في تطور أمني غير مسبوق في ألمانيا، أوقفت السلطات الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني أوغست هانينغ، البالغ 80 عاماً، للاشتباه في تورطه في التجسس والخيانة، في قضية تتشعب خيوطها بين أجهزة الاستخبارات الألمانية وروسيا وإيران، وتلامس أيضاً قضية اختطاف طفلي وريثة الملياردير الألماني كريستينا بلوك.
وتشتبه النيابة الفدرالية في أن هانينغ، الذي ترأس جهاز BND بين عامي 1998 و2005، حصل على معلومات ووثائق سرية من داخل الجهاز عبر مسؤول سابق عمل رئيساً لمكتبه، وذلك مقابل المال.
وبحسب التحقيقات، يُشتبه في أن المسؤول، الذي ظل يعمل في مواقع حساسة داخل الـBND حتى مارس/آذار الماضي، سلّم هانينغ نحو 2000 وثيقة على مدى أكثر من عقد، بينها مواد سرية ومعلومات استخبارية شديدة الحساسية.
وتشير تقارير إعلامية ألمانية إلى أن بعض الوثائق تضمنت معلومات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والجيش الروسي، إضافة إلى تقارير استخبارية أخرى. كما يُشتبه في أن هانينغ استخدم بعض هذه المعلومات في نشاطه الاستشاري الخاص، وأنه أعدّ تحليلاً لموظف في جهاز استخبارات أجنبي استناداً إلى معلومات سرية.
ولم تكشف النيابة الألمانية حتى الآن اسم الدولة أو الجهاز الأجنبي الذي يُشتبه في ارتباطه بالملف، كما لم يتضح بصورة نهائية ما إذا كانت المعلومات السرية قد وصلت فعلاً إلى جهاز استخبارات أجنبي.
قضية اختطاف الأطفال تكشف الخيط
المفارقة أن التحقيق في التجسس لم يبدأ من الـBND، بل من قضية مختلفة تماماً.
ففي سبتمبر/أيلول 2025، فتشت السلطات منزل هانينغ ومكاتبه في إطار تحقيق يتعلق باختطاف طفلي سيدة الأعمال الألمانية كريستينا بلوك، قبل أن تعثر على وثائق سرية تابعة للاستخبارات الألمانية لم يكن يفترض أن تكون بحوزته.
ومن خلال فحص المواد المصادرة، بدأت الشبهات تتجه نحو احتمال حصول هانينغ على معلومات سرية من داخل الجهاز بعد سنوات طويلة من مغادرته منصب رئاسته.
وتتضمن قضية بلوك نفسها خيطاً إسرائيلياً، إذ يحقق القضاء الألماني في دور شركة أمنية إسرائيلية في عملية إعادة الطفلين إلى ألمانيا. كما ترد في القضية أسماء أشخاص لهم خلفيات استخبارية إسرائيلية.
لكن لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت أن جهاز الموساد متورط في قضية التجسس على الـBND، ولا أن الجهة الأجنبية التي يُشتبه في أن هانينغ كان يعمل لمصلحتها ه ي جهة إسرائيلية.
أزمة ثقة داخل الاستخبارات الألمانية
تكمن خطورة القضية في أن أحد المشتبه بهم لم يكن موظفاً عادياً، بل رئيساً سابقاً للاستخبارات الخارجية الألمانية، فيما ظل الشخص الذي يُشتبه في أنه زوده بالمعلومات يعمل داخل الجهاز حتى وقت قريب.
وبذلك لا يقتصر التحقيق على معرفة ما إذا كان هانينغ قد سرب أسراراً ألمانية، بل يفتح أيضاً أسئلة حول كيفية تمكنه من الوصول إلى وثائق سرية بعد مغادرته رئاسة الجهاز، وكيف استمر تدفق المعلومات إليه طوال سنوات.
ويبقى السؤال المركزي في التحقيق: هل كانت المعلومات تُستخدم لأغراض تجارية واستشارية، أم أنها وصلت بالفعل إلى أجهزة استخبارات أجنبية؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد حجم القضية، وما إذا كانت ألمانيا أمام عملية تسريب استخباري واسعة النطاق أم أمام شبكة محدودة من الاتصالات غير المشروعة.
