
في وقت يواصل فيه حزب الله رفع سقف خطابه السياسي ضد السلطة اللبنانية، تبدو بيئته الاجتماعية والسياسية غارقة أكثر فأكثر في أثمان الحرب المفتوحة من قتل ودمار ونزوح، من دون أن يقدّم الحزب، أي أفق مختلف سوى الدعوة إلى المزيد من الصمود وتحمل الخسائر تحت عنوان “المقاومة”. وفي موازاة ذلك، يواصل الحزب هجومه على السلطة اللبنانية، متهماً إياها بالتفريط بالسيادة والانخراط في مسار تفاوض مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، فيما يقدّم نفسه مرجعاً وطنياً يوزّع النصائح على الدولة حول كيفية إدارة الصراع مع تل أبيب، رغم الكلفة الباهظة التي يتحمّلها اللبنانيون، ولا سيما أبناء المناطق المؤيدة له. ويأتي هذا التصعيد السياسي في لحظة داخلية وإقليمية شديدة الحساسية، حيث تتعمّق الانقسامات اللبنانية حول مستقبل سلاح الحزب، وحدود التفاوض مع إسرائيل، وإمكان الوصول إلى ترتيبات جديدة في الجنوب بعد الحرب الأخيرة. في المقابل، خطفت زيارة القائم بالأعمال السوري إلى رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الاهتمام السياسي، ولا سيما مع استهلال اللقاء بتقديم هدايا رمزية لجعجع، في مشهد يحمل دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي التقليدي. فالرمزية السياسية للهدايا تعكس، بالنسبة إلى كثيرين، طبيعة التحوّل الجاري في علاقة سوريا الجديدة بالقوى اللبنانية، وخصوصاً مع شخصيات وأحزاب كان النظام السوري السابق يضعها في خانة الخصوم التاريخيين أو “الأعداء”. ويشير هذا المشهد إلى تبدّل واضح في المقاربة السورية تجاه لبنان، يقوم على الانفتاح السياسي وإعادة صياغة العلاقات بعيداً من الإرث الأمني والسياسي الذي حكم مرحلة النظام المخلوع، في وقت تبدو فيه التوازنات اللبنانية نفسها أمام إعادة تموضع واسعة تتأثر مباشرة بالتحولات الإقليمية الجارية.

