بينما تبادلت الولايات المتحدة وإيران الضربات في مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية، كانت القوات الأميركية تنفذ عملية أخرى شديدة السرية في مياه المضيق، هدفها إزالة الألغام التي تهدد حركة الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي.
ووفق تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» الأحد، أرسلت الولايات المتحدة، في الغالب خلال ساعات الليل، غواصين من قوات «سيل» التابعة للبحرية الأميركية، إلى جانب زوارق آلية ومركبات متخصصة للعمل تحت سطح الماء، في مهمة لإزالة الألغام استمرت أربعة أشهر.
وجرت عمليات اكتشاف العبوات المتفجرة والتخلص منها تحت الماء وفي الظلام، في محاولة لإزالة أحد أبرز العوامل التي دفعت السفن إلى تجنب نقل الشحنات الحيوية عبر المضيق منذ بدء الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 شباط، بحسب أشخاص مطلعين على العملية.
مهمة شاقة ودقيقة
وتُعد إزالة الألغام البحرية، حتى في أوقات السلم، عملية شاقة ودقيقة قد تستغرق أشهراً، إذ يتعين على سفن متخصصة التحرك ذهاباً وإياباً عبر الممرات المائية، وتحديد مواقع الألغام وقطعها من مراسيها، ثم إطلاق النار عليها بعد أن تطفو إلى السطح.
لكن العملية الأميركية في هرمز اتخذت مساراً مختلفاً. فقد عمل غواصو البحرية الأميركية ضمن فرق صغيرة، باستخدام زوارق ذات هياكل قابلة للنفخ، فيما تولت قوارب آلية ومركبات غاطسة تحديد مواقع الألغام.
ومن بين الوسائل المستخدمة «السفينة السطحية المشتركة غير المأهولة» التابعة للبحرية الأميركية، التي تستخدم أجهزة سونار تُجر خلفها لمسح قاع البحر ورصد الألغام.
وتتيح أجهزة السونار عالية الدقة، التي تعمل بتقنية التصوير الجانبي، رصد أجسام موجودة في قاع البحر، بينها الألغام، بدرجة عالية من الوضوح، ما يسمح بتمشيط مساحات واسعة وتقليل المخاطر التي يتعرض لها أفراد الطواقم.
الغواصون.. المرحلة الأخطر
لكن تحديد موقع اللغم لا يعني انتهاء المهمة، بل يفتح الباب أمام المرحلة الأكثر خطورة.
وقال بيل هامبلِت، وهو نقيب متقاعد في البحرية الأميركية، إن العملية تتطلب عادة نزول غواص إلى الماء والاقتراب من اللغم، ثم تثبيت عبوة متفجرة عليه لتدميره، مشيراً إلى أن القوة المشاركة في مثل هذه العمليات تكون «صغيرة جداً وخفيفة الوزن».
وأضاف أن الولايات المتحدة ربما نفذت بعض عملياتها انطلاقاً من السفينة «يو إس إس ميغيل كيث»، وهي قاعدة عائمة متنقلة للبعثات الاستكشافية التابعة للقوات البحرية الأميركية في الخليج، كما يمكن استخدام مركبات غاطسة آلية لتدمير الألغام بالمتفجرات.
وقال برايان كلارك، الخبير في إزالة الألغام في معهد هدسون، إن هذه الأنظمة قد تشمل المنظومة البريطانية «سي فوكس»، أو المنظومة الأميركية الأحدث «AN/ASQ-235 آرتشر فيش».
نحو 80 لغماً في ممرات الشحن
ومنذ اندلاع الحرب، أعلنت طهران أنها زرعت ألغاماً داخل مضيق هرمز لمنع عبور السفن، فيما قدرت المنظمة البحرية الدولية وجود نحو 80 لغماً في ممرات الشحن الحيوية.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد قبل أيام أن جميع الألغام البحرية في المضيق أزيلت من «المياه الدولية»، في إشارة على الأرجح إلى الممر الملاحي التقليدي الذي تستخدمه السفن التجارية منذ عقود بموجب القانون الدولي.
كما أعلنت واشنطن إزالة أكثر من 200 جسم يشبه الألغام من الممر الرئيسي، لكن الفحص أظهر أن 11 منها فقط كانت ألغاماً فعلية، فيما كان عدد محدود منها موضوعاً بطريقة صحيحة، وفق مسؤولين أميركيين تحدثوا إلى «أكسيوس» أواخر الشهر الماضي.
ورغم خطورة المهمة، لم يُبلغ عن وقوع خسائر بشرية أميركية مرتبطة تحديداً بعمليات إزالة الألغام. وقال كلارك إن قوات إزالة الألغام تبقى عرضة للخطر لأن العملية بطيئة، ولأن الزوارق أو المروحيات المشاركة فيها تفتقر إلى وسائل دفاعية كافية.
تهديد مزدوج: صواريخ وألغام
ولا تقتصر المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في هرمز على الألغام، إذ تتزامن معها هجمات إيران بالصواريخ والطائرات المسيّر ة. إلا أن مجرد احتمال وجود ألغام في المضيق، حتى في حال عدم وجودها فعلياً، كان كافياً لإخافة ملاك السفن ودفع شركات التأمين إلى رفع كلفة التغطية بصورة كبيرة، وفق «فايننشال تايمز».
ووصلت تكلفة التأمين إلى نحو عشرة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، ما يعني بالنسبة إلى ناقلة نفط عملاقة تكلفة تأمين قد تصل إلى نحو 10 ملايين دولار.
وأدى هذا التهديد إلى فتح جبهة أخرى في الصراع، هي «حرب المعلومات». فقد رفضت طهران تأكيدات واشنطن بشأن إزالة الألغام، وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي في أواخر آب: «لا أحد يعرف مواقع هذه الألغام سوى إيران».
وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه ترامب أن المضيق أصبح خالياً من الألغام، قال «مركز المعلومات البحرية المشترك»، الذي تديره البحرية الأميركية، إن «خطراً مستمراً» لا يزال يتمثل في وجود ألغام جرفتها المياه أو ألغام لم تُحدد مواقعها.
ويقول محللون عسكريون إن إيران تمتلك آلاف الألغام من طراز «محم»، وهي ألغام شبيهة بتلك التي استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية. وبعضها يوجد أسفل سطح الماء مباشرة وينفجر عند اصطدام السفينة بأذرع الاستشعار، فيما تعمل أنواع أخرى عبر رصد التغيرات في المجالات الكهرومغناطيسية لدى مرور السفن فوقها.
