من اتفاقية عدم إفصاح بملايين الدولارات إلى عروض إنجاب غير مألوفة، تفتح آشلي سانت كلير نافذة على الحياة الخاصة لأحد أغنى رجال العالم، فيما يوسّع فيلم وثائقي جديد دائرة الأسئلة لتشمل نفوذه الاقتصادي والسياسي وعلاقاته بالنساء.
رفضت آشلي سانت كلير، والدة أحد أبناء الملياردير الأميركي إيلون ماسك، ما تقول إنه عرض مالي تصل قيمته الإجمالية إلى نحو 40 مليون دولار، مقابل توقيع اتفاقية عدم إفصاح تمنعها من الحديث عن علاقتها به، وفق روايتها التي عرضتها في فيلم وثائقي جديد يتناول حياة مؤسس «تسلا» و«سبايس إكس» وصعوده إلى قمة النفوذ الاقتصادي والسياسي.
وتقول سانت كلير إن العرض تضمّن دفعة أولية بقيمة 15 مليون دولار، إضافة إلى 100 ألف دولار شهرياً على مدى 21 عاماً، مقابل التزامها الصمت بشأن العلاقة. لكنها اختارت، بحسب روايتها، رفض الاتفاق، لتروي لاحقاً تفاصيل تجربتها مع ماسك أمام الكاميرا.
غير أن القضية لا تزال موضع نزاع؛ إذ نفى ماسك تقديم العرض المالي المزعوم، واتهم سانت كلير بتكرار ادعاءات كاذبة. ولم تتوافر وثيقة مستقلة تثبت تفاصيل الاتفاق الذي تتحدث عنه.
علاقة بدأت عبر «إكس» وانتهت أمام الكاميرات
تقول سانت كلير إنها تعرّفت إلى ماسك عبر منصة «إكس» عام 2023، وإنها أنجبت منه طفلاً في عام 2024. وتصف العلاقة بأنها اتسمت بخصوصية شديدة، وتداخلت فيها الاعتبارات الشخصية مع رغبة ماسك في إنجاب مزيد من الأطفال.
وتكشف، في شهادتها، عن محادثات تقول إن الملياردير الأميركي شجّعها خلالها على توسيع أسرتها، مستندة إلى قناعته بأن انخفاض معدلات الإنجاب يمثل مشكلة تهدد مستقبل البشرية.
وتنقل عنه، بحسب روايتها، قوله لها: «ينبغي أن يكون لديك عشرة أطفال! لننجب طفلاً. موردي المحدود الوحيد هو الوقت».
كما تتحدث عن رسالة تنسبها إليه، أشار فيها إلى رغبته في تكوين «فيلق من الأطفال قبل الحرب الأهلية»، وعن اهتمامه بأمثلة تاريخية لشخصيات أنجبت أعداداً كبيرة من الأطفال.
وتثير هذه الشهادات تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين قناعات ماسك المعلنة حول ضرورة زيادة الإنجاب وبين انعكاساتها على علاقاته الشخصية.
من الحياة الخاصة إلى إمبراطورية النفوذ
لا يقتصر الفيلم الوثائقي على العلاقة مع سانت كلير، بل يتناول مسيرة ماسك التجارية، وصعوده إلى موقع مؤثر في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة الأميركية.
ويستعرض العمل علاقته بمنصة «إكس»، التي استحوذ عليها عندما كانت تُعرف باسم «تويتر»، وصلاته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى نفوذه داخل شركاته وقدرته على التأثير في النقاش العام.
ويضم الفيلم شهادات من أشخاص عرفوا ماسك أو عملوا معه، من بينهم زوجته السابقة جاستين ماسك، والصحافية المتخصصة في التكنولوجيا زوي شيفر، إلى جانب سانت كلير وشخصيات أخرى من عالم الأعمال والتكنولوجيا.
ويعتمد المخرج أليكس غيبني على هذه المقابلات لإعادة تركيب صورة شخصية تجمع بين الطموح التكنولوجي الهائل والقدرة على التأثير في قطاعات اقتصادية وسياسية واسعة.
ماسك يرفض المشاركة ويهاجم الفيلم
رفض ماسك المشاركة في الفيلم، ووجّه انتقادات إلى مخرجه، معتبراً أن العمل يعتمد على أشخاص لديهم خلافات معه أو لا يعرفونه جيداً، ومشككاً في نزاهة المعالجة التي اختارها غيبني.
من صدمات الطفولة في جنوب إفريقيا إلى اكتتاب تاريخي
لا يكتفي المخرج أليكس غيبني بالغوص في الحياة الخاصة لإيلون ماسك، بل يعود إلى طفولته في جنوب إفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري، محاولاً تتبّع المحطات التي أسهمت في تشكيل شخصيته. ويعرض الفيلم علاقة معقدة بين ماسك ووالده إيرول، الذي يقول أمام الكاميرا إنه أطلق النار على ثلاثة لصوص وقتلهم، في حادثة يصف تفاصيلها بأنها تركت أرضية المنزل غارقة بالدماء.
أما إيلون، فيروي الفيلم جانباً من المعاناة التي عاشها في المدرسة، حيث تعرّض لتنمّر شديد انتهى بإدخاله المستشفى لمدة أسبوع. ويشير إلى أن والده انحاز، في تلك الواقعة، إلى جانب الذين اعتدوا عليه، في تجربة تلقي بظلالها على سنواته الأولى.
ومن هذه البدايات، ينتقل غيبني إلى المسار الذي قاد ماسك إلى بناء إمبراطوريته التجارية، متوقفاً عند مفارقة تتكرر في محطات حياته المهنية: الخروج من مواقع إدارية أو خسارة السيطرة على شركات، من دون أن يمنعه ذلك من تحقيق مكاسب مالية ضخمة.
فبعد مغادرته شركته الناشئة الأولى Zip2، حصل ماسك على نحو 22 مليون دولار، وفق ما يعرضه الفيلم. وفي محطة لاحقة، أُقصي من موقعه القيادي في PayPal، التي كان قد شارك في تأسيسها، لكنه خرج أيضاً بثروة كبيرة مع تطور الشركة واستحواذ «إي باي» عليها.
ويتوقف غيبني عند هذه المفارقة، متسائلاً: «كيف يمكن للمرء أن يستمر في ارتكاب الأخطاء ويجني الملايين؟».
ويواصل الفيلم تتبّع هذا المسار وصولاً إلى استحواذ ماسك على «تويتر»، التي تحولت لاحقاً إلى «إكس». وتشير تقديرات وتقارير إلى تراجع كبير في قيمة الشركة منذ الاستحواذ، قبل أن يدمج ماسك «إكس» وشركة الذكاء الاصطناعي xAI ضمن هيكل شركة «سبايس إكس». وقد مهّدت هذه التحولات، وفق ما يتناوله الفيلم، الطريق أمام طرح عام أولي استثنائي من حيث الحجم، عزّز موقع ماسك بين أثرى أثرياء العالم. لكن تفاصيل التقييمات المالية وحجم الاكتتاب تحتاج إلى التمييز بين ما تحقق فعلياً وما يُطرح في سياق التوقعات.
تسلا: المؤسس الذي لم يكن مؤسساً منذ البداية؟
في تناوله شركة «تسلا»، يسلّط الفيلم الضوء على ما يصفه بإعادة صياغة صورة ماسك بوصفه رائداً ومؤسساً، مستعرضاً خلافات تاريخية حول نشأة الشركة وأدوار مؤسسيها الأوائل.
فقد أسّس مارتن إيبرهارد ومارك تاربنينغ الشركة عام 2003، قبل انضمام ماسك إليها مستثمراً ورئيساً لمجلس إدارتها. ولم يحصل على لقب «المؤسس المشارك» إلا في إطار تسوية قانونية عام 2009، أتاحت له ولعدد من المسؤولين الآخرين استخدام هذا اللقب.
ويتناول الفيلم أيضاً مشروع تبديل بطاريات السيارات الكهربائية، الذي روّج له ماسك باعتباره وسيلة لتسريع عملية شحن السيارات. ووفق ما يورده العمل، ساعدت الوعود المرتبطة بهذه التكنولوجيا في حصول الشركة على نحو 100 مليون دولار من الحوافز البيئية في كاليفورنيا، رغم أن المشروع لم يتوسع عملياً، ولم يُنشأ سوى مركز واحد لتبديل البطاريات في الصحراء.
وتبرز هنا إحدى الأفكار المركزية في الفيلم: قدرة ماسك على تحويل الوعود التكنولوجية الطموحة إلى أدوات لجذب الاستثمارات والدعم العام، حتى عندما لا تتحول جميع تلك الوعود إلى منتجات واسعة الانتشار.
القيادة الذاتية: وعود التكنولوجيا وأسئلة المصداقية
يوجّه الفيلم انتقادات حادة إلى نظام القيادة الذاتية في سيارات «تسلا»، مستعيداً الفيديو الترويجي الذي نشرته الشركة عام 2016، والذي عرض سيارة تسير ذاتياً، في وقت أسهم فيه الترويج لقدرات التكنولوجيا في تعزيز التفاؤل المحيط بالشركة.
وبحسب ما يورده الفيلم استناداً إلى تقارير وتحقيقات سابقة، لم يكن الفيديو عرضاً لقدرات القيادة الذاتية بالصورة التي أوحى بها، إذ جرى إعداد مسار محدد للسيارة، مع تدخل بشري في قيادتها، كما تعرضت السيارة لحادث أثناء التصوير.
وتثير هذه القضية سؤالاً جوهرياً بشأن الحدود الفاصلة بين العرض الترويجي والطموح الهندسي من جهة، وتقديم قدرات تقنية باعتبارها متحققة فعلاً من جهة أخرى. فالفارق بين ما تعد به التكنولوجيا وما تستطيع تنفيذه بصورة موثوقة لا يتعلق بصورة شركة أو سمعة رجل أعمال فحسب، بل يمتد إلى سلامة المستخدمين وثقتهم بالمنتجات التي يعتمدون عليها.
ومن خلال هذه المحطات، يحاول غيبني تقديم صورة لماسك لا تقتصر على نجاحاته في السيارات الكهربائية والصواريخ والذكاء الاصطناعي، بل تشمل أيضاً الجدل حول أساليبه في إدارة الشركات، وتسويق الابتكارات، والتعامل مع الوقائع التي لا تنسجم دائماً مع الصورة التي يسعى إلى ترسيخها.
