من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكتفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعرض رؤيته لمستقبل الذكاء الاصطناعي، بل اقترح تغيير الاسم الذي يُستخدم لوصف هذه التكنولوجيا، التي باتت تؤثر بصورة متزايدة في الاقتصاد وسوق العمل والعلاقة بين الإنسان والآلة.
واقترح ترامب التخلي عن مصطلح «الذكاء الاصطناعي» (Artificial Intelligence – AI) واعتماد تسمية «الذكاء الفائق» (Super Intelligence – SI) بدلاً منه.
وبرر الرئيس الأميركي اقتراحه بأن كلمة «اصطناعي» توحي بأن الذكاء «زائف»، في حين أن التكنولوجيا، وفق وصفه، «مذهلة». وأعلن أن الوثائق الأميركية ستستخدم المصطلح الجديد، معرباً عن أمله في أن تتبناه دول أخرى، قبل أن يعلن أمام الحاضرين: «مرحباً بكم في العالم الجديد للذكاء الفائق».
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يتعلق الأمر بمجرد تغيير لغوي، أم أن المصطلح الجديد يعكس أيضاً رؤية مختلفة لمكانة الذكاء الاصطناعي ودوره في العالم؟
من «ذكاء اصطناعي» إلى «ذكاء فائق»
يبدو الفرق بين المصطلحين بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل دلالة مختلفة.
فمصطلح «الذكاء الاصطناعي» يشير إلى أن هذه الأنظمة من ص نع الإنسان، وأنها تعتمد على الخوارزميات والبيانات وقدرات الحوسبة التي طوّرها البشر. وبالتالي، فإن القرارات التي تنتجها هذه الأنظمة ترتبط بتصميم بشري يمكن مساءلته وتقييمه وتطويره.
أما «الذكاء الفائق»، فيشير عادةً إلى مفهوم مختلف: أنظمة افتراضية تمتلك قدرات معرفية تتجاوز أفضل القدرات البشرية في معظم المجالات.
وبذلك، فإن الانتقال من المصطلح الأول إلى الثاني لا يصف التكنولوجيا بالطريقة نفسها؛ فالأول يركز على مصدر التكنولوجيا وطبيعتها، بينما يركز الثاني على مستوى قدراتها مقارنة بالإنسان.
هل «الذكاء الفائق» هو نفسه الذكاء الاصطناعي؟
علمياً وتقنياً، لا.
فالذكاء الاصطناعي هو مصطلح واسع يشمل مجموعة كبيرة من الأنظمة والتطبيقات الموجودة بالفعل، من روبوتات المحادثة وتوليد الصور والنصوص، إلى أنظمة التشخيص الطبي والتعرف إلى الوجوه والقيادة الذاتية.
أما «الذكاء الفائق» فيُستخدم في الأدبيات التقنية للإشارة إلى مرحلة مستقبلية افتراضية تكون فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة من البشر في معظم المجالات أو جميعها تقريباً.
وهذا يعني أن المصطلحين لا يشيران بالضرورة إلى الشيء نفسه. فالذكاء الاصطناعي موجود بالفعل ويُستخدم على نطاق واسع، بينما يبقى الذكاء الفائق تصوراً مستقبلياً لم تصل إليه التكنولوجيا بعد.
«من يفز بالذكاء الفائق يفز»
تكشف هذه العبارة التي استخدمها ترامب جانباً أساسياً من رؤيته للتكنولوجيا.
فالرئيس الأميركي قدم الذكاء الفائق باعتباره جزءاً من سباق استراتيجي بين الدول، مؤكداً أن الولايات المتحدة تتقدم على الصين في هذا المجال، ومشدداً على ضرورة الحفاظ على هذه الصدارة.
وبذلك، لا يظهر الذكاء الاصطناعي في الخطاب الأميركي باعتباره مجرد أداة تقنية، بل باعتباره عاملاً مرتبطاً بالقوة الاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية للدول.
ترامب يرفض «الحوكمة العالمية» للذكاء الاصطناعي
وفي كلمته، رفض ترامب ما وصفه بمحاولات إنشاء «مخطط عولمي» للتحكم في الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تتبنى نهجاً يحد من نمو هذه التكنولوجيا.
وقال إن إدارته ستشجع تطوير «الذكاء الفائق»، مع إبقاء إمكانية مراقبته والتدخل عند الضرورة، بما في ذلك من خلال وزارة العدل وأجهزة إنفاذ القانون.
ويعكس هذا الطرح نهجاً يركز على تطوير التكنولوجيا والحفاظ على القدرة التنافسية الأميركية، مع معالجة المخاطر عندما تظهر، بدلاً من فرض قيود واسعة مسبقاً.
في المقابل، تركز مقاربات دولية وأممية أخرى على وضع قواعد للشفافية والمساءلة وحماية حقوق الإنسان وتقليل المخاطر قبل توسع استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي.
المخاطر لا تقتصر على «الروبوتات القاتلة»
قلل ترامب من المخاوف المتعلقة بسيناريوهات كارثية، مثل سيطرة الروبوتات على البشر أو تسبب الذكاء الاصطناعي في القضاء على البشرية.
لكن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند هذه السيناريوهات المستقبلية.
فهناك تحديات موجودة بالفعل، بينها انتشار المعلومات المضللة، والتحيز في بعض الأنظمة، وانتهاك الخصوصية، والتأثير في بعض الوظائف، وصعوبة تحديد المسؤولية عندما تتخذ الأنظمة الآلية قرارات مؤثرة، إضافة إلى تركّز البيانات والقدرات الحاسوبية لدى عدد محدود من الشركات والدول.
كما أن الثقة المفرطة في مخرجات الذكاء الاصطناعي قد تشكل خطراً بحد ذاتها، خصوصاً عندما تقدم الأنظمة إجابات تبدو مقنعة لكنها تكون خاطئة أو منحازة.
هل يستطيع ترامب تغيير اسم الذكاء الاصطناعي؟
يستطيع الرئيس الأميركي توجيه المؤسسات التابعة لإدارته إلى استخدام مصطلح معين في وثائقها وخطابها الرسمي، لكن تعميم هذا التغيير على العالم سيكون أكثر صعوبة.
فمصطلح «الذكاء الاصطناعي» مستخدم منذ عقود في الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات والقوانين والمعايير الدولية، كما أصبح اختصار AI جزءاً من اللغة اليومية المرتبطة بالتكنولوجيا.
لذلك، من غير المرجح أن يؤدي قرار إداري أميركي وحده إلى اختفاء المصطلح من الاستخدام العالمي.
لكن اقتراح ترامب قد يحقق نتيجة أخرى: زيادة انتشار مصطلح «الذكاء الفائق» في الخطاب العام والسياسي والإعلامي، وربطه بالسباق التكنولوجي بين القوى الكبرى.
وهنا تكمن أهمية المسألة؛ فالتغيير المقترح لا يتعلق بالكلمات فقط، بل بالطريقة التي يُقدَّم بها الذكاء الاصطناعي إلى الجمهور: هل هو تكنولوجيا صنعها الإنسان ويمكن التحكم بها ومساءلتها، أم قوة جديدة يُفترض أنها تتجاوز قدراته وتعيد رسم موازين القوة في العالم؟
وفي نهاية المطاف، قد يبقى اسم «الذكاء الاصطناعي» هو الأكثر استخداماً، بينما يظل «الذكاء الفائق» وصفاً لمرحلة مستقبلية محتملة. لكن دخول المصطلح الجديد إلى الخطاب السياسي الأميركي يفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل التكنولوجيا، ومن يملكها، ومن يضع قواعدها، ومن ي حدد حدودها.
