قد تكون خلف العبارات القاسية والاتهامات المتبادلة التي سمعناها وقرأناها بين الإعلامي مارسيل غانم والنائبة بولا يعقوبيان حكاية أوسع، تتصل بعلاقة الإعلامي بالمؤسسة التي يعمل فيها، وبالحد الفاصل بين الموقف المهني والاصطفاف إلى جانب صاحب المحطة ومموليها، فضلاً عن الطريقة التي تتداخل فيها الصراعات وتنتقل من الشاشات إلى المنصات الرقمية، ومن السياسة إلى الإعلام، قبل أن ترتدّ مجدداً من الإعلام إلى السياسة.
وجاء هذا السجال في أعقاب الضجة التي رافقت حفل عيد ميلاد طبيب التجميل نادر صعب، وما أثير حول إشكال قيل إنه وقع بين رئيس مجلس إدارة «إم تي في» ميشال المر ورجل الأعمال إيلي سعد، وهو ما نفاه المر لاحقاً في بيان، سمّى فيه جهات قال إنها تقف وراء نشر هذه الرواية، مشيراً إلى “وسائل إعلام تابعة للثنائي بولا يعقوبيان وتحسين خياط”، إضافة إلى “منصّة الأكاذيب التي يملكها ميشال قنبور”، على حد تعبيره.
في المعطيات العلنية المتاحة، لا تتوافر أدلة كافية للجزم بوجود صلة مباشرة بين ما جرى في الحفل والسجال الذي اندلع لاحقاً بين غانم ويعقوبيان. إلا أن تزامن الأحداث، وتداخل بعض الأسماء والجهات في الملفين، يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت المواجهة الإعلامية الأخيرة تشكل امتداداً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لخلافات بدأت فصولها على هامش قضية الحفل.
ولا يبدو أن السجال بين غانم ويعقوبيان قد بلغ نهايته عند حدود ما قيل وتبادل من اتهامات، إذ ترك غانم الباب مفتوحاً أمام جولات جديدة، مؤكداً أن ما جرى ليس سوى بداية لمسلسل ستتوالى حلقاته، وقد تطال أسماء وجهات سبق أن أشار إليها ميشال المر في بيانه.
الصحافي «شاعر بلاط»
لكن أبعد من تفاصيل السجال نفسه، تطرح هذه المواجهة سؤالاً عن الدور الذي يؤديه الإعلامي عندما تتداخل المهنة مع مصالح المؤسسة وصاحبها.
في تاريخ السياسة، عُرف “شاعر البلاط” بوظيفة واضحة: يمتدح الحاكم ويعدّد مناقبه، ويهجو خصومه إرضاءً له. واليوم، وإن تغيّرت الأدوات، فإن الصورة بقيت، وإن تبدّلت ملامحها، فبعدما كان الشاعر يحمل قصيدته إلى القصر، بات الإعلامي يحمل مقدمته إلى الشاشة، وأصبحت المنصات الإعلامية والرقمية تؤدي الدور ذاته الذي كانت تؤديه قصائد المديح والهجاء.
وهكذا، قد يتحوّل الإعلامي إلى ما يشبه “شاعر بلاط”: صحافي يهجو كل من يهاجم صاحب المحطة، ويمدح من يناصره، ويحوّل الخلاف المهني إلى مواجهة شخصية، ويدافع عن مصالح المؤسسة كما لو كانت شأناً عاماً.
المشكلة هنا ليست في أن يكون للإعلامي موقف أو رأي سياسي، فهذا حق طبيعي. وإنما تبدأ المشكلة عندما يصبح الانتماء إلى المؤسسة أو الولاء لصاحبها معياراً في تحديد من يستحق الهجوم ومن يستحق الدفاع، وعندما تتحول الشاشة من مساحة للمساءلة إلى منبر لتصفية الحسابات.
فالصحافي الذي يحافظ على مسافته المهنية يستطيع أن ينتقد السياسي الذي يتفق معه، وأن يختلف مع صاحب المؤسسة التي يعمل فيها، كما يستطيع أن يوجه الأسئلة نفسها إلى الحلفاء والخصوم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: من شتم من؟ بل: هل يريد الإعلام اللبناني صحافيين يحافظون على مسافة واحدة من الجميع، أم “شعراء بلاط” يهجون خصوم أصحاب المؤسسات ويمدحون حلفاءهم؟
