مناضلة سابقة ضد الفصل العنصري، وقاضية في محاكم دولية، ومفوضة سامية سابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان؛ نافي بيلاي ليست اسماً طارئاً على منظومة العدالة الدولية، بل إحدى الشخصيات التي ارتبطت مسيرتها بالدفاع عن القانون ومحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة. ويكتسب منحها جائزة نوبل للسلام لعام 2026 دلالة سياسية خاصة في ظل المواجهة التي تخوضها إدارة دونالد ترامب مع المحكمة الجنائية الدولية، بما يضع التكريم في قلب خلاف أوسع حول حدود السيادة الوطنية وسلطة القانون الدولي.
وُلدت نافانيثيم «نافي» بيلاي في جنوب أفريقيا عام 1941، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي جعل التمييز العرقي جزءاً من بنية الدولة ومؤسساتها. اختارت دراسة القانون، وبدأت ممارسة المحاماة عام 1967، لتصبح أول امرأة تفتتح مكتباً للمحاماة في إقليم ناتال، وأول امرأة سوداء تتولى منصباً قضائياً في المحكمة العليا في بلدها.
دافعت بيلاي عن معارضين لنظام الفصل العنصري، وعملت على حماية حقوق المعتقلين السياسيين، في تجربة أسست لسمعتها القانونية والحقوقية. ولم يكن التحدي الذي واجهته مقتصراً على الدفاع عن أ فراد تعرضوا للتمييز، بل شمل مواجهة نظام استخدم القانون لتبرير الإقصاء، في مقابل محاولة توظيفه لحماية الحقوق.
هذه الخلفية تفسر جانباً أساسياً من مكانتها: إيمانها بأن القانون لا يفقد أهميته عندما تنتهكه السلطة، بل تصبح الحاجة إليه أكثر إلحاحاً عندما يتحول النفوذ السياسي إلى وسيلة للإفلات من المساءلة.
رواندا.. سابقة في محاسبة مرتكبي الجرائم
برزت بيلاي على المستوى الدولي عندما أصبحت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا عام 1995، ثم تولت رئاستها بين عامي 1999 و2003.
ومن أبرز المحطات المرتبطة بعمل المحكمة قضية جان بول أكاييسو، التي أرست سابقة قانونية مهمة في الاعتراف بأن الاغتصاب والعنف الجنسي قد يشكلان أفعالاً تدخل في إطار جريمة الإبادة الجماعية، إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة.
مثّلت هذه السابقة تطوراً في فهم الجرائم الجماعية، وأكدت أن العنف الجنسي لا يمكن التعامل معه بوصفه أثراً جانبياً للحرب عندما يكون جزءاً من نمط يستهدف تدمير جماعة محمية.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها ساهمت في توسيع نطاق المساءلة الجنائية الدولية، وفي تثبيت مبدأ أن المسؤولية عن الجرائم الجسيمة لا تسقط لمجرد أن مرتكبيها تصرفوا باسم الدولة أو في سياق نزاع مسلح.
المحكمة الجنائية الدولية.. موضع الخلاف مع ترامب
عملت بيلاي قاضية في المحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2012، وهي مؤسسة مستقلة أُنشئت لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم دولية خطيرة، عندما تتوافر شروط اختصاصها.
وتحتل هذه المحكمة موقعاً مركزياً في الخلاف بين إدارة ترامب ومنظومة العدالة الدولية. ففي 6 شباط 2025، وقّع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً يتيح فرض عقوبات على أشخاص مرتبطين بعمل المحكمة، مبرراً ذلك بما وصفه بأنه إجراءات غير مشروعة تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل. وشمل الأمر إمكان تجميد أصول وفرض قيود على دخول الولايات المتحدة.
جاء القرار في سياق اعتراض واشنطن على تحركات المحكمة المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين، بعدما أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. واعتبرت الإدارة الأميركية أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها، فيما دافعت المحكمة عن استقلالها القضائي ورفضت الضغوط التي تستهدف عملها.
وتتمثل المفارقة هنا في أن بيلاي تُكرَّم عن مسيرة ارتبطت بتطوير العدالة الجنائية الدولية، في وقت تستخدم فيه واشنطن أدوات اقتصادية وسياسية لل ضغط على المحكمة التي سبق أن عملت فيها.
السيادة الوطنية أم المساءلة الدولية؟
تستند الحجة الأميركية إلى رفض إخضاع مواطنين ومسؤولين أميركيين، أو مسؤولين من دول حليفة غير منضمة إلى نظام روما الأساسي، لاختصاص المحكمة من دون موافقة دولهم. ويعكس هذا الموقف تصوراً للسيادة الوطنية يضع حدوداً صارمة أمام سلطة القضاء الدولي.
في المقابل، تقوم فلسفة العدالة الجنائية الدولية على أن الجرائم الأشد خطورة لا ينبغي أن تبقى خارج نطاق المساءلة لمجرد أن مرتكبيها يشغلون مناصب رسمية أو يتمتعون بحماية سياسية.
وتكشف المواجهة الأميركية مع المحكمة أن النزاع حول القانون الدولي ليس خلافاً تقنياً بشأن الإجراءات وحدها، بل يتعلق أيضاً بتوزيع السلطة في النظام العالمي: هل تظل المساءلة رهناً بموافقة الدول الأقوى، أم يمكن للمؤسسات الدولية أن تفرض قيوداً قانونية على تصرفات الأفراد مهما علت مناصبهم؟
بيلاي والأمم المتحدة.. دفاع عن عالمية الحقوق
بين عامي 2008 و2014، شغلت بيلاي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وقد أتاح لها هذا الموقع العمل على قضايا تتصل بالتمييز، وحماية الفئات المهمشة، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
وتختلف طبيعة هذا المنصب عن القضاء الجنائي؛ فالمفوضية لا تصدر أحكاماً جنائية، بل ترصد الانتهاكات وتدعم آليات الحماية والمساءلة، وتعمل في بيئة تتداخل فيها المبادئ القانونية مع المصالح الدبلوماسية للدول.
ومن هنا، تتصل تجربتها بسؤال أوسع: هل يمكن لحقوق الإنسان أن تكون عالمية بالفعل إذا كان تطبيقها يتفاوت تبعاً لهوية الدولة المتهمة أو وزنها السياسي؟
تواجه الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية انتقادات متكررة بسبب ازدواجية المعايير، وبسبب عجزها أحياناً عن منع الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها. غير أن هذه الصعوبات لا تلغي الفارق بين وجود قاعدة قانونية وبين القدرة السياسية على تنفيذها؛ بل تكشف الحاجة إلى مؤسسات أكثر استقلالاً وتعاون دولي أكثر اتساقاً.
لماذا تحمل نوبل هذه الدلالة الآن؟
توقيت التكريم يمنحه دلالة تتجاوز السيرة الشخصية. ففي عالم تتصاعد فيه النزاعات وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف، يضع منح الجائزة شخصية ارتبطت بالمساءلة القانونية في واجهة النقاش حول مستقبل النظام الدولي.
والمفارقة أن القوة الأميركية، التي تؤكد التزامها بالسلام والنظام الدولي، ترى أن بعض إجراءات المحكمة الجنائ ية الدولية تمثل تجاوزاً للسيادة واختصاصات القضاء، بينما يبرز تكريم بيلاي قيمة العدالة الدولية بوصفها جزءاً من الجهود الرامية إلى حماية الإنسان ومنع الإفلات من العقاب.
السلام ليس وقفاً لإطلاق النار فقط
تفتح تجربة بيلاي الباب أمام تعريف أوسع للسلام. فوقف الحرب قد ينهي القتال، لكنه لا يضمن إنصاف الضحايا أو معالجة أسباب العنف أو منع تكرار الجرائم. وفي المقابل، لا تستطيع المحاكم وحدها إنهاء النزاعات أو إنتاج تسويات سياسية مستدامة.
يتطلب السلام المستقر الجمع بين التسويات السياسية، وحماية المدنيين، واحترام الحقوق، ووجود آليات قضائية قادرة على التحقيق في الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها. كما يتطلب أن تُطبّق القواعد القانونية من دون انتقائية مرتبطة بالتحالفات والمصالح.
ومن هذه الزاوية، فإن تكريم بيلاي ليس مجرد احتفاء بقاضية سابقة أو بمفوضة أممية، بل اعتراف بمسار جعل المساءلة القانونية جزءاً من النقاش حول السلام.
اختبار يتجاوز نافي بيلاي
إن القيمة الأبعد لجائزة نوبل للسلام لعام 2026 لا تكمن في افتراض أنها ستغير موقف واشنطن، ولا في تصويرها انتصاراً لطرف سياسي على آخر. بل في إعادة طرح سؤال جوهري: هل يمكن للنظام الدولي أن يحافظ على مصداقيته إذا كانت قواعده تُطبّق بصرامة على الضعفاء، بينما تواجه محاولات مساءلة الأقوياء مقاومة سياسية واقتصادية؟
لا تملك بيلاي وحدها إجابة عن هذا السؤال، ولا تستطيع جائزة نوبل حل أزمة العدالة الدولية. لكن تكريمها يعيد وضع المساءلة في قلب النقاش بشأن السلام، ويذكّر بأن قيمة القانون لا تُقاس فقط بالنصوص التي يقرّها المجتمع الدولي، بل بقدرته على حماية الإنسان عندما تتعارض حقوقه مع مصالح السلطة.
في هذا المعنى، تلتقي مسيرة بيلاي مع أحد أصعب اختبارات النظام الدولي المعاصر: بناء سلام لا يعتمد على ميزان القوة وحده، بل على قواعد مشتركة لا تفقد معناها عندما تصل المساءلة إلى أصحاب النفوذ.
