أعلن وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان أن عدد الموقوفين قيد الحراسة النظرية على خلفية أعمال العنف والنهب التي شهدتها فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع بلغ 2331 شخصاً حتى الساعة الثامنة من صباح الاثنين. وأوضح، في حديث إلى قناة «فرانس 2»، أن 70% من الموقوفين بالغون وليسوا طلاب مدارس، مشيراً إلى أن كثيرين منهم معروفون لدى أجهزة الشرطة والقضاء. وأضاف أن أكثر من 80% من الحالات التي عُرضت على النيابات العامة أفضت إلى مواصلة الإجراءات القضائية، معتبراً أن ذلك يعكس تشدداً في التعامل مع المتورطين.

1500 متجر متضرر ومئات ملايين اليوروهات خسائر محتملة… وانتقادات تطال أداء الأجهزة الأمنية
لم تكن رماد الحرائق التي شهدتها باريس قد بردت بعد، حتى تجددت أعمال الشغب والنهب في العاصمة الفرنسية، ليل الأحد إلى الاثنين، في مشهد أعاد طرح أسئلة محرجة عن قدرة الدولة على فرض النظام وحماية المواطنين وممتلكاتهم، بعدما تحولت احتجاجات اجتماعية إلى فرصة استغلها مخربون ومجموعات من اللصوص للاعتداء على المتاجر والممتلكات العامة.
فبعد أقل من 24 ساعة على موجة العنف التي اجتاحت مناطق عدة في فرنسا، عادت ساحة الجمهورية، إحدى أبرز نقاط التجمع في باريس، إلى واجهة المواجهات. وسرعان ما امتدت أعمال الشغب إلى الشوارع المجاورة، ولا سيما شارع فولتير، حيث تعرضت متاجر جديدة للتخريب، فيما أقام بعض مثيري الشغب حواجز مرتجلة باستخدام حاويات النفايات والدراجات الكهربائية، وأضرموا النار في بعضها لعرقلة تقدم قوات الأمن.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «لو فيغارو»، استدعت السلطات مجدداً عناصر من وحدة CRS 8 المتخصصة في التعامل مع أعمال العنف الحضري. لكن انتشار القوات لم يمنع مجموعات من المخربين من التحرك في الشوارع المحيطة، ومحاولة اقتحام متاجر نجت من الاعتداءات السابقة.
وتحدثت مصادر شرطية للصحيفة عن ضغط شديد تعرضت له خطوط الطوارئ في باريس، وصل إلى حد انقطاعها بصورة كاملة في بعض الفترات، نتيجة كثافة الاتصالات. وهو ما يعكس حجم الارتباك الذي رافق المواجهات، في وقت كان أصحاب المتاجر يستنجدون بالأجهزة الأمنية لحماية أرزاقهم.
1500 متجر في مرمى التخريب
لا تقتصر الأزمة على العاصمة. فالحصيلة الأولية التي أعلنتها الجهات الممثلة لقطاع التوزيع والتجارة تشير إلى تضرر نحو 1500 متجر في مختلف أنحاء فرنسا خلال أعمال العنف التي شهدها السبت 17 أكتوبر، مع توقعات بأن تبلغ الخسائر المادية مئات ملايين اليوروهات.
وأعلن ألكسندر بومبار، رئيس اتحاد التجارة والتوزيع والرئيس التنفيذي لمجموعة «كارفور»، أن حجم الأضرار سيكون كبيراً جداً، داعياً إلى تسريع إجراءات التعويض لأصحاب المتاجر المتضررة.
كما أفاد بأن نحو 50 متجراً تابعاً لـ«كارفور» تعرضت للاعتداء، في مؤشر إلى أن التخريب لم يستهدف المؤسسات الصغيرة وحدها، بل طال أيضاً سلاسل تجارية كبرى.
وفي باريس، تركزت الأضرار بصورة خاصة حول ساحة الجمهورية وشارع ماغنتا وشارع فولتير. وتحدث أصحاب متاجر عن عمليات اقتحام ونهب استمرت ساعات، وعن مجموعات استخدمت أدوات ثقيلة لتح طيم الواجهات، قبل الاستيلاء على البضائع والمعدات والأموال.
ولم تكن المشاهد محصورة بالمتاجر؛ فقد طالت الاعتداءات البنية التحتية والمرافق العامة، بينما اضطرت فرق البلدية إلى تعبئة مئات العمال لتنظيف الشوارع وإزالة الزجاج المحطم وبقايا الحرائق والمخلفات التي خلفتها المواجهات.
وأعلنت بلدية باريس تعبئة نحو ألف عامل في عمليات التنظيف والمعالجة، بالتوازي مع إنشاء خلية لمساعدة التجار المتضررين.
آلاف الموقوفين ومئات المصابين
وفق الحصيلة التي نقلتها وسائل إعلام فرنسية عن وزارة الداخلية، تجاوز عدد الموقوفين على خلفية أحداث السبت 2390 شخصاً، فيما أصيب 997 شرطياً ودركياً، بينهم سبعة إصاباتهم خطيرة.
وتكشف هذه الأرقام اتساع المواجهات، لكنها لا تعني أن جميع الموقوفين متورطون بالضرورة في أعمال النهب؛ إذ تشمل عمليات التوقيف أشخاصاً على خلفيات مختلفة مرتبطة بأحداث ذلك اليوم.
وتزامنت هذه التطورات مع انتقادات من مسؤولين محليين لطريقة إدارة الوضع الأمني. فقد اتهم رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار السلطات بوجود إخفاقات أمنية، مطالباً بتفسيرات بشأن الطريقة التي تمكنت بها مجموعات من تنفيذ عمليات نهب واسعة ومتكررة.
وأشار الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى أن السلطات المحلية قد تلجأ إلى حظر بعض التجمعات إذا اقتضت حماية المدن والمباني العامة والمتاجر ذلك. ووعد بالشفافية في ما يتعلق بخطة حفظ النظام، مطالباً الحكومة ووزير الداخلية لوران نونييز باستخلاص الدروس وتقديم إجابات واضحة عن أوجه القصور التي ظهرت خلال الأحداث.
من الاحتجاج الاجتماعي إلى أزمة سياسية
كانت التظاهرات قد انطلقت تحت شعارات مرتبطة بغلاء المعيشة وتدهور أوضاع التعليم والخدمات العامة، وشارك فيها طلاب وشباب ونقابيون ومجموعات سياسية مختلفة. وقدرت التغطيات الصحافية أعداد المشاركين في التحركات الوطنية بنحو 550 ألفاً إلى 800 ألف شخص، بحسب اختلاف التقديرات والجهات التي أصدرتها.
لكن أعمال العنف التي رافقت التحركات غيّرت صورة المشهد، بعدما طغت مشاهد النهب والحرق والاعتداءات على المطالب الاجتماعية التي رفعتها قطاعات واسعة من المتظاهرين.
وتكمن المعضلة أمام السلطات في أن التشدد الأمني وحده لا يعالج أسباب الاحتقان الاجتماعي، فيما يؤدي التساهل مع أعمال التخريب إلى تقويض ثقة المواطنين بقدرة الدولة على حمايتهم. كما أن تحميل الاحتجاجات بمجملها مسؤولية العنف من شأنه أن يطمس الفارق بين من يمارس حقه في التظاهر ومن يستغل الفوضى لارتكاب الجرائم.
أما سياسياً، فقد فتحت الأحداث جبهة جديدة من المواجهة بين الحكومة ومعارضيها، وسط مطالب بإجراء مراجعة شاملة لإدارة الأمن والتعامل مع الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه، تجد السلطة نفسها أمام اختبار مزدوج: استعادة النظام من دون توسيع دائرة المواجهة، والاستماع إلى المطالب الاجتماعية من دون السماح بتحويل الشارع إلى مساحة مفتوحة للنهب والتخريب.
وفي المحصلة، لم تعد القضية مقتصرة على عدد المتاجر المحطمة أو حجم الخسائر المالية، بل باتت تتعلق بهيبة الدولة وثقة الفرنسيين بمؤسساتها. فحين يعجز أصحاب المتاجر عن حماية أرزاقهم، ويجد السكان أنفسهم أمام شوارع تتحول إلى ساحات مواجهة، تصبح استعادة الأمن شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار السياسي والاجتماعي، لا مجرد عملية لإزالة آثار ليلة من الفوضى.