"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

مستقبل غامض وأعصاب منهكة: ماذا يحدث للشباب؟

نيوزاليست
الجمعة، 9 أكتوبر 2026

مستقبل غامض وأعصاب منهكة: ماذا يحدث للشباب؟

لم تعد أزمة الصحة النفسية لدى الشباب قابلة للاختزال في هشاشة فردية أو عجز عن التكيّف مع ضغوط الحياة. فخلف القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة، تتراكم عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية تجعل المستقبل أقل وضوحاً وأكثر كلفة، فيما يُطلب من جيل كامل أن ينجح ويصمد ويتكيّف في عالم لا يمنحه دائماً أسباباً كافية للأمل. فهل يعاني الشباب أزمة نفسية فحسب، أم أن الأزمات المحيطة بهم باتت تستنزف قدرتهم على تخيّل المستقبل؟

لماذا يبدو كثير من الشباب اليوم مرهقين قبل أن تبدأ حياتهم فعلياً؟ لماذا يتحول القلق من المستقبل إلى رفيق يومي، ويصبح الحصول على وظيفة مستقرة أو منزل مستقل أو علاقة إنسانية متماسكة حلماً مؤجلاً؟ ولماذا يُطلب من جيل كامل أن يكون مرناً، ومبدعاً، وقادراً على المنافسة، فيما تتقلص أمامه الضمانات التي كانت تمنح الانتقال إلى مرحلة الرشد معنى واضحاً؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذه الأسئلة، كما لا يمكن اختزال معاناة الشباب في تشخيص نفسي أو جيل مفرط الحساسية أو هاتف ذكي استولى على انتباه أصحابه. لكن ثمة ما يستحق التوقف عنده: إن الصحة النفسية لا تتشكل داخل الفرد وحده، بل تتأثر أيضاً بنوعية الحياة التي يعيشها، وبالفرص المتاحة أمامه، وبقدرته على بناء علاقات مستقرة، وبمدى شعوره بأن المستقبل يستحق أن يعمل من أجله.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني نحو مراهق واحد من كل سبعة، تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عاماً، اضطراباً نفسياً. وتشير المنظمة إلى أن الاكتئاب والقلق واضطرابات السلوك من أبرز أسباب المرض والإعاقة في هذه المرحلة العمرية. لكن الأرقام، على أهميتها، لا تفسر وحدها لماذا تصبح الحياة النفسية لبعض الشباب أكثر هشاشة، ولا تكفي لفهم الظروف التي تجعل آخرين أكثر قدرة على مواجهة الضغوط.

المسألة أوسع من الطب النفسي. إنها تتعلق أيضاً بالاقتصاد والتعليم والأسرة والعمل والسكن، وبالعلاقة بين ما يُطلب من الشباب وما يستطيع المجتمع توفيره لهم.

مستقبل مطلوب من دون ضمانات

كان الانتقال إلى مرحلة الرشد، في الصورة التقليدية، يرتبط بمحطات معروفة نسبياً: إكمال التعليم، والعثور على عمل، وتحقيق قدر من الاستقلال المالي، ثم بناء أسرة أو حياة مستقلة. لم تكن هذه المسارات سهلة أو مضمونة للجميع، لكنها كانت تقدم تصوراً مفهوماً عن المستقبل.

أما اليوم، فقد أصبح كثير من هذه المحطات أكثر تعقيداً. الشهادة الجامعية لا تضمن وظيفة مناسبة، والعمل لا يضمن الاستقرار، والدخل قد لا يكفي للحصول على مسكن مستقل، فيما يضطر بعض الشباب إلى تأجيل قرارات حياتية أساسية لأن شروطها الاقتصادية لم تعد متوافرة.

المشكلة ليست في أن كل شاب يواجه هذه الظروف، ولا في أن الأجيال السابقة عاشت حياة خالية من الصعوبات. الفارق أن عدم اليقين أصبح عنصراً أساسياً في تخطيط المستقبل لدى قطاعات من الشباب، خصوصاً أولئك الذين يفتقرون إلى الدعم العائلي أو الموارد المالية أو الفرص المتكافئة.

عندما يعمل الإنسان من دون أن يعرف إن كان سيحتفظ بوظيفته، أو يدرس من دون أن يعرف ما إذا كان تعليمه سيفتح له باباً مهنياً، أو يخطط للاستقلال من دون القدرة على تحمّل تكاليفه، فإن القلق لا يعود مجرد استجابة لمشكلة عابرة. قد يتحول إلى حالة مستمرة من الترقب والاستنزاف.

فالإنسان يستطيع احتمال الكثير عندما يرى طريقاً واضحاً للخروج من أزمته. لكن الضغوط تصبح أشد عندما يبدو أن الجهد المبذول لا يضمن نتيجة، وأن المستقبل يتوقف على عوامل خارجة عن إرادته.

الفقر ليس رقماً في حساب المصروفات

تُناقش الضغوط الاقتصادية عادة بلغة الدخل والبطالة والأسعار. لكن أثرها النفسي يتجاوز الحسابات المالية.

الفقر أو انعدام الاستقرار المادي قد يعنيان أن الشاب مضطر إلى الاختيار بين حاجات أساسية، أو أنه لا يستطيع مغادرة منزل يفتقر فيه إلى الخصوصية، أو أنه يعتمد على أسرته رغم رغبته في الاستقلال، أو أنه يتجنب الأنشطة الاجتماعية لأن تكلفتها تفوق إمكاناته.

وقد يشعر بأنه متأخر عن أقرانه، لا لأنه يفتقر إلى الطموح أو الكفاءة، بل لأن نقطة انطلاقه مختلفة.

وهنا تظهر إحدى المشكلات التي يصعب قياسها بالأرقام: المقارنة الاجتماعية لا تحدث دائماً بين أشخاص يملكون الفرص نفسها. فقد يُقارن شاب نفسه بزميل حصل على وظيفة بفضل شبكة علاقات عائلية، أو بشخص تلقى دعماً مالياً سمح له ببدء مشروع، من دون أن تكون الظروف التي أوصلت كلاً منهما إلى موقعه متشابهة.

وعندما تُقدَّم النتائج باعتبارها دليلاً على الجدارة الفردية وحدها، يصبح الإخفاق الاقتصادي عبئاً نفسياً إضافياً. لا يعود الشاب يقول إنه لم يجد فرصة مناسبة، بل قد يبدأ في الاعتقاد بأنه هو المشكلة.

هذه ليست دعوة إلى إعفاء الأفراد من المسؤولية عن خياراتهم، بل إلى التمييز بين المسؤولية الشخصية والظروف التي تحدد مساحة الخيارات المتاحة أصلاً.

فلا يمكن مطالبة الجميع بالوصول إلى النتيجة نفسها إذا لم تكن نقطة البداية أو الموارد أو الفرص متكافئة.

حين يتحول النجاح إلى واجب دائم

لا يعيش الشباب تحت ضغط الاقتصاد وحده. هناك أيضاً ثقافة النجاح التي تجعل الإنجاز يبدو التزاماً لا ينتهي.

يُطلب من الشاب أن يتفوق في دراسته، ويكتسب مهارات جديدة، ويتقن اللغات، ويبني شبكة علاقات، ويعتني بصحته، ويحافظ على توازنه النفسي، ويطوّر شخصيته، ويستثمر وقته بكفاءة. وإذا أخفق في جانب، يُقال له إنه لم يحسن إدارة نفسه.

حتى الراحة يمكن أن تتحول إلى مشروع إنتاجي: ينبغي أن تنام جيداً كي تعمل بكفاءة أكبر، وأن تمارس الرياضة لتحسن أداءك، وأن تقرأ لتزيد قدرتك التنافسية، وأن تتعلم كيف تدير توترك كي تتحمل مزيداً من الضغط.

وهكذا يصبح الإنسان مسؤولاً، ليس فقط عن إنجازاته، بل عن إدارة كل جوانب حياته كما لو كانت مؤسسة ينبغي أن تحقق نتائج متصاعدة.

تمنح هذه الثقافة الفرد شعوراً بأنه قادر على التأثير في حياته، وهو أمر إيجابي في حد ذاته. لكنها تصبح مرهقة عندما توحي بأن كل تعثر هو نتيجة تقصير شخصي، وأن أي مشكلة يمكن حلها بمزيد من الانضباط والإرادة.

فبعض المشكلات لا تُحل بتطبيق روتين صباحي أفضل، ولا بدورة تدريبية إضافية، ولا بتغيير طريقة التفكير. قد يحتاج الشاب إلى وظيفة مستقرة، أو علاج نفسي متاح، أو بيئة أسرية أكثر أماناً، أو مسكن يستطيع تحمّل تكلفته.

ليس كل ما يعجز الإنسان عن تغييره دليلاً على ضعف إرادته.

هل سرقت الشاشات سعادتهم؟

من السهل توجيه الاتهام إلى الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي. فالمقارنة المستمرة بالآخرين، والتعرض للتنمر الإلكتروني، واضطراب النوم، والبحث المتكرر عن التقدير عبر الإعجابات والتفاعلات، كلها عوامل يمكن أن تؤثر سلباً في الصحة النفسية.

لكن اعتبار التكنولوجيا السبب الوحيد يختزل المشكلة ويغفل جانباً مهماً من العلاقة بين الإنسان والشاشة.

فالمنصات الرقمية قد تزيد القلق، لكنها قد توفر أيضاً مساحة للعثور على أشخاص يشاركون الفرد تجربته، أو للحصول على معلومات صحية، أو التواصل مع أصدقاء بعيدين، أو الانضمام إلى مجموعات دعم لا تتوافر في محيطه المباشر.

كما أن العلاقة بين الاستخدام الرقمي والمعاناة النفسية ليست في اتجاه واحد دائماً. قد يؤدي الاستخدام المفرط لبعض المنصات إلى تفاقم المشكلات، لكن الشخص الذي يشعر بالوحدة أو القلق قد يلجأ بدوره إلى الشاشة هرباً من ضغوطه أو بحثاً عن التواصل.

لذلك لا يكفي أن نسأل: كم ساعة يقضي الشباب أمام هواتفهم؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ماذا يجدون هناك؟ وما الذي يفتقدونه خارجها؟

هل يستخدم الشاب هاتفه لأنه يريد البقاء متصلاً بأصدقائه، أم لأنه لا يجد من يلتقي بهم؟ هل يلجأ إلى المحتوى الرقمي للتسلية، أم لتخفيف شعور مزمن بالوحدة؟ وهل المشكلة في التكنولوجيا نفسها، أم في طريقة تصميم بعض المنصات، أم في غياب بدائل اجتماعية أكثر إشباعاً؟

هذه الأسئلة لا تنفي مخاطر العالم الرقمي، لكنها تمنع تحويله إلى تفسير شامل لأزمة لها أسباب متعددة.

الوحدة في عصر الاتصال الدائم

يمكن للإنسان أن يتواصل مع مئات الأشخاص عبر هاتفه، وأن يشعر في الوقت نفسه بأنه لا يملك شخصاً واحداً يستطيع اللجوء إليه عندما يواجه مشكلة حقيقية.

الاتصال ليس هو العلاقة، وكثرة المعارف ليست بالضرورة دليلاً على وجود شبكة دعم.

تحتاج العلاقات الإنسانية إلى وقت، وإلى حضور متبادل، وإلى شعور بالأمان يسمح للإنسان بأن يتحدث من دون خوف من السخرية أو الحكم عليه. وهذه الشروط لا تتحقق دائماً في عالم تتسارع فيه الاتصالات، فيما تتراجع المساحات التي تجمع الناس خارج العمل والدراسة والشاشات.

قد تكون النوادي الرياضية والثقافية، والمكتبات، والأنشطة التطوعية، والمساحات العامة، ومجموعات الأصدقاء، أماكن لبناء روابط تمنح الشباب شعوراً بالانتماء. وعندما تصبح هذه المساحات مكلفة أو بعيدة أو غير متاحة، يخسر المجتمع أكثر من مرافق ترفيهية؛ يخسر جزءاً من بنيته الاجتماعية الواقية.

وتزداد المشكلة عندما يتردد الشاب في الإفصاح عن معاناته خوفاً من أن يُنظر إليه بوصفه ضعيفاً أو عاجزاً عن مواجهة الحياة.

إن وجود شخص يستمع، أو مجموعة يشعر الفرد بأنه ينتمي إليها، لا يغني عن العلاج عندما يكون ضرورياً، لكنه قد يشكل فارقاً في منع العزلة من التحول إلى أزمة أعمق.

الأسرة بين الحماية والضغط

تلعب الأسرة دوراً أساسياً في الصحة النفسية للشباب، لكنها قد تكون أيضاً مصدراً للضغط، خصوصاً عندما تتداخل المحبة مع التوقعات العالية أو الخوف من الفشل.

يريد الآباء غالباً حماية أبنائهم وتأمين مستقبل أفضل لهم. غير أن هذه الرغبة قد تتحول أحياناً إلى مطالب متواصلة بالنجاح، أو إلى مقارنات بين الأبناء وأقرانهم، أو إلى صعوبة في تقبل الخيارات التي تختلف عن المسار الذي رسمته الأسرة.

وقد يجد الشاب نفسه ممزقاً بين رغبة في الاستقلال وحاجة فعلية إلى الدعم المالي والعاطفي. ويصبح التعبير عن الضيق أكثر صعوبة إذا كان يشعر بأن معاناته ستُفسَّر على أنها جحود، أو أن الاعتراف بالفشل سيخيّب آمال عائلته.

لكن الأسرة ليست وحدها المسؤولة عن هذا التوتر. فالآباء أنفسهم يعيشون ضغوطاً اقتصادية واجتماعية، وقد يحاولون نقل خبراتهم إلى أبنائهم في عالم لم تعد قواعده مطابقة لما عرفوه.

المطلوب ليس تفكيك الروابط العائلية، بل جعلها أكثر قدرة على التكيف: مساحة يستطيع فيها الشاب أن يطلب المساعدة من دون أن يخسر استقلاله، وأن يختلف من دون أن يشعر بأنه فقد القبول، وأن يعبّر عن خوفه من دون أن يتحول الخوف إلى وصمة.

المدرسة والجامعة: النجاح الأكاديمي ليس كل شيء

قد تتحول المؤسسات التعليمية، من دون قصد، إلى مصدر إضافي للضغط عندما تُقاس قيمة الطالب بدرجاته وترتيبه ونتائجه وحدها.

فالامتحان الذي يحدد مساراً تعليمياً، أو التوقعات المرتفعة من الأسرة، أو الخوف من خسارة فرصة جامعية أو مهنية، قد يجعل الخطأ يبدو كارثة لا تجربة يمكن التعلم منها.

وفي المقابل، يمكن للمدرسة والجامعة أن تكونا من أهم الأماكن التي يُكتشف فيها الضيق النفسي مبكراً، شرط ألا تقتصر مهمتهما على التحصيل الأكاديمي.

هذا يعني وجود مرشدين مؤهلين، ومساحات آمنة للإفصاح عن المشكلات، وسياسات واضحة للتعامل مع التنمر، وإمكانية الإحالة إلى مختصين عند الحاجة. كما يعني أن يدرك المعلمون أن تراجع الأداء أو الانسحاب الاجتماعي قد يرتبطان بظروف تحتاج إلى الفهم، لا بالعقاب وحده.

ولا ينبغي أن تتحول المؤسسات التعليمية إلى عيادات نفسية، لكنها تستطيع أن تكون جزءاً من شبكة دعم تمنع الطالب من السقوط بين غياب العلاج وتجاهل المشكلة.

حين يصبح التشخيص بوابة إلى المساعدة

أدى اتساع الحديث عن الصحة النفسية إلى زيادة الوعي بمشكلات كانت تُهمَل أو تُفسَّر أخلاقياً، مثل الكسل أو ضعف الشخصية أو قلة الإيمان بالذات. وهذا تطور مهم، لأنه يساعد بعض الشباب على فهم معاناتهم وطلب المساعدة.

لكن هناك خطراً معاكساً عندما يصبح التشخيص نفسه الطريق الوحيد للحصول على الدعم.

إذا كانت المدرسة لا توفر التسهيلات إلا بعد تقرير طبي، أو إذا كانت المؤسسة لا تستجيب للضيق إلا بعد تحوله إلى اضطراب واضح، فقد يُترك كثيرون من دون مساعدة في المراحل المبكرة.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي التعامل مع التشخيص باعتباره موضة أو تسمية يلجأ إليها الشباب لتفسير كل صعوبة. فالاضطرابات النفسية والعصبية حالات حقيقية تتطلب تقييماً متخصصاً، ولا يمكن إثباتها أو نفيها من خلال منشور على الإنترنت أو قائمة مختصرة من الأعراض.

المطلوب هو نظام يستطيع التمييز بين الضغوط الطبيعية التي تحتاج إلى دعم، والمشكلات المستمرة التي تستدعي تقييماً مهنياً، والاضطرابات التي تتطلب علاجاً متخصصاً.

فليس كل حزن مرضاً، وليس كل قلق اضطراباً، لكن ليس من المقبول أيضاً أن تُترك المعاناة الشديدة بلا رعاية بحجة أن الشباب يحتاجون فقط إلى أن يصبحوا أكثر صلابة.

لا يمكن علاج المجتمع بوصفة طبية

من المهم ألا تتحول الدعوة إلى فهم الأسباب الاجتماعية للمعاناة النفسية إلى إنكار الحاجة إلى العلاج. فالعلاج النفسي والدوائي، عندما يقرره المختصون، قد يكون ضرورياً، وأحياناً منقذاً للحياة.

لكن لا يمكن تحميل الطبيب النفسي مسؤولية معالجة نتائج الفقر أو البطالة أو العنف الأسري أو انعدام الأمان السكني.

إذا كان الشاب يعاني القلق لأنه لا يستطيع تحمل نفقات حياته، فإن العلاج قد يساعده على التعامل مع مشاعره، لكنه لا يوفر له دخلاً مستقراً. وإذا كانت فتاة تعيش في بيئة عنيفة، فإن مساعدتها نفسياً لا تغني عن حمايتها من العنف. وإذا كان الطالب عاجزاً عن الحصول على رعاية بسبب تكلفتها، فإن التوعية بأهمية الصحة النفسية لن تكفي وحدها.

لهذا ينبغي أن تتوزع المسؤولية بين قطاعات متعددة: الصحة والتعليم والعمل والسكن والخدمات الاجتماعية والأسرة والمجتمع المدني.

فالصحة النفسية ليست خدمة تُقدَّم بعد وقوع الأزمة فقط، بل نتيجة تتشكل أيضاً من الظروف التي يعيش فيها الناس قبل أن يحتاجوا إلى العلاج.

ماذا يعني أن نمنح الشباب مستقبلاً قابلاً للتصديق؟

لا يحتاج الشباب إلى أن يضمن لهم المجتمع حياة خالية من الفشل أو الإحباط. مثل هذه الحياة غير موجودة. لكنهم يحتاجون إلى ظروف تجعل الجهد ذا معنى، وتسمح لهم بالتعافي من التعثر، وتمنحهم فرصة حقيقية لإعادة المحاولة.

يعني ذلك عملاً أكثر استقراراً، وتعليماً يفتح فرصاً فعلية، وسكناً يمكن تحمّل تكلفته، وخدمات صحية لا تستنزف موارد الأسرة، ومساحات عامة تسمح ببناء العلاقات، ومؤسسات لا تنتظر حتى تبلغ المعاناة حد الأزمة كي تتدخل.

ويعني أيضاً أن تتوقف ثقافة النجاح عن تصوير كل مشكلة بوصفها إخفاقاً شخصياً، وأن يُنظر إلى طلب المساعدة باعتباره سلوكاً مسؤولاً لا علامة ضعف.

أما على المستوى الفردي، فمن المهم أن يتعلم الشباب التعبير عن الضيق، وبناء علاقات داعمة، ووضع حدود للضغط، وطلب المساعدة المهنية عندما يحتاجون إليها. لكن هذه المهارات تصبح أكثر فاعلية عندما تجد بيئة تساعد على استخدامها، لا عندما تُقدَّم بديلاً من الإصلاح الاجتماعي.

جيل لا يحتاج إلى الشفقة بل إلى الفهم

ليس الشباب كتلة واحدة. تختلف تجاربهم باختلاف البلدان والطبقات الاجتماعية والظروف العائلية والصحية، كما تختلف قدرتهم على مواجهة الأزمات. وهناك من يجد في التحولات الراهنة فرصاً جديدة، ومن يستطيع بناء مسار مستقر، ومن يعاني مشكلات نفسية لأسباب لا علاقة مباشرة لها بالاقتصاد أو العمل.

لذلك لا يصح تصوير جيل كامل باعتباره ضحية عاجزة، كما لا يصح اتهامه بالهشاشة لمجرد أنه يتحدث عن معاناته بصراحة أكبر من الأجيال السابقة.

ما يستحق الانتباه هو أن الصحة النفسية ليست اختباراً فردياً لقوة الشخصية، ولا يمكن فصلها تماماً عن الظروف التي ينمو الإنسان ويعمل ويعيش في ظلها.

حين يُطلب من الشباب أن يتحملوا مسؤولية مستقبلهم، يجب أن يكون لهم نصيب فعلي من الفرص التي تسمح ببنائه. وحين يُطلب منهم أن يكونوا مرنين، ينبغي ألا تعني المرونة قدرتهم على التكيف بلا نهاية مع ظروف غير عادلة. وحين يُنصحون بالاهتمام بصحتهم النفسية، يجب أن تكون المساعدة متاحة عندما يحتاجون إليها.

قد لا يكون السؤال الأهم هو لماذا أصبح الشباب أقل قدرة على تحمل الحياة، بل لماذا أصبحت الحياة بالنسبة إلى بعضهم أكثر صعوبة، فيما لا تزال التوقعات منهم ترتفع.

فالمجتمع الذي يريد جيلاً قادراً على بناء المستقبل لا يكفيه أن يطالبه بالصمود؛ عليه أيضاً أن يوفر له أسباباً معقولة للأمل.

المقال السابق
6 قتلى في هجومين حوثيين على مطار الرياض وأبها خلال يومين: 3 سعوديين و3 مقيمين
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

الأبراج ليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026: 3 أبراج ستضطر إلى الاختيار بين الصحة والحب والمال

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية