أحدثت الانتخابات المحلية في ولاية ساكسونيا-أنهالت شرق ألمانيا صدمة سياسية واسعة بعد تحقيق حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) اليميني المتطرف فوزاً تاريخياً جعله القوة السياسية الأولى في الولاية، في نتيجة يُنظر إليها على أنها انتكاسة كبيرة للمستشار فريدريش ميرتس وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
وبحسب النتائج شبه النهائية، حصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» على 43.8% من الأصوات، ما منحه 39 مقعداً في البرلمان المحلي المؤلف من 83 مقعداً، متقدماً بفارق كبير على منافسيه، لكنه بقي دون الأغلبية المطلقة اللازمة لتشكيل حكومة بمفرده.
في المقابل، مني حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشار ميرتس بهزيمة قاسية بعدما تراجع إلى 17.2% من الأصوات، ليحصل على 15 مقعداً فقط بعد عقود من هيمنته على الحياة السياسية في الولاية. كما حصل الحزب الاشتراكي الديمقراطي على 9.3%، وحزب الخضر على 8.9%، وحزب اليسار على 8.6%.
ورغم الفوز الكاسح، يواجه حزب «البديل» معضلة سياسية تتمثل في استمرار رفض معظم الأحزاب الألمانية التعاون معه، في إطار ما يُعرف بـ«جدار الحماية» المفروض ضد ا ليمين المتطرف، ما قد يصعّب مهمة تشكيل حكومة محلية رغم تقدمه الكبير.
ويُنظر إلى النتيجة على أنها محطة مفصلية في صعود الحزب الذي تأسس عام 2013 ودخل البرلمان الاتحادي للمرة الأولى عام 2017. واستفاد الحزب خلال السنوات الماضية من تنامي المخاوف المرتبطة بالهجرة، وتراجع الأداء الاقتصادي، والاحتجاج على سياسات الأحزاب التقليدية، ما مكّنه من توسيع قاعدته الانتخابية في شرق ألمانيا وغربها على السواء.
وتزايدت الضغوط على المستشار ميرتس عقب ظهور النتائج، وسط نقاشات داخل الأوساط السياسية والإعلامية بشأن قدرة الحكومة الحالية على استعادة ثقة الناخبين. وأقر ميرتس بأن النتائج تمثل ضربة قاسية لحزبه، مؤكداً تحمله المسؤولية السياسية عنها، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاستقالة ليست مطروحة وأن حكومته ستواصل تنفيذ برنامجها الإصلاحي.
وأكد المستشار الألماني رفضه أي تعاون مع حزب «البديل من أجل ألمانيا»، معتبراً أن الحزب يمثل مشروعاً سياسياً يتعارض مع توجهات الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ومشدداً على التمسك بسياسة عزل اليمين المتطرف عن السلطة.
في المقابل، وصف أولريش سيغموند، زعيم الحزب في ساكسونيا-أنهالت، النتيجة بأنها «صنع للتاريخ»، مؤكداً أن الناخبين أرسلوا رسالة واضحة تطالب بتغيير سياسي جذري. كما لوّح بإمكانية إجراء انتخابات جديدة إذا تعذر تشكيل حكومة مستقرة، معتبراً أن حزبه قد يحقق في هذه الحالة نتائج أكبر.
وأثارت النتائج ردود فعل دولية واسعة، حيث رحبت شخصيات وأحزاب يمينية في أوروبا بالفوز واعتبرته دليلاً على تنامي التأييد الشعبي للقوى المناهضة للهجرة والمؤسسات التقليدية. كما حظيت النتيجة باهتمام في موسكو وواشنطن نظراً لمواقف الحزب المشككة في سياسات الاتحاد الأوروبي والداعية إلى إعادة النظر في الدعم المقدم لأوكرانيا.
ويُعد حزب «البديل من أجل ألمانيا» من أبرز أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، ويضع مكافحة الهجرة وتشديد الرقابة على الحدود في صدارة أولوياته، كما يتبنى مواقف متحفظة تجاه الاتحاد الأوروبي وسياسات المناخ، فيما يواجه اتهامات متكررة من خصومه بالتقارب مع موسكو واحتضان تيارات قومية متشددة، وهي اتهامات يرفضها الحزب باستمرار.
ويرى مراقبون أن نتائج ساكسونيا-أنهالت قد تشكل مؤشراً مهماً على اتجاه المزاج السياسي الألماني قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الضغوط على الأحزاب التقليدية في أكبر اقتصاد أوروبي.
