
يبدو أن المفاوضات حول مضيق هرمز تقترب من نقطة الانفجار، بعدما أعادت إيران، بصورة مفاجئة، طرح شروطها القصوى التي كانت قد جعلتها في بدايات المواجهة أساساً لأي اتفاق مع الولايات المتحدة، فيما بدأت واشنطن تلوّح مجدداً بإمكانية العودة إلى الخيار العسكري الذي كان الرئيس دونالد ترامب قد علّقه قبل أيام. المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أعلن، السبت، أن مضيق هرمز لن يُفتح أمام حركة الملاحة ما لم «تصحح الولايات المتحدة سلوكها»، واضعاً أمام إعادة فتح الممر المائي الحيوي لائحة واسعة من المطالب تتجاوز بكثير مسألة تنظيم الملاحة. وبحسب بيان أمين المجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً أحد قادة الحرس الثوري، يتعين على الولايات المتحدة أن تتعهد بعدم تهديد إيران مجدداً، وأن تنهي بصورة دائمة الحرب على إيران وعلى حلفائها المسلحين في المنطقة، وترفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتسحب قواتها العسكرية من المنطقة، وتعوّض إيران «بشكل كامل» عن أضرار الحرب، وترفع العقوبات، وتفرج «من دون شروط» عن الأصول الإيرانية المجمدة. بهذا المعنى، لا تتعامل طهران مع فتح هرمز باعتباره ملفاً تقنياً يتعلق بمسارات عبور السفن وإزالة الألغام وضمان سلامة الملاحة، بل تحاول تحويله إلى ورقة تفاوضية شاملة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية من واشنطن. وهنا تكمن خطورة التطور الجديد. فالمطالب التي أعلنتها طهران هي عملياً نسخة من الشروط التي كانت تطرحها في المراحل الأولى من المواجهة باعتبارها مدخلاً إلى اتفاق دائم مع الولايات المتحدة. لكن ذلك الاتفاق كان يفترض، من وجهة النظر الأميركية، أن يعالج في الوقت نفسه البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بالسلوك العسكري الإيراني. أما الآن، فتبدو إيران وكأنها تطالب بالحصول على هذه التنازلات الأميركية مقابل مجرد الموافقة على إعادة فتح مضيق هرمز. وهذا ما يجعل المسألة أبعد من خلاف على الملاحة. إنها اختبار مباشر لموازين القوة التي نشأت بعد الحرب. فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً يضمن عودة حركة النفط والغاز إلى مستويات ما قبل الحرب، ويمنع إيران من استهداف السفن التجارية، ويؤمّن ممراً آمناً للسفن عبر مضيق هرمز، الذي ما زالت حركة العبور فيه منخفضة. وتقول واشنطن إن المشكلة لا تتعلق فقط بقرار سياسي إيراني، بل أيضاً بالألغام التي زرعتها إيران في المضيق، والتي تجعل إعادة الملاحة الطبيعية مرتبطة بعملية إزالة ألغام وترتيبات أمنية واضحة. في المقابل، تحاول طهران الإمساك بالورقة الأكثر حساسية التي لا تزال في يدها: المضيق نفسه. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال إن بلاده اقتربت من اتفاق مع عُمان بشأن الملاحة، ولا سيما تحديد مسار العبور، لكنه شدد على أن إعادة فتح المضيق مرتبطة بشروط أخرى. وكان الحرس الثوري أكثر وضوحاً عندما أعلن أن فتح هرمز لن يتم إلا إذا قبلت واشنطن الشروط الإيرانية. وبذلك، تتحول المفاوضات مع عُمان من بحث تقني في آلية الملاحة إلى جزء من معركة سياسية أكبر بين طهران وواشنطن. لكن المفارقة أن إيران لا تبدو وحدها التي تعود إلى منطق البدايات. فواشنطن أيضاً بدأت تستعيد خطاباً كانت قد استخدمته قبل أيام من تعليق الخيار العسكري. نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قال إن إيران «تتألم بشدة»، وإنها تضغط من أجل التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، مؤكداً أن الولايات المتحدة ألحقت أضراراً كبيرة ببرنامجها النووي وقواتها التقليدية وقدراتها العسكرية غير المتكافئة. والأكثر دلالة أن فانس لم يتحدث بلغة من يرى أن الاتفاق بات قريباً بأي ثمن، بل ترك الباب مفتوحاً أمام استمرار الضغط الأميركي إذا لم توافق طهران على «التغييرات طويلة الأمد» التي تطلبها واشنطن. وهنا تحديداً تبرز المخاوف من أن يؤدي التصعيد الإيراني في شروط التفاوض إلى نتيجة عكسية تماماً لما تريده طهران. فإذا كانت إيران تراهن على أن حاجة العالم إلى إعادة فتح مضيق هرمز ستجبر واشنطن على تقديم تنازلات كبيرة، فإن إدارة ترامب قد ترى في الشروط الجديدة دليلاً على أن الضغط العسكري والسياسي لم يصل بعد إلى النتيجة المطلوبة. وقد حذر باراك رافيد، مراسل واشنطن في القناة الإسرائيلية الثانية عشرة، من أن الولايات المتحدة «بالتأكيد لا تستطيع قبول» المطالب الإيرانية الجديدة، وأنها قد تدفع ترامب مجدداً نحو الخيار العسكري الذي كان قد علّقه قبل أيام. وفي هذه النقطة تحديداً تكمن المفارقة الكبرى في المشهد: إيران التي كانت تسعى إلى استخدام هرمز كورقة ضغط للوصول إلى اتفاق بشروط أفضل، قد تجد نفسها أمام احتمال إعادة فتح الباب أمام التصعيد العسكري الأميركي. أما عُمان، التي تؤدي دور الوسيط، فتحاول إبقاء المفاوضات على قيد الحياة، مؤكدة أن المحادثات مستمرة في «أجواء إيجابية وبناءة». لكن التطورات الميدانية لا تساعد على تثبيت هذه الإيجابية، خصوصاً بعد إعلان الإمارات تعرض إحدى سفنها لصاروخ إيراني أثناء عبورها المضيق. وفي الوقت نفسه، تبقى مسألة الرسوم على عبور المضيق نقطة خلاف محتملة. فقد قال فانس إن الإيرانيين أبلغوا واشنطن بأنهم لا يعتزمون فرض رسوم، لكن طهران لم تغلق الباب أمام فرضها مستقبلاً. ونقلت «برس تي في» أن لجنة برلمانية إيرانية تدرس مشروع قانون لفرض رسوم على العبور، مع منع السفن الأميركية والإسرائيلية وغيرها من السفن التي تصنفها إيران على أنها «معادية». كل ذلك يجعل الأيام المقبلة حاسمة. فالمهلة المحددة بستين يوماً للتفاوض على الاتفاق النهائي تنتهي بعد أكثر من أسبوع بقليل، وإن كان تمديدها ممكناً. لكن المشكلة لم تعد في الوقت وحده، بل في المسافة التي تفصل بين الطرفين. إيران تعود إلى شروط البدايات، وتريد أن تجعل فتح هرمز ثمناً لتنازلات أميركية واسعة. وترامب، في المقابل، يبدو أمام خيارين: إما أن يعتبر المطالب الإيرانية جزءاً من لعبة تفاوضية يمكن احتواؤها، أو أن يقرأها باعتبارها دليلاً على أن الضغط العسكري لم يؤد بعد إلى تغيير السلوك الإيراني الذي يريده. وهذا هو أخطر ما في اللحظة الحالية: أن يتحول مضيق هرمز من بوابة للعودة إلى التفاوض إلى بوابة للعودة إلى الحرب.
