عاد ملف رفات عدد من قادة الجالية اليهودية في لبنان، الذين اختُطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، إلى صدارة الأخبار بعد إعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإفراج عن خمسة معتقلين لبنانيين، في خطوة ربطها المكتب بجهود مشتركة لتحديد أماكن دفن تلك الرفات واستعادتها. الملف، الذي ظل عالقًا لعقود، يكشف عن فصل منسي من تاريخ لبنان الحديث، وعن كيف يمكن لقضايا الماضي أن تتحول إلى أوراق تفاوض في حاضر معقّد.
جالية عريقة تلاشت مع الحرب
لم تكن الجالية اليهودية في بيروت مجرد أقلية دينية صغيرة، بل كانت واحدة من أعرق الجاليات اليهودية في العالم العربي، تمركزت تاريخيًا في حي وادي أبو جميل وسط العاصمة، وضمّت في أوجها آلاف الأفراد. تعاقب على قيادتها الروحية والإدارية عدد من الزعماء منذ أوائل القرن العشرين، وكان آخرهم في الحقبة الحديثة إسحق ساسون، الذي تولى رئاسة الطائفة بين عامي 1977 و1985.
اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 قلب موازين الأمان بالنسبة لهذه الجالية بشكل جذري. سقط نحو 200 من أبنائها ضحايا لمجازر متفرقة خ لال سنوات الحرب الأولى، وهو ما دفع أغلبية اليهود اللبنانيين إلى مغادرة البلاد بحلول عام 1976 خوفًا من تقييد حرية تنقلهم واستهدافهم بشكل مباشر.
سلسلة اختطافات طالت رموز الطائفة بين عامي 1982 و1986، حيث شهد لبنان موجة استهداف ممنهجة لقادة الجالية اليهودية المتبقين. ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، جرى اعتقال 11 من وجهاء الطائفة، لقوا حتفهم لاحقًا على أيدي متطرفين.
الحادثة الأبرز في هذه السلسلة كانت اختطاف رئيس الطائفة إسحق ساسون نفسه، الذي جرى تحت تهديد السلاح في 31 آذار/مارس 1985، وهو عائد إلى بيروت عبر مطارها من رحلة إلى أبوظبي. وقد سبقت عملية اختطافه حادثة مماثلة استهدفت الطبيب إيلي الحلاق، البالغ من العمر حينها 60 عامًا، ثم توالت عمليات الخطف لتطال شخصيات أخرى من أبناء الجالية، بينهم حاييم كوهين وإسحاق طرّاب ويهودا بينستي وسليم جاموس وإيلي سرور. تبنّت جماعة أطلقت على نفسها اسم “منظمة المستضعفين في الأرض” مسؤوليتها عن عدد من عمليات الخطف هذه، وأعلنت لاحقًا مقتل بعض من اختطفتهم، من دون أن يُعرف على نحو قاطع مصير جميع الضحايا أو أماكن دفنهم حتى اليوم.
من قضية إنسانية إلى ورقة تفاوض
يشكّل تحديد أماكن رفات هؤلاء القادة اليوم أحد الملفات الم طروحة على طاولة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، التي تجري برعاية أميركية، إلى جانب ملفي الأسرى والمفقودين من الجانبين.
وبحسب ما أعلن مكتب نتنياهو، شهدت الأشهر الأخيرة جهودًا مشتركة، شملت عمليات ميدانية على الأرض، سعت لتحديد أماكن دفن الرفات واستعادتها، في مقابل إفراج إسرائيل عن معتقلين لبنانيين تبيّن لسلطاتها أنهم غير منتمين لأي تنظيم مسلح.
هذا التوظيف التفاوضي لملف الرفات ليس بالأمر المستغرب في سياق العلاقة اللبنانية الإسرائيلية؛ فتاريخ تبادل الأسرى والجثامين بين الطرفين حافل بصفقات مماثلة امتدت من تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم، حيث اعتادت الأطراف المتفاوضة ربط قضايا إنسانية عالقة بمكاسب سياسية أو أمنية متبادلة.
الجالية اليوم: بقايا حضور يتلاشى
بعد نحو خمسة عقود من الهجرة والحرب، تقلّص عدد اليهود المتبقين في لبنان إلى ما يقارب 30 شخصًا فقط، غالبيتهم من كبار السن، يتمركزون بشكل رئيسي حول كنيس ماغن أبراهام في وسط بيروت، الذي خضع لأعمال ترميم خلال العقد الأخير. ويواجه هؤلاء الأفراد صعوبات متزايدة في الحفاظ على طقوسهم الدينية، في ظل غياب الحاخامات وتراجع أعداد الجالية إلى أدنى مستوياتها التاريخية.
