وسط صور الحرب والدمار والانقسامات والتخوين التي تطغى على المشهد اللبناني، تبرز الثقافة كأحد أشكال “المقاومة” الهادئة، القادرة على إعادة تعريف الهوية بعيدًا عن الصراع. هذا ما يقدّمه معرض “بيبلوس: مدينة لبنانية عريقة منذ آلاف السنين” في معهد العالم العربي في باريس، حيث يستعيد لبنان وجهه الحضاري، بوصفه وريثًا لأحد أقدم وأغنى تواريخ البشرية، فلا يُختزل فقط بمآسيه، بل في إسهامه في نشوء الحضارات وتطوّرها.

من خلال هذا المعرض، تعود مدينة جبيل (بيبلوس) إلى الواجهة كرمزٍ لهذا الإرث العريق. فالمدينة، التي اشتُق اسمها من الكلمة اليونانية «بيب لوس» بمعنى ورق البردي (بابيروس)، شكّلت منذ أكثر من ٨٠٠٠ عام قبل الميلاد حلقة وصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، ومركزًا تجاريًا وثقافيًا بارزًا على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وعلى بعد نحو ٣٨ كيلومترًا شمال بيروت، نشأ أحد أقدم الموانئ التجارية في العالم، حيث تلاقت حضارات كبرى، من مصر الفرعونية وبلاد ما بين النهرين إلى الحضارات الإيجية والرومانية والفينيقية، في شبكة تبادل تجاري وثقافي، كان للأخشاب، ولا سيما خشب الأرز، دور محوري فيها، إلى جانب دور المدينة في نقل المعرفة ونشر الحرف.

المعرض، الذي يستمر حتى ٢٣ آب/أغسطس، يقدّم نحو ٣٦٠ قطعة أثرية، غالبيتها من المتحف الوطني اللبناني، وبعضها يُعرض خارج لبنان للمرة الأولى، إضافة إلى مقتنيات مُستعارة من متحف اللوفر في باريس. ورغم هذا الغنى، لم تكتمل المجموعة كما كان مخططًا لها، إذ تعذّر وصول الدفعة الثالثة من القطع بسبب الحرب والتحديات اللوجستية، ما حرم المعرض من توسيع نطاقه وإغناء سرديته بمزيد من الشواهد.

وتتنوع المعروضات بين أدوات فخارية، وحليّ، ومقتنيات جنائزية، فضلًا عن عدد من المنحوتات الحجرية التي تعكس مهارات فنية متقدّمة وتفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية والطقوس الدينية في العصور القديمة. ولا تقتصر أهمية هذه القطع على قيمتها الجمالية، بل تتعداها إلى قدرتها على سرد تاريخ اجتماعي وثقا في متكامل.

ويمنح المعرض مساحة خاصة للاكتشافات الأثرية الحديثة، التي تُعرض بعضها للمرة الأولى أمام الجمهور، ومنها أوان استُخدمت كحافظات للموتى، لا يزال بعضها يحتوي على عظام بشرية، كشاهد صامت على حضارة ضاربة في القدم. كما يحتل اكتشاف المقبرة الواسعة عام ٢٠١٩ والتي بدأ التنقيب فيها عام ١٨٦٠ موقعًا بارزًا في السرد، إذ تعود إلى نحو أربعة آلاف عام، وتقدّم رؤى معمّقة حول طقوس الدفن والبنية الاجتماعية في تلك المرحلة.

ولا يكتفي المعرض بعرض القطع، بل يعتمد تقنيات حديثة في التقديم، من شروحات تفاعلية ووسائط بصرية، تتيح للزائر تتبّع تطوّر جبيل عبر العصور، من الفينيقيين إلى الرومان والبيزنطيين، مع تسليط الضوء على دورها المحوري في نشأة الأبجدية وانتشارها.

ولا يقدّم المعرض مجرد عرض أثري، بل تجربة ثقافية متكاملة تُعيد الاعتبار لذاكرة لبنان الحضارية. وبين الحرب التي تعيق حتى نقل القطع الأثرية، والإرث الذي ينجح رغم كل شيء في العبور إلى العالم، تتجسّد مفارقة لافتة: حضارةٌ قاومت الزمن، ولا تزال تقاوم اليوم، لتؤكد أن الماضي، مهما تعرّض للانكسارات، قادر دائمًا على أن يكون جسرًا نحو المستقبل.
