"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

"قدرٌ في هذا المشرق": وليد جنبلاط… ابنُ الإقطاع الذي حاول أن يتمرّد عليه ولم يغادره

نبيه العاكوم
السبت، 5 سبتمبر 2026

"قدرٌ في هذا المشرق": وليد جنبلاط… ابنُ الإقطاع الذي حاول أن يتمرّد عليه ولم يغادره

من الصعب أن نقرأ كتاب وليد جنبلاط “قدرٌ في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل” بوصفه مجرد مذكرات سياسية. فالكتاب، على قصره النسبي، محاولة رجل عاش قرابة نصف قرن في قلب السياسة اللبنانية لأن يروي نفسه، وعائلته، وطائفته، ولبنان، وسوريا وفلسطين، في رواية واحدة. وهو بالفعل كتاب كثيف بصورة لافتة: النسخة العربية الصادرة عن نوفل/هاشيت أنطوان تقع، بحسب طبعتها، في نحو ٢٩٠ صفحة، وتستعيد تاريخ العائلة والمسيرة السياسية وتحولات لبنان والمشرق.

وليد جنبلاط، في النهاية، أكبر من أن يُختصر في كتاب. فمنذ اغتيال والده كمال جنبلاط عام ١٩٧٧ وإلقائه، بصورة تكاد تكون قسرية، في زعامة الجبل والطائفة والحزب، وصولاً إلى انتقال الزعامة إلى تيمور جنبلاط، عاش الرجل معظم الحروب والتسويات والانقلابات السياسية التي عرفها لبنان والمنطقة. ولهذا ربما كانت المفاجأة الأولى في الكتاب أنه، رغم محدودية صفحاته، لا يكاد يترك محطة أساسية من حياته من دون أن يمر بها. والنتيجة كتاب سريع، غني، وغير ممل، أقرب إلى شهادة متلاحقة لرجل يريد أن يضع روايته على الطاولة قبل أن يغادر المسرح السياسي. حتى بعض القراءات النقدية الحديثة للكتاب توقفت عند السؤال نفسه الذي يطرحه عنوانه: إلى أي حد صنع جنبلاط قدره، وإلى أي حد صنعه «قدر» الجبل والطائفة والحرب والجغرافيا؟

لكن بعد إغلاق الصفحة الأخيرة، بقي عندي سؤال أكبر من كل التفاصيل: هل نجح وليد جنبلاط فعلاً في الخروج من الإقطاع الذي أمضى حياته الفكرية والسياسية معلناً التمرد عليه؟

أعتقد أن الجواب هو: لا، أو على الأقل ليس تماماً.

الاشتراكي الذي بقي زعيماً

ثمة مفارقة ترافق جنبلاط في الكتاب من أوله إلى آخره. هو ابن كمال جنبلاط الذي حمل خطاب العدالة الاجتماعية والاشتراكية والإصلاح، وعاش ـ كما يقدم وليد صورة والده ـ حياة أقرب بكثير إلى التقشف والبساطة من حياة أبناء البيوت السياسية التقليدية. ويحافظ الابن على الكثير من تلك اللغة: العدالة، المساواة، العلمانية، تجاوز الطائفية، الدفاع عن الفقراء، والإصلاح.

لكن المجتمع الذي يعيش فيه وليد جنبلاط لم يعد يعرف الإقطاع بصورته التاريخية. ولذلك لم يعد السؤال: هل هو “إقطاعي” بالمعنى القديم؟ بل: ما الذي حل محل الإقطاع في لبنان الحديث؟

الجواب الأقرب في رأيي هو الزعامة الطائفية الموروثة.

وهنا تكمن المفارقة. فجنبلاط يريد دولة تتجاوز الطوائف، لكنه يتحدث من موقع «زعيم الدروز». يدعو إلى المواطنة، لكنه لا يستطيع التخلي عن وظيفة حماية الجماعة. يرفض التوريث السياسي نظرياً ضمن منظومة الحداثة التي ينتمي إليها، لكنه يسلّم الزعامة إلى ابنه تيمور.

والأجمل أن الكتاب لا يخفي هذا التناقض تماماً.

فجنبلاط يتحدث عن الاختلاف بين الأجيال داخل البيت نفسه: نظيرة جنبلاط وكمال، ثم كمال ووليد، واليوم وليد وتيمور. ويقر بأن لابنه رؤية شبابية قد لا تتطابق مع رؤيته، لكنه يمنحه ثقته ويقول، بمعنى واضح، إن المرحلة تحتاج إلى جيل جديد. وفي حفل توقيع الكتاب نفسه تحدث عن انتقال المسؤولية إلى تيمور.

وهنا يبدو التغيير حقيقياً، لكن داخل السلالة نفسها.

يتغير الفكر، ولا تتغير العائلة.

كمال جنبلاط ووليد جنبلاط: المبادئ والواقعية

IMG 3249

وربما هنا يظهر الاختلاف الأكبر بين الأب والابن.

كمال جنبلاط كان أكثر أيديولوجية. أما وليد جنبلاط فكان، كما يظهر من روايته، أكثر براغماتية، وأحياناً بصورة قاسية جداً. تعلم مبكراً أن بقاء جماعة صغيرة في منطقة تضربها صراعات الدول والجيوش والطوائف قد يحتاج إلى التسوية مع خصم اليوم، ثم مواجهته غداً، ثم مصالحته مجدداً بعد غد.

بعد اغتيال والده، تصالح مع النظام السوري الذي حمّله مسؤولية قتله. ثم واجه سوريا. ثم عاد إلى التسوية عندما تغير ميزان القوى. وبعد ٧ أيار ٢٠٠٨، ومع الخوف من تحول المواجهة إلى صراع سني-شيعي ودرزي-شيعي يمتد إلى الجبل، ابتعد تدريجياً عن الاصطفاف السابق وأعطى الأولوية لما اعتبره حماية للسلم الأهلي.

هذه ليست بالضرورة «انتهازية» بالمعنى السهل للكلمة. إنها فلسفة سياسية كاملة عند وليد جنبلاط: حين تصبح المواجهة أكبر من قدرة الجماعة على الاحتمال، يجب الانحناء للعاصفة كي تبقى الجماعة موجودة.

وهذه الواقعية تحديداً هي التي تميزه عن والده.

لكنها تجعل القارئ يعيد النظر أيضاً في صورة كمال جنبلاط المثالية. فإذا كانت المبادئ هي الأساس، كيف نفسر مثلاً التحالف الوثيق مع جمال عبد الناصر، على الرغم من التناقض بين اشتراكية جنبلاط الديمقراطية ونظام عبد الناصر السلطوي؟ وهل كانت العلاقة السياسية مبنية على رؤية أيديولوجية متماسكة دائماً، أم أن الصداقة والشخصنة والظروف الإقليمية لعبت أحياناً دوراً لا يقل عن دور المبادئ؟

إنها واحدة من الأسئلة التي يتركها الكتاب مفتوحة.

المصالحة مع المسيحيين وفلسطين: الركيزتان الأصعب

من أجمل المفاتيح التي يقدمها جنبلاط لفهم نفسه تحديده ركيزتين رافقتا سياسته: المصالحة مع المسيحيين، والدفاع عن القضية الفلسطينية.

وهاتان الركيزتان تختصران مأزقاً لبنانياً كاملاً.

ففي أوقات الاستقرار يمكن الجمع بينهما بسهولة نسبية. لكن في أوقات الحرب العربية-الإسرائيلية والانقسام الداخلي، تصبح العلاقة بينهما شديدة التعقيد. التجربة المسيحية اللبنانية تجاه السلاح الفلسطيني ليست التجربة الدرزية أو الإسلامية نفسها، كما أن الذاكرة التاريخية لكل جماعة مختلفة.

جنبلاط يحاول الجمع بين الاثنين.

يتمسك بالمصالحة المسيحية-الدرزية، وفي الوقت نفسه لا يتخلى عن فلسطين، ويتمسك بحل الدولتين بوصفه الحل الواقعي. وهو لا ينكر أيضاً دور المقاومة في تحرير جنوب لبنان عام ٢٠٠٠، حتى عندما يصبح لاحقاً واحداً من أشد خصوم حزب الله السياسيين.

والأكثر إثارة للاهتمام موقفه من اتفاق القاهرة. فهو لا يقدم تراجعاً بسيطاً عنه، لكنه ينصف ريمون إده الذي رفض توقيعه ويرى في موقفه استشرافاً لما سيأتي. وهنا يظهر جنبلاط مرة أخرى رجلاً قادراً على الاعتراف بأن خصماً سياسياً ربما رأى شيئاً لم يره حلفاؤه، من دون أن يعني ذلك أنه مستعد لإعادة كتابة موقفه التاريخي بالكامل.

IMG 3247

الاعتراف بالحرب: إحدى أهم فضائل الكتاب

وربما أكثر ما احترمته في هذه المذكرات هو استعداد جنبلاط للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبها معسكره خلال الحرب الأهلية.

لا يقدم نفسه ملاكاً.

ولا يقدم الدروز ضحايا أبديين.

وعندما يصل إلى التجاوزات والجرائم التي طالت المسيحيين، لا يكتفي دائماً بإلقاء المسؤولية على الظروف أو على الطرف الآخر، بل يحمل جماعته ومقاتليه مسؤولية تجاوزات حصلت، حتى عندما لم تكن بأوامر شخصية منه.

وهذا مهم جداً في لبنان.

لأن معظم زعماء الحرب تحولوا بعد الحرب إلى زعماء سلام من دون أن تحصل مراجعة جدية لذاكرة الحرب. ولذلك فإن استعداد جنبلاط للندم والاعتراف بالخطأ هو أحد أكثر جوانب الكتاب قيمة؛ وهي سمة توقفت عندها أيضاً قراءات حديثة للمذكرات.

ولعل هذا يفسر هوسه بالمصالحة المسيحية-الدرزية. فهي ليست عنده مجرد تسوية سياسية، بل محاولة لإغلاق دائرة تاريخية يعرف جيداً مدى سهولة فتحها من جديد.

واللافت أيضاً أنه لا يشيطن بشير الجميل أو آل الجميل. كانوا خصوماً، بل أعداء في الحرب، ولكل طرف مشروع مختلف للبنان، لكن الكتاب لا يحول الخصومة إلى تجريد الآخر من إنسانيته.

لكن جنبلاط الذي يريد تجاوز الطائفية لا يغادر التاريخ الدرزي

هنا وجدت واحداً من أعمق تناقضات الكتاب.

جنبلاط العلماني لا يستطيع أن يخرج تماماً من السردية الدرزية للتاريخ اللبناني.

فعندما يعود إلى فخر الدين المعني، لا يكون فخر الدين مجرد «فخر الدين» في سردية نشوء الكيان اللبناني، بل يجري التشديد على فخر الدين الدرزي. والدلالة مهمة: في مقابل سردية مارونية ترى في الموارنة محوراً تاريخياً لتكوين لبنان، يقدم جنبلاط ـ ربما من دون أن يعلن ذلك صراحة ـ سردية مقابلة تقول إن الدروز كانوا أيضاً في أساس بناء الكيان.

وتظهر المسألة نفسها في قراءته لبعض محطات التاريخ: تأكيده المتكرر أن الدخول السوري إلى لبنان جاء بطلب من قوى مارونية، أو تشديده في الحديث عن مجاعة الحرب العالمية الأولى على دور حصار الحلفاء البحري، في مقابل الذاكرة اللبنانية التي تركز بشدة على المسؤولية العثمانية.

ليست المسألة هنا تحديد أي رواية «صحيحة» بجملة واحدة؛ فالمجاعة مثلاً نتجت عن مجموعة عوامل. المهم هو ما الذي يختار جنبلاط إبرازه من التاريخ.

فالزعيم الذي يريد مغادرة الطائفة يحمل تاريخ طائفته معه أينما ذهب.

حتى انتصاراته العسكرية يستحضرها من خلال التاريخ. عند العودة إلى دير القمر يستدعي بشير جنبلاط وصراعه التاريخي مع الأمير بشير الشهابي. وكأن الحرب الحديثة تصبح امتداداً لذاكرة أقدم منها بكثير.

إنه لا يعيش التاريخ فقط؛ التاريخ يعيش فيه.

سوريا: الخوف الدائم من ابتلاع الأقليات

هذه الخلفية تفسر جانباً كبيراً من علاقته بسوريا.

من حافظ الأسد إلى بشار الأسد، تتأرجح العلاقة بين العداء والتسوية والخوف والحاجة. وفي قراءته لصراع حافظ الأسد مع ياسر عرفات، يرى محاولة سورية للسيطرة على القرار الفلسطيني وتحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة في الاستراتيجية السورية.

أما مع بشار الأسد، فتتحول المذكرات أحياناً إلى شهادة شخصية قاسية. يروي جنبلاط لقاءه به وسؤاله عن قضية حمزة الخطيب، وينقل عنه جواباً صادماً حول قتله. وينقل كذلك عن ميخائيل بوغدانوف رسالة منسوبة إلى بشار الأسد مفادها أن دولة علوية محتملة لن تكون معادية لإسرائيل.

لكن المهم هنا أن نفرق بين الشهادة والمعلومة المثبتة مستقلاً. فالكتاب في هذه المواضع يقدم ما سمعه جنبلاط وما استنتجه، لا وثائق نهائية تثبت كل رواية.

وينطبق الأمر نفسه على اعتقاده بأن الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن لم تكن تريد إسقاط نظام الأسد. هذه قراءة جنبلاط للأحداث، وهي مهمة لأنها تكشف كيف فهم هو الحرب السورية، لا لأنها بالضرورة الحكم التاريخي النهائي عليها.

وفي النهاية، وعلى الرغم من كل شيء، يبقى متمسكاً بوحدة سوريا. ينتقد الدروز الذين يراهنون على إسرائيل، ويرفض مشاريع الانفصال، ويطالب الدروز السوريين بالبقاء ضمن الدولة السورية، وإن كان تشاؤمه حيال مستقبل سوريا واضحاً.

رفيق الحريري: ربما الشخصية الأكثر حضوراً بعد كمال جنبلاط

IMG 3248

إذا كان كمال جنبلاط هو الأب الذي يطارد الكتاب، فإن رفيق الحريري يبدو لي الرجل الذي يحتل أعمق مساحة عاطفية فيه خارج العائلة.

جنبلاط يتحدث عن الحريري بإعجاب استثنائي: مشروعه للبنان، علاقته به، الصراع المشترك مع النفوذ السوري، ثم اغتياله وما تبعه.

وفي ملف الاغتيالات التي تلت اغتيال الحريري، لا يحصر جنبلاط اتهاماته بالنظام السوري، بل يوجه اتهامات مباشرة إلى حزب الله أيضاً. وهذه من أكثر صفحات الكتاب حساسية، وينبغي بالطبع قراءتها باعتبارها اتهامات ورواية سياسية لصاحب المذكرات لا أحكاماً قضائية نهائية.

وهذا التمييز ضروري في قراءة الكتاب كله: جنبلاط شاهد استثنائي، لكنه ليس مؤرخاً محايداً.

حزب الله: بين الاعتراف بالمقاومة ونقد السلاح

هذه أيضاً إحدى المناطق التي تكشف تعقيد الرجل.

هو لا يعيد كتابة الماضي ليوافق خصومته الحالية مع حزب الله. يعترف بدور المقاومة في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، لكنه ينتقل لاحقاً إلى مواجهة مشروع حزب الله وسلاحه ودوره الداخلي والإقليمي.

وبعد حرب ما بعد 7 أكتوبر والكارثة التي أصابت البيئة الشيعية، يطرح تصوراً لا يقوم على الانتقام من عناصر الحزب أو عزلهم اجتماعياً، بل على البحث عن صيغة لإدماج المقاتلين في الدولة، وخصوصاً المؤسسة العسكرية، بصورة تذكّر بمعالجة آثار الميليشيات بعد الحرب الأهلية.

مرة أخرى يعود وليد جنبلاط إلى هاجسه الأساسي: كيف تنهي الحرب من دون أن تصنع من المهزومين وقوداً للحرب التالية؟

المال وصندوق المهجرين: سؤال يتركه الكتاب بلا جواب

لكن هناك فراغاً لافتاً أيضاً.

جنبلاط يتحدث عن مسؤوليته بعد الحرب تجاه الجرحى وعائلات القتلى وعن شبكة الإعالة الاجتماعية التي كان عليه الحفاظ عليها. وهنا يطرح الكتاب سؤالاً ولا يجيب عنه بما يكفي: من أين جاءت الأموال؟

يشير إلى ممتلكاته ومصادر دخله وإلى الدعم الذي كان يصل في مراحل الحرب، لكن حجم الالتزامات الاجتماعية والسياسية بعد الحرب يجعل السؤال مشروعاً.

والتزامن بين هذه المسؤوليات وبين توليه وزارة المهجرين والدور السياسي المرتبط بصندوق المهجرين يدفع القارئ إلى التساؤل عن العلاقة بين الزعامة الطائفية وموارد الدولة في لبنان ما بعد الطائف.

الدين: جنبلاط الدرزي غير التقليدي

حتى في علاقته بالدين يظهر التناقض نفسه بين الانتماء والتمرد.

يتحدث عن درزيته، لكنه ينتقد بعض الأفكار الدينية، ومنها التقمص، مع إدراكه أن كلامه قد يزعج رجال الدين الدروز. وفي المقابل، عندما يدخل في التاريخ العقائدي التفصيلي، لا تبدو المذكرات دائماً مرجعاً دقيقاً.

وهنا ينبغي الفصل بين وليد جنبلاط السياسي الذي يتحدث عن تجربته مع الطائفة، وبين المؤرخ المتخصص في نشأة العقيدة الدرزية. رسائل الحكمة ليست ببساطة مؤلَّفاً وضعه الحاكم بأمر الله، كما أن نشوء الدعوة الدرزية عملية تاريخية وعقائدية أكثر تعقيداً من نسب تأسيس المذهب إلى شخص واحد.

وهذا ليس عيباً مركزياً في الكتاب؛ لأنه في الأصل مذكرات سياسية، لا دراسة في تاريخ الأديان.

«القدر» الذي يفسر وليد جنبلاط

بعد إنهاء الكتاب، أعتقد أن الكلمة الأهم في العنوان ليست “المشرق”، بل “القدر”.

لأن وليد جنبلاط يريد أن يتمرد على القدر، ثم يعود إليه دائماً.

لم يختر اغتيال أبيه.

لم يختر أن يصبح زعيماً للدروز في السابعة والعشرين.

لكنه، بعد ذلك، اتخذ آلاف الخيارات بنفسه.

وهنا تكمن المشكلة الجميلة في الكتاب: أين ينتهي القدر وتبدأ المسؤولية؟

هو اشتراكي يرث زعامة عائلية.

علماني يتصرف بوصفه حامي طائفة.

خصم لسوريا يتحالف معها.

حليف للفلسطينيين ينتقد بعض نتائج خياراتهم في لبنان.

خصم لحزب الله يعترف بدور مقاومته في التحرير.

عدو لبشير الجميل في الحرب يرفض شيطنته بعد الحرب.

وريث كمال جنبلاط يراجع بعض خيارات كمال جنبلاط.

ورجل يدعو إلى تجاوز النظام الوراثي، ثم يسلّم الزعامة إلى تيمور.

هذه التناقضات لا تجعل وليد جنبلاط شخصية أقل إثارة للاهتمام؛ بالعكس، هي التي تفسره.

وربما لهذا لم أشعر بالملل في قراءة الكتاب. لأننا لا نقرأ برنامجاً سياسياً مرتباً كتبه رجل بعد انتهاء المعركة، بل نقرأ حياة رجل اضطر مراراً إلى أن يناقض الأمس كي ينجو من اليوم.

وليد جنبلاط لا يُختصر في “قدرٌ في هذا المشرق”

هذا الكتاب ليس تاريخ لبنان، ولا ينبغي التعامل معه كذلك.

إنه تاريخ لبنان كما مرّ في ذاكرة وليد جنبلاط.

وهذا فارق أساسي.

فهو ينتقي، ويتذكر، وينسى، ويبرر، ويندم، ويتهم، وينصف بعض خصومه، ويعيد تفسير بعض مواقف حلفائه. ولذلك قيمته الحقيقية ليست في أن نسأل بعد كل صفحة: “هل هذه هي الحقيقة؟”، بل أن نسأل أيضاً: لماذا يتذكر جنبلاط الحقيقة بهذه الطريقة؟

وربما هذه أعظم قيمة للكتاب.

فنحن أمام رجل ورث اسماً وزعامة وخصومات وثأراً وتاريخاً، ثم أمضى نحو نصف قرن محاولاً إدارة هذا الإرث من دون أن يقتله الإرث نفسه. حاول أن يكون اشتراكياً من داخل بيت إقطاعي، وعلمانياً من موقع زعيم طائفة، وفلسطينياً من داخل بلد أنهكته القضية الفلسطينية، ولبنانياً في منطقة لا تسمح للبنان طويلاً بأن يعيش وحده.

نجح أحياناً وفشل أحياناً، وتناقض كثيراً.

لكنه في هذه المذكرات يفعل شيئاً لا يفعله كثير من رجال السياسة اللبنانيين: يترك للقارئ ما يكفي من الاعترافات والتناقضات كي يحاكمه بنفسه.

ولهذا خرجت من الكتاب بانطباع ربما يختلف عن الصورة التي يريد وليد جنبلاط نفسه أن يتركها.

لم يخرج وليد جنبلاط من الإقطاع بالكامل؛ بل نقل الزعامة التقليدية إلى عصر جديد. استبدل الإقطاع القديم بزعامة سياسية-طائفية أكثر حداثة، وغطاها بلغة اشتراكية وعلمانية، وحاول في الوقت نفسه أن يخفف من أكثر وجوهها قسوة عبر المصالحة والنقد الذاتي والبراغماتية.

وفي النهاية، ربما كان “قدر وليد جنبلاط في هذا المشرق” هو تحديداً هذا التناقض:

أن يقضي حياته محاولاً التحرر من التاريخ، بينما لا يستطيع أن يتخذ قراراً واحداً من دون أن يجلس التاريخ إلى جانبه.

المقال السابق
إسرائيل تدرس تقليص قواتها في جنوب لبنان وإنشاء حزام أمني أضيق.. ما القصة؟

نبيه العاكوم

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

شيكات "حزب الله" غير قابلة للصرف: هذا نموذج من فرون الجنوبية

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية