
رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف التهديد إلى أقصاه، واضعًا إيران أمام ما يشبه الإنذار الأخير: إمّا اتفاق سريع بشروط واشنطن، وإمّا مواجهة عسكرية «أعنف بكثير» مما سبق. لغة ترامب لم تكن هذه المرة سياسية أو تفاوضية، بل عسكرية صريحة، تستحضر مشاهد ما قبل الضربات الكبرى، وتُعيد فتح سجل المواجهات التي اختبرت فيها طهران حدود التهديد الأميركي… وخسرت. إعلان ترامب أن «أرمادا ضخمة» تقودها حاملة الطائرات أبراهام لينكولن تتجه نحو إيران، وبأنها أكبر من تلك التي أُرسلت إلى فنزويلا، لم يكن تفصيلاً دعائيًا. فالرئيس الأميركي ربط صراحة بين التحرك الحالي وسوابق عسكرية، مذكّرًا الإيرانيين بأنهم تجاهلوا تحذيرًا سابقًا، فكانت النتيجة «عملية مطرقة منتصف الليل» التي وصفها بأنها «دمار كبير» لإيران. هذه ليست المرة الأولى التي يعتمد فيها ترامب منطق التهديد العلني ثم التنفيذ: كانون الثاني 2020: بعد تهديدات مباشرة، اغتالت الولايات المتحدة قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني في بغداد، في ضربة غيّرت قواعد الاشتباك مع إيران، وأثبتت أن التحذيرات الأميركية ليست كلامًا إعلاميًا. وفي حزيران 2024 : بعد تهديد واضح ومهل ترامب يمنحىاسرائيل الضوء الأخضر لمهاجمة ايران قبل ان ينضم اليها ويوجه هجومه على مواقعها النووية. علنًا بخيارات «سريعة وقاسية» ردًا على أنشطة إيرانية إقليمية، أعقبها توسيع انتشار بحري أميركي في الخليج وبحر العرب. اليوم، يعيد ترامب استخدام القالب نفسه: تحذير علني، تحديد مهلة معنوية، ثم تلويح بضربة أوسع، لكن مع فارق أساسي: الحديث هذه المرة عن أسطول ضخم وعن ضربة «أسوأ بكثير». وربط ترامب أي تفاوض بشرط واحد لا لبس فيه: «لا أسلحة نووية». وهو شرط يُعاد طرحه اليوم بلهجة أقرب إلى الإملاء العسكري منها إلى العرض الدبلوماسي. فالرئيس الأميركي لم يكتفِ بالدعوة إلى التفاوض، بل قال صراحة إن «الوقت ينفد»، في إشارة إلى أن نافذة الحل السياسي تضيق بسرعة. ترامب لا يفاوض من موقع انتظار، بل من موقع العدّ العكسي. الأرمادا ليست استعراضًا، والتذكير بالضربات السابقة ليس صدفة. الرسالة واضحة: إمّا صفقة الآن، وإمّا ضربة لاحقًا… ولكن أقسى. وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الحقيقي في طهران ليس: هل نفاوض؟بل: هل نجرّب مرة أخرى اختبار تهديد ترامب؟
