
دخلت الحرب على الطاقة السعودية مرحلة أكثر حساسية، بعدما تعرض خط أنابيب شرق–غرب الاستراتيجي لهجمات بطائرات مسيّرة أُطلقت من الأراضي العراقية، ما دفع الرياض إلى وقف الضخ فيه احترازياً، في وقت تتعرض فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لضغوط متزايدة، فيما يشتد الخطر على الطريق البديل عبر البحر الأحمر وباب المندب. الهجوم لا يستهدف منشأة نفطية عادية، بل واحدة من أهم أدوات السعودية لتجاوز مضيق هرمز. فالخط، الممتد نحو 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، تبلغ طاقته القصوى نحو 7 ملايين برميل يومياً، وقد تحوّل خلال أزمة هرمز إلى شريان أساسي لنقل الخام إلى الأسواق من دون المرور بالمضيق. وبذلك تجد الرياض نفسها أمام ثلاث حلقات ضغط متزامنة: هرمز من الشرق، وخط شرق–غرب من الداخل، وباب المندب من الغرب. ويأتي ذلك فيما يواصل الحوثيون المدعومون من إيران تشكيل تهديد على حركة الملاحة عند مدخل البحر الأحمر، ما يضيف خطراً جديداً إلى طرق تصدير النفط السعودية. أهمية خط شرق–غرب تكمن تحديداً في أنه يمثل شبكة الأمان السعودية في مواجهة أي حصار بحري. ومع توقفه، تصبح قدرة المملكة على تصدير كامل إنتاجها النفطي أكثر ارتباطاً بعودة الملاحة الآمنة في هرمز أو بإعادة تشغيل الخط سريعاً. لكن الصورة لا تعني أن السعودية فقدت فوراً كل قدرتها التصديرية. فالخط أوقف احترازياً، فيما تواصل الفرق الفنية تقييم الأضرار وتأمين المنشآت، كما أن التدفقات الفعلية عبر ينبع كانت أصلاً أقل من الطاقة القصوى للخط. حتى الآن، اختارت السعودية عدم الرد العسكري المباشر على الهجوم المنطلق من العراق، استجابة لطلب بغداد منحها فرصة لاتخاذ إجراءات لمنع استخدام أراضيها في مهاجمة المملكة. لكن الرياض أكدت في المقابل أنها تحتفظ بحق اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها. وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية: السعودية لا تواجه في نظرها هجوماً واحداً، بل نمطاً من الضغط المتعدد الاتجاهات على صادراتها النفطية. إيران تضغط على هرمز، وحلفاؤها في اليمن يهددون باب المندب، فيما تأتي الضربات على خط شرق–غرب من الأراضي العراقية التي تنشط فيها فصائل مسلحة موالية لطهران. وإذا ثبت أن هذه الجبهات تعمل ضمن استراتيجية واحدة، فإن المعركة لا تعود مجرد استهداف لمنشآت سعودية، بل محاولة لإجبار الرياض على الاختيار بين خفض صادراتها النفطية، أو المخاطرة بفتح مواجهة أوسع مع الشبكة الإقليمية التي تقف خلف هذه الضغوط. السيناريو الأول أمام الرياض هو احتواء الأزمة: إصلاح الخط سريعاً، إعادة الضخ، وتشديد الإجراءات الأمنية على الحدود العراقية، مع إعطاء بغداد فرصة لإثبات قدرتها على وقف الهجمات. السيناريو الثاني هو الرد غير المباشر، عبر رفع الضغط السياسي والأمني على الفصائل العراقية المتهمة بالهجوم، بالتنسيق مع واشنطن وبغداد، من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران. أما السيناريو الأخطر فهو أن تتكرر الضربات أو يتزامن تعطيل خط شرق–غرب مع استمرار إغلاق هرمز وتدهور أمن باب المندب. عندها قد تجد السعودية نفسها أمام حصار نفطي فعلي يهدد قدرتها على إخراج إنتاجها إلى الأسواق، ويحوّل النفط من مصدر قوة للمملكة إلى ساحة المعركة الرئيسية.
