
دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية مع تزامن ثلاثة تطورات ترسم ملامح المشهد الداخلي: رئيس مجلس النواب نبيه بري يرفع سقف خطابه في مواجهة أي مسار يمسّ سلاح «حزب الله» أو الجنوب، «القوات اللبنانية» تتعامل مع معطيات أمنية دفعتها إلى تقليص مهرجانها ونقله إلى مكان مغلق، فيما تكشف التطورات في بيروت عن تبدل في موازين النفوذ السني، بما يعيد طرح السؤال حول موقع سعد الحريري وإمكان عودته إلى المشهد السياسي. ففي خطابه في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، ذهب بري إلى تثبيت مجموعة من «الخطوط الحمراء» التي تتقاطع في أجزاء أساسية منها مع الموقف الذي عبّر عنه الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، ولا سيما رفض تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة أو حزام أمني، ورفض التفاوض تحت النار، والتشديد على أن أي مقاربة للمرحلة يجب ألا تمسّ سيادة لبنان ووحدته. كما رفض بري أي صيغة لإعادة النظر في النظام السياسي خارج إطار اتفاق الطائف، معتبراً أن الفدرالية أو التقسيم أو أي صيغة أخرى لا تتوافق مع الطائف تمثل مغامرة تهدد السلم الأهلي ووحدة البلاد. الأهم في موقف بري أنه لم يكتفِ بالدفاع عن الجنوب، بل أعاد تعريف المعركة باعتبارها معركة على وحدة لبنان وسلمه الأهلي، قائلاً إن «المطلوب إسرائيلياً» ليس حزب الله أو سلاحه أو حركة أمل أو الطائفة الشيعية، بل «الفتنة». وهو خطاب يضع بري عملياً في موقع أقرب إلى خطاب قاسم في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، وإن كان بري يحافظ في الوقت نفسه على تمييز واضح بين موقفه وموقف الحزب في الملفات التفاوضية والسياسية. وفي المقلب المسيحي، تبدو «القوات اللبنانية» أمام مستوى مختلف من المخاطر. فقد قررت نقل مهرجان شهدائها المقرر في 6 أيلول من الباحة الخارجية في معراب إلى الباحة الداخلية، مع تقليص عدد المدعوين، بعدما تحدث مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب ريشار قيومجيان عن «معطيات أمنية» تتطلب حماية سمير جعجع والحضور، مشيراً إلى أن المخاوف باتت أكثر جدية في عصر المسيّرات والتكنولوجيا الحديثة. ولا يبدو القرار مجرد تعديل تنظيمي عابر، إذ يأتي في لحظة ترتفع فيها حساسية الاستهداف السياسي والأمني، ويعكس انتقال القوى السياسية اللبنانية من إدارة المناسبات الجماهيرية بوصفها استعراضاً للقوة الشعبية إلى التعامل معها بوصفها هدفاً أمنياً محتملاً. ومن هنا تكتسب خطوة «القوات» دلالتها السياسية، خصوصاً أن معراب كانت تقليدياً مساحة لإظهار الحضور الشعبي والتنظيمي للحزب. أما في بيروت، فالصورة لا تقل دلالة. فقد أظهرت انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية تقدماً واضحاً للائحة المدعومة من النائب فؤاد مخزومي، التي حصدت 11 مقعداً من أصل 18، مقابل 6 مقاعد للائحة المدعومة من «تيار المستقبل» وحلفائه، ما فتح الباب أمام نقاش واسع حول تبدل المزاج البيروتي وتراجع نفوذ «المستقبل». وهنا تحديداً تبرز عبارة «بيروت توقظ الحريري»: فالنتائج لا تعني بالضرورة أن سعد الحريري قرر العودة، ولا توجد في المعطيات المتاحة إشارة مؤكدة إلى قرار وشيك بهذا الاتجاه، لكنها تكشف أن غيابه السياسي لم يجمّد الصراع على تمثيل العاصمة، بل فتح المجال أمام قوى وشخصيات أخرى لملء جزء من الفراغ. وهذا ما يجعل بيروت نفسها عاملاً ضاغطاً على المعادلة السنية، وعلى الحريري تحديداً، إذا أراد الحفاظ على موقعه التاريخي في العاصمة.
