أصدر بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر وثيقة جديدة بعنوان “ماغنيفيكا هيومانيتاس” أي “الإنسانية الرائعة”، دعا فيها قادة العالم إلى إبطاء وتيرة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، محذرًا من تداعياتها الأخلاقية والاجتماعية على مستقبل البشرية. وقد أثارت الوثيقة تفاعلًا دوليًا واسعًا وصدى كبيرًا في وسائل الإعلام الغربية.
وجاء توقيع البابا على الوثيقة في 15 مايو/أيار 2026، تزامنًا مع الذكرى الـ135 لإصدار البابا ليو الثالث عشر وثيقته الشهيرة “ريروم نوفاروم”، التي تناولت حقوق العمال خلال الثورة الصناعية. وتُعد الوثيقة الجديدة استمرارًا لهذا النهج الفاتيكاني الذي يربط التحولات التكنولوجية بالقضايا الأخلاقية والإنسانية الكبرى.
وحذّر البابا ليو في رسالته من أن الذكاء الاصطناعي “لن يكون سبيل خلاص البشرية”، مشيرًا إلى أنه قد يسهم في نشر المعلومات المضللة، وتغذية الصراعات، وربما دفع العالم نحو مسارات أكثر خطورة، بما في ذلك احتمالات الحروب. وشدد على ضرورة وضع الإنسان في مركز التطور التكنولوجي، مؤكدًا أن الآلات لا يمكن أن تحل محل القيم الإنسانية أو تتحول إلى مرجع أخلاقي بديل.
وتُعد الرسائل البابوية من أهم أدوات الفاتيكان في توجيه المواقف الأخلاقية للعالم الكاثوليكي، وغالبًا ما تُخصص لمناقشة قضايا كبرى تمتد آثارها إلى الإنسانية جمعاء. ويختار البابا موضوعاتها بعناية، إذ تستغرق إعدادها سنوات أحيانًا نظرًا لعمقها الفكري واتساعها.
وقد تفاعلت الصحافة العالمية مع الوثيقة بشكل لافت، حيث ركزت التحليلات على أبعادها الأخلاقية المرتبطة بنفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، وتأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمعات الحديثة، إضافة إلى الدور الذي تسعى الكنيسة إلى لعبه كمرجعية أخلاقية في هذا النقاش المتسارع.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” أن وادي السيليكون لطالما حمل رؤى “خلاصية” حول التكنولوجيا، حيث أصبحت بعض التصورات حول الذكاء الاصطناعي قريبة من الطابع الديني، قبل أن يأتي تحذير البا با داعيًا إلى التروي وإعادة الإنسان إلى مركز المعادلة.
تقليد كنسي طويل في مخاطبة قضايا العصر
تندرج الوثيقة الجديدة ضمن تقليد طويل في الفاتيكان يتمثل في إصدار رسائل بابوية تتناول القضايا المفصلية في تاريخ البشرية. ومن أبرز هذه الوثائق “ريروم نوفاروم” عام 1891 التي دعت إلى تحسين أوضاع العمال خلال الثورة الصناعية، و”بيسم إن تيريس” عام 1963 التي نادت بنزع السلاح النووي خلال الحرب الباردة، إضافة إلى “لاوداتو سي” عام 2015 التي ركزت على حماية البيئة ومواجهة التغير المناخي.
ويرى مراقبون أن البابا ليو الرابع عشر يسعى من خلال هذه الوثيقة إلى فتح نقاش عالمي حول الذكاء الاصطناعي من منظور أخلاقي وإنساني، في وقت تتسارع فيه التطورات التكنولوجية بوتيرة غير مسبوقة.
دعوات أوروبية للاستقلال التكنولوجي
وفي أعقاب صدور الوثيقة، دعا وزير الشؤون الرقمية الألماني كارستن فيلدبرغر إلى تعزيز الاستقلالية الأوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي، محذرًا من الاعتماد على نماذج مدربة خارج أوروبا قد لا تعكس قيمها أو مصالحها.
وأكد أن تطوير تقنيات محلية أصبح ضرورة لضمان السيادة الرقمية والديمقراطية، مشددًا على أن التكنولوجيا يجب أن تُصمم وتُدار وفقًا لأولويات المجتمعات نفسها، وليس فقط عبر تنظيمها من الخارج.
جدل أخلاقي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي
تؤكد الوثيقة البابوية أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في طريقة استخدامها وتركيز السلطة في أيدي قليلة تتحكم بخوارزميات تؤثر في حياة البشر. ويحذر البابا من أن تفويض قرارات مصيرية لأنظمة آلية قد يؤدي إلى تقويض كرامة الإنسان وإضعاف دوره في صنع القرار.
كما شدد على ضرورة وضع ضوابط صارمة للأسلحة الذاتية التشغيل، محذرًا من تحويل الحرب إلى عملية تقنية معزولة عن البعد الإنساني، حيث تُختزل الضحايا إلى بيانات والخسائر إلى أرقام.
ويخلص نص الوثيقة إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناته الكبيرة، يجب أن يبقى خاضعًا لمعايير العدالة والكرامة الإنسانية والصالح العام، في ظل مخاوف متزايدة من تحوله إلى قوة تتجاوز قدرة الإنسان على التحكم بها.
وقد لقيت الوثيقة صدى واسعًا في الأوساط الأكاديمية والسياسية والدينية، حيث اعتبرها مراقبون دعوة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا في مرحلة مفصلية من تاريخ البشرية.