أن المشكلة لا تكمن في الضربة التي استهدفت الضاحية بحد ذاتها، بل في أن الامتناع عن الرد سيشجع “حزب الله” على مواصلة استهداف الشمال الإسرائيلي، ما يؤدي عملياً إلى إسقاط معادلة الردع التي حاولت تل أبيب تثبيتها خلال الأيام الماضية. لذلك، فإن القصف الإسرائيلي حمل في جوهره رسالة إلى واشنطن أيضاً، مفادها أن أي تفاهم لا يضمن وقف الهجمات على شمال إسرائيل لن يكون قابلاً للاستمرار.
