شهد الجنوبيون خلال أقل من خمسة عشر شهرًا تحوّلًا لافتًا في خطابهم العام، من عبارة “بيوتنا وأملاكنا وأولادنا فداء السيد” إلى “بدنا نعيش بسلام”. هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام انقلاب سياسي في المواقف، أم أمام إرهاق اجتماعي عميق جعل الاستقرار مسألة بقاء لا ترفًا سياسيًا؟
في مرحلة ما سُمّي بـ”حرب الإسناد”، شكّلت مفردات مثل “الصمود” و”الاحتضان” و”فدا السيد” عنصرًا جامعًا في مواجهة الاعتداءات، وعكست صورة جماعية عن التضحية والتحمّل، حيث بدا الاستعداد لدفع الأثمان جزءًا من هوية المواجهة ومعناها. غير أنّ المشهد اليوم يبدو مختلفًا، فقد بات واضحًا حجم الانهيار الذي أصاب النازحين، ولسان حال كثيرين منهم يقول: “تعبنا من الموت والتهجير والدمار والتشرّد… بدنا نعيش بكرامتنا”.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فالمآسي المتكرّرة من اغتيالات وخوف وقصف، والخسائر في المنازل والأرزاق، تركت أثرًا عميقًا في المزاج العام. لم يعد النقاش بالنسبة إلى كثير من العائلات الجنوبية محصورًا في البعد السياسي أو العقائدي، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بتفاصيل الحياة اليومية: الخوف من ليلة قصف جديدة، القلق من فقدان مصدر الرزق ومعاناة النزوح، بما يحمله ذلك من أعباء نفسية ومادية متراكمة.
من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم هذا التحوّل بوصفه نتيجة لما يُعرف بـ”إجهاد الصدمة المزمن”. فعندما يتعرّض الأفراد لصدمات متكرّرة دون فترات كافية للتعافي، تتبدّل أولوياتهم تلقائيًا من الشعارات الكبرى إلى الحاجات الأساسية للأمان والاستقرار. في مثل هذه الحالات، يصبح البحث عن السلام حاجة نفسية ملحّة، لا موقفًا سياسيًا بالضرورة. فالعقل، حين يُستنزف طويلًا، يعيد ترتيب سلّم الأولويات لصالح البقاء وتقليل الألم.
كما تلعب آلية “التكيّف النفسي” دورًا مهمًا في هذا السياق. ففي المراحل الأولى للأزمات، قد تسود مشاعر الحماسة والتماسك الجماعي، مدفوعة بروح التضامن والهوية المشتركة. لكن مع استمرار التهديد وتفاقم الخسائر، تتراجع القدرة على الاحتمال، ويحلّ محلها شعور بالإنهاك وحتى الإحباط. هنا لا يكون التغيّر “خيانة” أو “تكويعة”، بل استجابة طبيعية لضغط طويل الأمد يفوق طاقة الأفراد على التحمّل.
إضافة إلى ذلك، تشير دراسات علم النفس إلى أن الشعور المستمر بفقدان السيطرة يُضعف الانخراط في الخطابات التعبوية، ويعزّز بدلًا منه، النزعة إلى استعادة السيطرة على ما هو ممكن: البيت، العائلة، العمل، والحد الأدنى من الطمأنينة. لذلك، فإن عبارة “بدنا نعيش بسلام” قد تعبّر عن محاولة لاستعادة الإحساس بالتحكم بالحياة اليومية، أكثر مما تعكس تبدلًا جذريًا في القناعات السياسية.
بناءً على ذلك، لا يمكن قراءة الانتقال من “فدا السيد” إلى “بدنا نعيش بسلام” باعتباره انقلابًا سياسيًا بقدر ما هو تعبير عن إرهاق اجتماعي عميق، ورغبة إنسانية في إعادة ترتيب الأولويات. إنه تحوّل من خطاب التضحية ال مفتوحة إلى خطاب النجاة الممكنة، ومن لغة الشعارات إلى لغة الواقع، حيث يصبح الاستقرار شرطًا للبقاء، لا مجرد خيار سياسي.
