في أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ نحو عقدين، حمل الرئيس جوزاف عون من واشنطن حزمة من التعهدات السياسية والأمنية والاقتصادية، بعد محادثات استمرت نحو ساعة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أكدت الشراكة التاريخية بين البلدين، ورسخت دعماً أميركياً للدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا سيما الجيش، بالتوازي مع تعهدات بتشجيع الاستثمارات الأميركية، وإعادة الربط الجوي المباشر بين لبنان والولايات المتحدة.
ووفق بيان صادر عن رئاسة الجمهورية، جاءت زيارة العمل تلبية لدعوة رسمية من الرئيس ترامب، وتركزت المحادثات على الأولويات الأمنية والسياسية والاقتصادية اللازمة لتعزيز استقرار لبنان وازدهاره، فيما اختتم اللقاء بالاتفاق على مواصلة التنسيق لتنفيذ ما تم التوافق عليه، ومتابعة المبادرات المشتركة في المجالات الأمنية والدفاعية والاقتصادية.
وخلال اللقاء، شدد الرئيس عون على أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية يشكل المدخل الأساسي لترسيخ الاستقرار وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سيادتها الكاملة بقواها الذاتية وحدها، والمضي قدماً في تنفيذ إطار العمل الثلاثي المشترك. كما عرض أمام ترامب التداعيات الكارثية للحرب الأخيرة على لبنان، وما خلفته من خسائر بشرية واقتصادية وأضرار جسيمة في البنى التحتية، مؤكداً الحاجة إلى دعم دولي لإعادة الإعمار وتسريع التعافي الاقتصادي.
وفي الشق الأمني، وضع الرئيس اللبناني دعم الجيش اللبناني في صدارة مطالبه، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية تبقى الضمانة الأساسية لاستقرار البلاد ومنع تكرار تجربة الحرب الأهلية. وقال إن كل ما يطلبه لبنان هو استمرار الدعم السياسي والعسكري للجيش، مضيفاً: “نحتاج إلى دعم الجيش اللبناني، فهو يحافظ على أمن البلاد واستقرارها. ومن دونه سينهار كل شيء، ولا نريد أن يتكرر ما حصل عام 1975.”
وأشار عون إلى أن انهيار الجيش خلال الحرب الأهلية فتح الباب أمام الميليشيات والفوضى، مؤكداً ثقته الكاملة بقيادة الجيش وقدرته على تنفيذ المهام الموكلة إليه.
من جانبه، استقبل ترامب الرئيس اللبناني بحفاوة لافتة، واصفاً إياه بأنه “رئيس يحظى باحترام الجميع”، ومعتبراً أنه قد يصبح “أحد أفضل قادة الشرق الأوسط.” كما أعلن أن الولايات المتحدة تستعد لتقديم مساعدات كبيرة للبنان، مشيداً بالشعب اللبناني الذي وصفه بأنه “ذكي وناجح ورائع.”
وأكد ترامب أن واشنطن ستواصل دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش، بالتوازي مع مواكبة تنفيذ التفاهمات الأمنية في جنوب لبنان، حيث يتولى الجيش اللبناني الانتشار في المناطق التي تنس حب منها إسرائيل ضمن الآلية التي ترعاها الولايات المتحدة.
وشهد اللقاء أيضاً مواقف لافتة من الرئيس الأميركي، إذ أعلن استعداده للتحدث مع “حزب الله” إذا طلب منه الرئيس اللبناني ذلك، قائلاً: “إذا أراد مني الرئيس اللبناني أن أتحدث مع حزب الله فسأفعل ذلك.” وهو تصريح يعكس استعداداً أميركياً للانخراط في أي مسار يسهم في تثبيت الاستقرار، من دون أن يعني تغييراً في الموقف الأميركي الرسمي من الحزب.
وفي سياق آخر، أعرب ترامب عن إعجابه بالرئيس اللبناني، قائلاً إنه “سيقوم بعمل رائع في لبنان، كما فعل الرئيس أحمد الشرع في سوريا ووحّدها.” كما شهد اللقاء تبادلاً لافتاً للمجاملات، إذ قال عون مخاطباً الرئيس الأميركي: “كنت أتطلع إلى لقاء رئيس عظيم مثلك.” فرد ترامب مبتسماً: “هذا الرجل يعرف كيف يخاطبني… وسيحصل على ما يشاء.”
وتناول النقاش أيضاً الوضع الداخلي اللبناني، حيث أكد الرئيس عون أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يريد إنهاء الحرب ويدعم هذا المسار، ليرد ترامب: “يقولون لي إنه رجل طيب، وأعتقد أنه سينضم إلينا عندما يرى النتائج.”
اقتصادياً، بحث الرئيسان دعم مسار التعافي وإعادة الإعمار وتشجيع الاستثمارات الأميركية في لبنان، كما أثار الرئيس عون أهمية إعادة الربط الجوي المباشر بين لبنان والولايات المتحدة. ووفق ما أُعلن عقب اللقاء، وجّه الرئيس ترامب بالسماح لجميع شركات الطيران الأميركية بتسيير رحلات جوية مباشرة إلى لبنان، في خطوة من شأنها إعادة فتح أحد أبرز خطوط التواصل بين البلدين بعد سنوات طويلة من الانقطاع، بما ينعكس على حركة السفر والسياحة والاستثمار.
وفي ختام الزيارة، وصف الرئيس عون اللقاء بأنه “جيد جداً”، فيما اعتبر كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن المحادثات كانت “تاريخية ومثمرة”، مؤكداً أن الرئيس ترامب متحمس لتعزيز دعم الجيش اللبناني وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في لبنان.
وبين الدعم السياسي، والمساعدات العسكرية، والانفتاح الاقتصادي، وإعادة الربط الجوي المباشر، عكست زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض بداية مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية – الأميركية، عنوانها تعزيز مؤسسات الدولة، ودعم استقرار لبنان، وفتح آفاق أوسع للتعاون بين بيروت وواشنطن، في وقت تبقى فيه ترجمة هذه التعهدات على الأرض الاختبار الحقيقي لنتائج الزيارة.
