تكريم القاضية الجنوب أفريقية السابقة يفجّر مواجهة سياسية وقانونية: واشنطن تعاقب المحكمة، وتل أبيب تتهم بيلاي بالترويج لـ«أكبر كذبة في القرن الحادي والعشرين»
لم تكن جائزة نوبل للسلام لعام 2026 مجرّد تكريم لشخصية قضائية أمضت عقوداً في الدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي. فاختيار الجنوب أفريقية نافي بيلاي جاء في لحظة شديدة الحساسية، لتتحول الجائزة خلال ساعات إلى محور مواجهة حادة بين لجنة نوبل من جهة، وإدارتي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو من جهة أخرى.
ففيما منحت لجنة نوبل النرويجية بيلاي الجائزة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، أطلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية هجوماً غير مسبوق في حدّته على الفائزة والتكريم، مستعينة باسم وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، بينما صعّدت واشنطن مواجهتها مع المحكمة الجنائية الدولية بفرض عقوبات جديدة عليها.
وبين غضب أميركي يرفض إخضاع مواطنين ومسؤولين أميركيين للملاحقة الدولية، وغضب إسرائيلي يرى في تكريم بيلاي شرعنةً لما يعتبره حملة ضد الدولة العبرية، يتجاوز الصدام شخص الفائزة ليطال مستقبل العدالة الدولية وحدود قدرة المؤسسات القانونية على مساءلة أصحاب النفوذ.
تل أبيب تستحضر غوبلز: «أكبر كذبة في القرن الحادي والعشرين»
كان بيان وزارة الخارجية الإسرائيلية الأكثر إثارة للجدل في ردود الفعل على الجائزة. فقد وصفت الوزارة التكريم بأنه «توظيف مشوّه لجائزة بهدف إضفاء الشرعية على الكراهية والتحيز ضد إسرائيل»، واتهمت بيلاي بالمشاركة في ما سمّته «شيطنة إسرائيل بدوافع سياسية»، والترويج لما وصفته بـ«أكذوبة الإبادة الجماعية».
لكن البيان لم يتوقف عند هذه الاتهامات. ففي تصعيد لافت، قالت الوزارة إن منح الجائزة لمن تعتبره مروّجاً «لأكبر كذبة في القرن الحادي والعشرين» سيجعل جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية، «يصفّق من الجحيم».
واستخدمت الوزارة في بيانها المنشور بالإنكليزية تعبيراً ساخراً هو «genoLIE»، في تلاعب لغوي يجمع بين كلمتي الإبادة الجماعية والكذب، للتشكيك في استنتاجات بيلاي بشأن الحرب في غزة.
وتكشف هذه اللغة عن حجم المواجهة التي تخوضها إسرائيل مع بيلاي، التي ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلص تقريرها عام 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة. وقد رفضت إسرائيل هذه النتيجة بشدة، واعتبرت التقرير منحازاً سياسياً.
بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف مع شخصية حقوقية، بل بما تعتبره استخداماً للمؤسسات الدولية لتجريدها من الشرعية. أما بالنسبة إلى منتقدي إسرائيل والمدافعين عن المساءلة الدولية، فإن ردّ الفعل الإسرائيلي يعكس رفضاً لنتائج تحقيق أممي اتهم الدولة بارتكاب واحدة من أخطر الجرائم التي يعرفها القانون الدولي.
ولا تحسم جائزة نوبل الخلاف القانوني بشأن توصيف ما جرى في غزة، كما أن نتائج لجنة التحقيق الأممية ليست حكماً جنائياً نهائياً. لكن منح الجائزة لبيلاي يضع استنتاجات التحقيق ودور المؤسسات الدولية في قلب نقاش عالمي يتجاوز حدود السجال الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
من الفصل العنصري إلى مواجهة إسرائيل
تستمد نافي بيلاي مكانتها من مسيرة طويلة في القانون الدولي. وُلدت عام 1941 في جنوب أفريقيا، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري، قبل أن تبدأ ممارسة المحاماة عام 1967، وتدافع عن معارضين وناشطين تعرضوا للتمييز والاضطهاد.
انتقلت لاحقاً إلى القضاء الدولي، فعملت في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وتولت رئاستها بين عامي 1999 و2003، ثم أصبحت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية. كما شغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014.
وارتبط اسمها بتطورات مهمة في القانون الدولي، ولا سيما الاعتراف بأن العنف الجنسي قد يشكل جزءاً من جريمة الإبادة الجماعية عندما تتوافر الشروط القانونية اللازمة.
غير أن دورها في لجنة التحقيق بشأن غزة نقلها إلى قلب مواجهة سياسية أشد حدة، بعدما خلصت اللجنة التي ترأستها إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية. وقد أصبحت هذه النتيجة محوراً رئيسياً في الهجوم الإسرائيلي عليها، وصولاً إلى التشكيك في أهليتها لتلقي جائزة دولية للسلام.
واشنطن تعاقب المحكمة الجنائية الدولية
لم يقتصر التصعيد على إسرائيل. فبعد ساعات من إعلان جائزة نوبل، فرضت إدارة ترامب عقوبات جديدة على المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تهدف، وفق الموقف الأميركي المعلن، إلى وقف ما تعتبره واشنطن تجاوزاً لصلاحيات المحكمة.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الرئيس ترامب لن يسمح للمحكمة بملاحقة أميركيين، معلناً أن الولايات المتحدة ستمنع التعاملات معها وتسعى إلى حرمانها من الموارد التي تحتاج إليها لممارسة عملها.
وتتجاوز الإجراءات الجديدة العقوبات الفردية التي سبق أن فرضتها واشنطن على قضاة ومدعين عامين، إذ يمكن أن تمتد آثارها إلى شركات تقدم خدمات للمحكمة، بما يهدد علاقاتها المالية والتكنولوجية والتشغيلية.
وتعود جذور الخلاف إلى رفض الولايات المتحدة اختصاص المحكمة على مواطنيها من دون موافقتها، وإلى اعتراضها على ملاحقات تستهدف مسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
كما تستند واشنطن إلى اعتراضات على تحقيق سابق بشأن أفعال جنود أميركيين في أفغانستان، كانت المحكمة قد أغلقته لاحقاً.
في المقابل، أدانت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، العقوبات الأميركية، معتبرة أنها تستهدف تقويض سيادة القانون الدولي وعمل مؤسسة قضائية مستقلة، ومؤكدة أن المحكمة ستواصل تحقيقاتها وملاحقاتها.
وهكذا، جاء تكريم بيلاي في اللحظة نفسها التي تتعرض فيها المؤسسة التي عملت فيها لضغوط أميركية متصاعدة، ما منح الجائزة بعداً سياسياً إضافياً، وإن لم يثبت أن العقوبات جاءت رداً مباشراً عليها.
السيادة الوطنية أم المساءلة الدولية؟
تتمسك واشنطن بأن المحكمة لا تملك صلاحية ملاحقة مواطنين أميركيين أو مسؤولين من دول غير أعضاء في نظام روما الأساسي من دون موافقة دولهم. أما المحكمة، فتستند إلى قواعد اختصاص قانونية محددة، ترتبط في بعض الحالات بمكان وقوع الجرائم، حتى عندما يكون المتهم من دولة غير عضو.
وفي الملف الإسرائيلي، تستند المحكمة إلى اختصاصها المتعلق بالأراضي الفلسطينية، التي أصبحت دولة طرفاً في نظام روما الأساسي عام 2015. وترفض إسرائيل هذا التفسير، وتعتبر أن إجراءات المحكمة ضد مسؤوليها تفتقر إلى الشرعية.
لكن الخلاف يتجاوز التفاصيل القانونية إلى سؤال أوسع: هل يمكن إخضاع المسؤولين عن الجرائم الدولية للمساءلة عندما تكون دولهم قوية أو محمية بتحالفات سياسية وعسكرية؟ أم أن النفوذ الدولي سيظل قادراً على تعطيل الإجراءات القضائية عندما تقترب من مصالح القوى الكبرى؟
ولا يعني الدفاع عن استقلال المحكمة أن جميع قراراتها أو تفسيراتها القانونية فوق النقد. فالمؤسسات القضائية تخضع بدورها للقواعد القانونية، ويمكن الاعتراض على اختصاصها وإجراءاتها بالوسائل المتاحة. لكن فرض عقوبات على المؤسسة نفسها يفتح باباً مختلفاً، لأنه قد يحدّ من قدرتها على مواصلة عملها، بصرف النظر عن نتائج أي قضية بعينها.
نوبل في مواجه ة سياسة القوة
تضع جائزة نافي بيلاي القانون الدولي في قلب مواجهة سياسية تتجاوز شخصها. ففي واشنطن، يتقدم رفض اختصاص المحكمة على الأميركيين إلى واجهة الموقف الرسمي. وفي تل أبيب، يتمحور الاعتراض حول ما تعتبره الحكومة الإسرائيلية تحيزاً ضدها ومحاولة لنزع الشرعية عنها. أما لجنة نوبل، فاختارت تكريم شخصية ارتبطت مسيرتها بتعزيز العدالة الدولية وملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة.
وتكشف ردود الفعل المتباينة عن أزمة أعمق في النظام الدولي: كيف يمكن الحفاظ على قواعد مشتركة إذا أصبحت المؤسسات المكلفة بتطبيقها عرضة للعقوبات والاتهامات السياسية كلما اقتربت من ملفات شديدة الحساسية؟
قد لا تغيّر جائزة نوبل موازين القوة، ولا توقف العقوبات الأميركية أو الاعتراضات الإسرائيلية. لكنها تعيد طرح السؤال الذي حاولت لجنة نوبل وضعه في صلب التكريم: هل يمكن أن يقوم سلام مستدام من دون مساءلة، وهل تستطيع العدالة الدولية أداء دورها إذا كانت قدرتها على العمل تتوقف على رضا الدول الأقوى؟
في هذا المعنى، لم تكن جائزة نافي بيلاي مجرد احتفاء بقاضية سابقة، بل مناسبة لاختبار العلاقة بين القانون والنفوذ. وبين عقوبات ترامب وهجوم تل أبيب الذي استحضر غوبلز، تبدو المعركة الحقيقية أبعد من ميدالية ن وبل: إنها معركة على ما إذا كان القانون الدولي قادراً على تقييد القوة، أم أن القوة ستظل قادرة على رسم الحدود التي يُسمح للقانون بتجاوزها.
