تجربة في مدينة “بو” الفرنسية تضع الحياة اليومية أمام اختبار عملي: كيف نصل إلى العمل، وننقل الأطفال إلى المدارس، ونشتري حاجيات المنزل من دون سيارة؟
ليست السيارة بالنسبة إلى كثيرين مجرد وسيلة نقل، بل جزء من نظام حياتهم اليومية. بها يصلون إلى أعمالهم، ويوصلون أطفالهم إلى المدارس، ويتسوقون، وينجزون معاملاتهم. لذلك، فإن الدعوة إلى التخلي عنها، مهما كانت دوافعها البيئية مقنعة، تصطدم بسؤال عملي يصعب تجاهله: هل تتوافر بدائل تسمح بمواصلة الحياة من دون تعقيدات إضافية؟
هذا السؤال هو جوهر تجربة أطلقتها مدينة “بو” الفرنسية ومحيطها، وشارك فيها 19 متطوعاً سلّموا مفاتيح سياراتهم لمدة شهر، مقابل استخدام الحافلات والقطارات والدراجات الكهربائية والمشي في تنقلاتهم اليومية.
«كيف سنشتري حاجياتنا؟»
بالنسبة إلى آن ماري، وهي موظفة حكومية تبلغ 37 عاماً وأم لطفلين، لا تكمن الصعوبة في رفض فكرة تقليل استخدام السيارة، بل في إيجاد طريقة عملية لتنظيم يومها.
تقول إن السيارة توفر عليها الوقت والجهد في الصباح، ح ين تضطر إلى نقل طفليها إلى المدرسة قبل التوجه إلى العمل، رغم أن المسافة التي تقطعها لا تتجاوز خمسة كيلومترات، وهي مسافة يمكن اجتيازها بالدراجة.
لكن التخلي عن السيارة يطرح أسئلة تتجاوز الذهاب إلى العمل. فقد تساءلت ابنتاها عن كيفية شراء حاجيات المنزل خلال فترة التجربة. وكان اقتراح والدتهما أن يتحول التسوق إلى نشاط عائلي، بحيث يذهب الجميع بالدراجات ويتقاسمون حمل المشتريات.
تكشف هذه التفاصيل الصغيرة أن تغيير السلوك لا يتوقف على الاقتناع بضرورة حماية البيئة، بل يحتاج أيضاً إلى إعادة تنظيم العادات اليومية، وإلى استعداد الأسرة كلها للمشاركة في التجربة.
أما باتريك، البالغ 41 عاماً، فينظر إلى المبادرة بوصفها فرصة لاختبار قرار يفكر فيه منذ فترة، وهو بيع سيارته وشراء دراجة يعتمد عليها في تنقلاته. ويريد أن يثبت لأصدقائه وأفراد عائلته أنه قادر على تحقيق ذلك، بعدما شككوا في قدرته على الاستغناء عن السيارة.
حين لا تكفي الإرادة
لكن التجربة لا تختبر استعداد الأفراد لتغيير عاداتهم فحسب، بل تكشف أيضاً حدود الخيارات المتاحة أمامهم.
فأديلين، وهي مستشارة مبيعات في الثلاثينيات من عمرها، تسكن في منطقة بيزانو المجاورة لبو، وتعمل ف ي جزء مرتفع من المدينة. ورغم امتلاكها دراجة عادية، فإن طبيعة الطريق وصعوده يجعلان استخدام السيارة خياراً أكثر سهولة في كثير من الأحيان.
وتحلم أديلين بأن تتمكن من إنجاز تنقلاتها كلها بالدراجة، لكنها تدرك أن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من الرغبة الشخصية، سواء من حيث طبيعة الطرق أو سهولة التنقل بين المناطق المختلفة.
هنا تظهر المفارقة: قد تكون المسافة قصيرة، لكن التضاريس أو غياب مسار مناسب للدراجات أو صعوبة الربط بين وسائل النقل تجعل الرحلة أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام.
وبذلك، لا يمكن التعامل مع جميع السكان بالطريقة نفسها. فما يصلح لموظف يسكن قرب مكان عمله ومحطة الحافلات، قد لا يكون عملياً لأسرة تقيم في منطقة بعيدة أو لشخص يحتاج إلى التنقل بين عدة مواقع خلال اليوم.
ماذا وفّرت المدينة للمشاركين؟
لم تترك الجهات المنظمة المتطوعين أمام تحدي التخلي عن سياراتهم من دون بدائل. فقد حصل كل مشارك على اشتراك بالحافلات لمدة شهر، وبطاقة للتنقل بالقطارات الإقليمية، إلى جانب رصيد من الرحلات على شبكة النقل الإقليمية، ودراجة كهربائية، واشتراك في خدمة الدراجات الكهربائية المشتركة.
وتُنظّم المبادرة بالتعاون بين بلدية بو، والتجمع البلدي المحيط بها، وهيئة تنظيم النقل المحلية، في منطقة يبلغ عدد سكانها نحو 200 ألف نسمة، يعيش 81 ألفاً منهم داخل المدينة نفسها.
واستقبلت الجهات المنظمة 38 طلب مشاركة خلال الصيف، قبل اختيار 19 متطوعاً تتراوح أعمارهم بين 25 و70 عاماً، بمتوسط يبلغ 41 عاماً. وتُقام التجربة للمرة الثالثة منذ إطلاقها عام 2023.
هذه الترتيبات مهمة، لأنها تنقل النقاش من مطالبة المواطنين بتغيير سلوكهم إلى توفير الأدوات التي تساعدهم على ذلك. فالتخلي عن السيارة يصبح أكثر واقعية عندما تتوافر الحافلات والقطارات والدراجات الكهربائية، وعندما يكون الانتقال من وسيلة إلى أخرى سهلاً وميسور الكلفة.
البيئة وحدها لا تكفي
تختبر مبادرة بو فكرة أساسية في السياسات البيئية: لا يمكن تحقيق تحول واسع في سلوك الناس بالاعتماد على الوعي وحده، إذا لم تتغير الظروف التي تحكم حياتهم اليومية.
فمن الصعب إقناع شخص باستخدام النقل العام إذا كان ذلك يعني إطالة رحلته بصورة كبيرة، أو الانتظار طويلاً بين الحافلات، أو العجز عن الوصول إلى مكان عمله في الوقت المناسب. كما أن الدراجة ليست خياراً متاحاً للجميع، سواء بسبب التضاريس أو المسافات أو طبيعة العمل أو المسؤوليات العائلية.
ل هذا، فإن تقليل الاعتماد على السيارات يتطلب شبكة نقل متكاملة، وممرات آمنة للدراجات والمشاة، وربطاً أفضل بين الأحياء ومراكز العمل والخدمات، إلى جانب مراعاة احتياجات سكان المناطق المحيطة بالمدن.
وتبرز أهمية هذه المسألة في ضوء الجدل الدائر في منطقة بو بشأن مشروع الحافلات العاملة بالهيدروجين، الذي يواجه تساؤلات متزايدة بسبب الصعوبات التقنية والمالية. وهو ما يوضح أن التحول نحو نقل أقل تلويثاً لا يتعلق باختيار وسيلة جديدة فحسب، بل بجدوى الاستثمار فيها وقدرة السلطات على تشغيلها بصورة مستدامة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الشهر
من المقرر أن تنتهي التجربة في منتصف تشرين الأول، ليعود المشاركون إلى سياراتهم. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانوا قادرين على قضاء شهر من دونها، بل ما إذا كانوا سيواصلون استخدام البدائل بعد انتهاء المبادرة.
قد يكتشف بعضهم أن الدراجة مناسبة لرحلات قصيرة، وأن الحافلة أو القطار يوفران بديلاً عملياً في مسارات محددة، بينما قد يخلص آخرون إلى أن السيارة لا تزال ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في ظروفهم الحالية.
وفي الحالتين، توفر التجربة معلومات مفيدة للسلطات المحلية عن نقاط القوة والقصور في شبكة النقل، وعن ا لعقبات التي تحول دون اعتماد وسائل أقل تلويثاً.
فالمطلوب ليس تحويل التخلي عن السيارة إلى امتحان أخلاقي يُصنّف الناس بين ملتزمين بالبيئة وغير مكترثين بها، بل جعل الخيارات الأقل تلويثاً قابلة للاستخدام فعلياً.
فالسيارة ليست دائماً المشكلة وحدها؛ أحياناً تكون المشكلة أن الحياة صُممت بحيث يصبح الاستغناء عنها أمراً بالغ الصعوبة.
