
بعد أيام من التهديدات والضربات والحصار البحري والتلويح باستهداف قلب الاقتصاد الإيراني، بدا المشهد الإقليمي، الخميس، وكأنه ينقلب رأساً على عقب. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي كان يتحدث قبل ساعات عن ضرب إيران “بقوة شديدة” والسيطرة على جزيرة خرج النفطية، أعلن فجأة تعليق الضربات المقررة، مؤكداً أن اتفاقاً مع طهران بات في مراحله النهائية وأن مراسم التوقيع قد تتم خلال أيام. هذا التحول الدراماتيكي لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة، لكنه يكشف أن ما سمّته دوائر أميركية “حرب الإخضاع” لم يكن هدفه الحرب بحد ذاتها، بل دفع إيران إلى طاولة تفاوض جديدة من موقع أضعف مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة. وقال ترامب إن المباحثات مع إيران وصلت إلى أعلى مستويات القيادة الإيرانية وحظيت بالموافقة اللازمة، معلناً إلغاء الضربات التي كانت مقررة مساء الخميس. وأكد أن وثائق الاتفاق باتت شبه جاهزة وأن التوقيع قد يتم خلال عطلة نهاية الأسبوع أو مطلع الأسبوع المقبل. وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الاتفاق المطروح ليس اتفاقاً نووياً نهائياً، بل مذكرة تفاهم تؤسس لمرحلة جديدة من المفاوضات وتمدد وقف إطلاق النار الهش بين الجانبين لمدة ستين يوماً، على أن تُبحث خلالها الملفات الأكثر تعقيداً المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. لكن ما يلفت الانتباه هو أن ترامب بدأ يتحدث عن تفاهمات تتجاوز الملف النووي التقليدي. فبعد اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تحدثت رئاسة الحكومة الإسرائيلية عن تفاهم أميركي يشمل إزالة المواد المخصبة، وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، والحد من إنتاج الصواريخ، ووقف دعم إيران لوكلائها الإقليميين. وإذا صحّ ذلك، فإن المفاوضات الجارية لم تعد تدور فقط حول تخصيب اليورانيوم، بل حول إعادة تعريف الدور الإقليمي لإيران بأكمله، وهو ما كانت طهران ترفض مناقشته طوال السنوات الماضية. ورغم الأجواء الإيجابية التي يحاول البيت الأبيض إظهارها، فإن تجربة الأشهر الماضية تدعو إلى الحذر. فقد أعلن ترامب أكثر من مرة أن الاتفاق بات قريباً قبل أن تتعثر المفاوضات مجدداً. كما أن استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية إلى حين التوقيع النهائي يعكس أن واشنطن نفسها لا تعتبر الاتفاق منجزاً بالكامل بعد.
