
في يوم واحد، تضع أحداث متزامنة في الأردن وفرنسا والضفة الغربية المنطقة وأوروبا أمام سؤال يتجاوز الوقائع الأمنية: لماذا يتبدّل توصيف العنف باختلاف هوية الضحايا والفاعلين والسياق السياسي الذي تقع فيه الجريمة؟ في الأردن، أطلق مسلحون النار داخل كنيسة للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك، خلال جنازة، في حادثة أوقعت قتلى وعشرات الجرحى، وفق التقارير الأولية. ولم تكن السلطات قد أعلنت، في المعلومات المتاحة، هوية المسؤولين عن الهجوم أو دوافعهم بصورة حاسمة. لكن وقوع الاعتداء داخل مكان عبادة تابع لأقلية دينية يضع حماية المسيحيين الأردنيين في صلب الأسئلة التي تفرضها الجريمة، من دون أن يعني ذلك أن استهدافهم بسبب دينهم قد ثبت نهائياً. وفي فرنسا، انتقل مشهد العنف إلى تراب ولا فيريير، في ضواحي باريس، حيث أطلق رجل النار على أشخاص في مواقع عدة، فقتل شخصاً وأصاب خمسة آخرين، وفق الحصيلة التي أعلنتها السلطات. وأوقفت الشرطة المشتبه فيه، فيما تولّى الادعاء الوطني لمكافحة الإرهاب التحقيق، واضعاً احتمال الدافع العنصري أو الاستهداف على أساس الانتماء العرقي أو الديني ضمن مسارات القضية. وتكتسب هذه الشبهة أهمية إضافية مع ورود معلومات إعلامية عن أصول أفريقية ومغاربية لبعض الضحايا. أما في الضفة الغربية، فقد حملت الأحداث وجهاً مختلفاً للعنف. ففي هجوم مسلح قرب الخليل، قُتل جنديان إسرائيليان، فيما قُتل المهاجمان الفلسطينيان في تبادل لإطلاق النار مع القوات الإسرائيلية، وفق الرواية العسكرية الإسرائيلية. وأشادت حركة «حماس» بالهجوم، فيما توعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعملية عسكرية واسعة في المنطقة، مع إجراءات شملت تشديد القيود على الحركة. هنا، يدخل مفهوم «المقاومة» في قلب الصراع على التوصيف. فبالنسبة إلى مؤيدي العمل المسلح الفلسطيني، تأتي هذه العمليات في سياق الاحتلال والصراع على الأرض والحقوق الوطنية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي هجمات مسلحة تستوجب الرد الأمني والعسكري. المشكلة، إذاً، ليست في اختلاف الكلمات وحده، بل في احتمال أن تتحول اللغة إلى وسيلة لانتقاء الضحايا الذين يستحقون التعاطف، والفاعلين الذين يستحقون الإدانة. فإذا كان الاعتداء على كنيسة يستدعي التحقيق في احتمال الاضطهاد الديني، وإطلاق النار على أشخاص بسبب لون بشرتهم يستدعي التحقيق في العنصرية، فإن الاعتداء على المدنيين في الضفة الغربية لا يصبح مقبولاً بتغيير اسمه، كما أن مقاومة الاحتلال لا تفقد سياقها السياسي لمجرد أن إسرائيل تصف كل عمل مسلح بالإرهاب. المعيار الذي يحمي المجتمعات من ازدواجية المعايير يجب أن يكون واحداً: الوقائع والأدلة، وهوية الأهداف، وطبيعة الفعل، والقانون الذي يحكمه. فلا يجوز تحويل الدين إلى تهمة، أو لون البشرة إلى سبب للاستهداف، أو الاحتلال إلى ذريعة لتبرير كل وسيلة، أو الأمن إلى غطاء لإعفاء مرتكبي الانتهاكات من المساءلة. من كنيسة الكرك إلى شوارع تراب وطرق الخليل، يبقى السؤال الحقيقي: هل تُسمّى الجريمة باسمها وفق طبيعتها وأدلتها، أم وفق هوية مرتكبها والجهة التي تتولى رواية قصتها؟ ملاحظة تحريرية: اعتمدتُ توصيف «شبهات» في الحالة الفرنسية، ولم أجزم بأن الهجوم في الأردن استهدف المسيحيين بسبب دينهم، فيما نُسب توصيف هجوم الخليل إلى سياقه السياسي ومواقف الأطراف المعنية. هذه الفوارق ضرورية للحفاظ على قوة العنوان من دون تحويل الفرضيات إلى حقائق.

