تُعدّ عادة رفض تناول آخر قطعة طعام من طبق مشترك من أكثر الإيماءات الاجتماعية التي يُساء فهمها. فغالباً ما يُنظر إلى هذا السلوك على أنه نوع من الأدب، ويُثنى على من يقوم به، بل ويُدرّس للأطفال باعتباره فضيلة.
غير أن علماء النفس يرون الأمر بشكل مختلف تماماً، بحسب موقع Space Daily.
آداب المائدة والأسلوب المنطقي
إذ يعتقد كثيرون أن آداب المائدة مجرد مسألة تهذيب، لكن هذا التصور قد ينهار عند مشاهدة طفل في السادسة من عمره يتردد في تناول آخر قطعة من خبز الثوم، بينما يتظاهر 3 بالغين بأنهم لا يريدونها أيضاً.
ففي هذه اللحظة لا يتعلم الطفل الأدب بقدر ما يتعلم التسلسل الهرمي وتحديد من يحق له أن يرغب ومن لا يحق له.
طقوس آخر قطعة طعام
وفي كثير من البيوت، لطقوس “آخر قطعة طعام” أدوار واضحة. فعلى سبيل المثال، ترفض الأم أولاً بشكل تلقائي، وربما يأخذها الأب، أو قد يرفضها هو أيضاً وفق قواعد المنزل ومن يُسمح له بالرغبة. أحياناً تُقدَّم للجد أو الجدة، وأحياناً يُضغط على الضيف لقبولها كنوع من الضريبة الاجتماعية. فيما يراقب الأطفال هذه التفاصيل ويفهمون ما هو أعمق من أ ي قاعدة آداب تقليدية.
تحديد مكانة الفرد
هذا ويتعلم الأطفال أن الطعام المشترك هو بمثابة مقياس بسيط لتحديد مكانة الفرد. فالشخص الذي يتناول آخر قطعة دون تردد قد يكون صاحب أعلى مكانة على المائدة أو أدناها، ويُفهم الفرق عادة من السياق. وهكذا يتعلم الطفل أن الرفض قد يكون كرماً أحياناً، وتضحية بالنفس أحياناً أخرى، رغم تشابه الظاهر في الحالتين.
ويعتبر الأطفال علماء أنثروبولوجيا بارعون. فطبقاً لأسس التعلم الاجتماعي، تنتقل الأعراف دون توجيه مباشر، مؤكدة ما يعرفه الآباء بالفطرة، حيث أن الأطفال يقلدون الأفعال أكثر من الأقوال.
الإنكار الذاتي كأداة قياس
ففي البيوت التي تعاني من شح الموارد – سواء كان حقيقياً أم متوهماً – يكون السيناريو متوقعاً: من يُعيل هو من يحق له أن يرغب، أما من يعوله فيتظاهر بعدم الرغبة.
حتى في البيوت الميسورة، قد يستمر هذا السلوك إذا كان أحد الوالدين قد نشأ على ثقافة الشح. وهكذا لا يعكس رفض القطعة الأخيرة بالضرورة كرماً حقيقياً، بل تقييماً للمكانة داخل العائلة.
