"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

راتب بلا رغيف: كيف صار العمل في لبنان لا يكفي للعيش؟

لارا صقر
الاثنين، 5 أكتوبر 2026

راتب بلا رغيف: كيف صار العمل في لبنان لا يكفي للعيش؟

في لبنان اليوم، لم يعد سؤال “هل لديك عمل؟” يقيس شيئاً. السؤال الحقيقي صار: “هل يكفيك عملك لتعيش؟” وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة: بلد يشتغل أبناؤه من الصباح حتى المساء، ومع ذلك يستيقظون كل شهر على المعادلة نفسها، راتب ينفد قبل منتصف الشهر، وأيام طويلة تُدار بالدَّين والاستدانة والتقنين.

مصطلح قديم بمعنى جديد

في علم الاقتصاد، البطالة المقنعة تعني أن يكون في مكان العمل عدد من العمال أكبر مما يحتاجه الإنتاج فعلاً، فيبدون موظفين وهم عملياً عاطلون. أما ما يعيشه اللبنانيون فهو قلب لهذا المعنى. هنا الإنتاج حاضر والجهد حاضر والعرق حاضر، لكن المقابل غائب. العامل لا يقف عاطلاً في طابور البطالة المعلنة، ولا يقف مطمئناً في صف العيش الكريم. إنه عالق بينهما، يحمل صفة “موظف” ويعيش حياة “محتاج”.

كيف وصلنا إلى هنا؟

بدأت الحكاية مع الانهيار المالي في أواخر 2019. فقدت الليرة اللبنانية الجزء الأكبر من قيمتها، وتحول سعر الصرف من نحو 1500 ليرة للدولار إلى عشرات الآلاف، ثم إلى مستويات تقارب التسعين ألفاً. أما الرواتب فبقيت تُدفع بالعملة التي انهارت، فتبخّر معظم قيمتها الفعلية بين ليلة وضحاها. موظف كان يتقاضى ما يوازي ألفي دولار أصبح، من دون أن يتغير شيء في عمله أو كفاءته، يتقاضى جزءاً ضئيلاً من ذلك. ثم جاءت الحلقات المتتابعة: ودائع محجوزة في المصارف، وانفجار مرفأ بيروت، وأزمات الكهرباء والدواء والوقود، وتضخم جارف أكل ما تبقى من القدرة الشرائية. ورغم الزيادات المتتالية على الحد الأدنى للأجور والرواتب، ظلت الزيادة تلهث خلف الأسعار ولا تلحق بها.

أرقام الراتب وأرقام الحياة

الفجوة تتضح أكثر حين نضع بنود الحياة الأساسية بجانب الراتب. إيجار البيت، واشتراك مولد الكهرباء الخاص الذي صار فاتورة ثانية أثقل من فاتورة الدولة، والمياه، والإنترنت، والمواصلات، وتعليم الأولاد، وفاتورة الطبابة والدواء. تُسعَّر معظم هذه البنود بالدولار أو بما يقاربه، بينما يُدفع الراتب في كثير من الأحيان بالليرة أو بدولارات قليلة. النتيجة أن الأسرة تحسب أول الشهر لا لتدخر، بل لتقرر أي فاتورة تتأجل وأي حاجة تُلغى.

الاقتصاد الصامت في البيوت

لأن الراتب الواحد لا يكفي، تتشكل في كل بيت اقتصادات صغيرة موازية: وظيفتان أو ثلاث: موظف في النهار وسائق تطبيق في المساء، ومعلمة تعطي دروساً خصوصية بعد الدوام، ومحاسب يدير حسابات محل صغير في عطلة نهاية الأسبوع. التحويلات من الخارج: آلاف العائلات تعيش على ما يرسله ابن أو أخ أو أخت في الاغتراب. صارت التحويلات شريان الحياة الحقيقي، وصار المغترب هو الراتب الثاني، وأحياناً الأول. التقشف القسري: إلغاء اللحوم من الوجبات، وتأجيل زيارة الطبيب، وتجاهل الأعراض، وسحب الأولاد من مدارس خاصة إلى رسمية. الاستدانة: من البقال والصيدلي والأقارب، ديون صغيرة تتراكم بصمت وتتحول إلى عبء نفسي قبل أن تكون عبئاً مالياً.

من يدفع الثمن الأكبر؟

يدفع الجميع، لكن بدرجات متفاوتة. موظفو القطاع العام الذين تآكلت رواتبهم، وكثير منهم عاد إلى مكاتبه بدوام متقطع لأن الراتب لا يغطي حتى كلفة الوصول إلى العمل. والمعلمون والأطباء والممرضون وعناصر الجيش والأجهزة الأمنية الذين يحملون على أكتافهم ما تبقى من مؤسسات الدولة. والشباب الذين يتخرجون في جامعات يدفعون تكاليفها غالياً ليجدوا عروضاً بأجور لا تقارب كلفة المعيشة، فيقرر كثير منهم أن الحل الوحيد هو الحقيبة والمطار. وهكذا يخسر البلد خيرة طاقاته، فيدخل في حلقة مفرغة: هجرة الكفاءات تضعف الإنتاج، وضعف الإنتاج يضغط على الأجور، والأجور المتدنية تدفع إلى المزيد من الهجرة.

ما وراء الأرقام: الكلفة النفسية والاجتماعية

أخطر ما في البطالة المقنعة أنها لا تُرى. الشخص العاطل عن العمل يعرف أنه بحاجة، ويعرف المجتمع أنه بحاجة. أما الموظف الذي يرتدي ملابس أنيقة ويصل إلى مكتبه في موعده، فيُفترض أنه “بخير”. هذا الافتراض يضاعف الوحدة. يصمت الناس عن ضيقهم خجلاً، ويُخفون الحقيقة عن أقاربهم، ويؤجلون الزواج والإنجاب وشراء بيت وكل خطة تتجاوز الشهر القادم. حين يضطر الإنسان إلى أن يعيش في أفق قصير جداً، يفقد القدرة على الحلم، وهذا في ذاته نوع من الفقر لا تقيسه الإحصاءات. وتتآكل معه فكرة العمل نفسها. لقد قامت العلاقة بين الإنسان والعمل على عقد غير مكتوب: أعطي جهدي فأنال حياة كريمة. حين ينكسر هذا العقد، يتراجع الحافز والانتماء والإتقان، ويظهر الإحباط الصامت: “لماذا أبذل أكثر والنتيجة واحدة؟”

ما الذي يمكن فعله؟

لا توجد حلول سحرية، لكن هناك اتجاهات لا بد منها: ربط الأجور بالواقع المعيشي: سياسة أجور شفافة تأخذ في الحسبان كلفة المعيشة الفعلية، مع آليات تصحيح دورية بدل زيادات متأخرة وعشوائية. استقرار نقدي ومالي: لا يستقيم أي إصلاح للأجور في ظل عملة متقلبة وثقة مفقودة بالنظام المصرفي. حماية اجتماعية حقيقية: صحة وتعليم ونقل عام وكهرباء، فكل خدمة تقدمها الدولة بكفاءة ترفع القيمة الفعلية للراتب دون أن ترفع رقمه. دعم القطاعات المنتجة: الزراعة والصناعة والاقتصاد المعرفي، لخلق وظائف تدفع أجوراً تليق بأصحابها بدل الاعتماد على التحويلات والخدمات الهشة. الاعتراف بالمشكلة: أول الحل أن نسمّي الأشياء بأسمائها. لبنان لا يعاني بطالة بالمعنى التقليدي فحسب، بل أزمة أجور وكرامة معيشية تمس غالبية العاملين.

حين يعمل الجميع ولا يعيش أحد، فالخلل ليس في العمال بل في المعادلة. الإنسان الذي يستنزف عمره في وظيفة لا تؤمّن له حياة لا يحتاج إلى نصائح عن “الصبر وحسن التدبير”. يحتاج إلى اقتصاد يعترف بقيمة جهده، ودولة تحمي هذه القيمة. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى لبنان بلداً يمتلئ بالعاملين، وتخلو فيه الحياة من كثير من أسباب الحياة.

المقال السابق
الجامعة اللبنانية في تصنيف التايمز: تراجع يستدعي وقفة

لارا صقر

محرّرة

مقالات ذات صلة

الجامعة اللبنانية في تصنيف التايمز: تراجع يستدعي وقفة

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية