وراء إحراق الصفوف وتحطيم التجهيزات في بعض المدارس الفرنسية، أسئلة تتجاوز السلوك الفردي إلى التهميش الاجتماعي، والشعور بالإقصاء، وعلاقة جيل جديد بمؤسسات لم تعد تعني له بالضرورة ما كانت تعنيه للأجيال السابقة.
لماذا يعود بعض المراهقين إلى مدارس غادروها، لا لاستعادة ذكرياتهم فيها، بل لتخريبها وإحراق صفوفها وتحطيم تجهيزاتها؟ وما الذي يدفع شاباً إلى استهداف مؤسسة كان يفترض أن تمنحه المعرفة والفرص، وأن تشكّل إحدى أهم محطات انتقاله إلى الحياة الراشدة؟
هذه الأسئلة تقف في صلب التحقيق الذي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 11 تشرين الأول، عن ظاهرة تخريب المراهقين مدارسهم القديمة في فرنسا. وهي ظاهرة تفتح الباب أمام قراءة أوسع لعلاقة الشباب بالمؤسسات العامة، وللأسباب التي قد تدفع بعضهم إلى تحويل مكان ارتبط بطفولتهم وتعليمهم إلى هدف للانتقام.
لا يكفي التعامل مع هذه الحوادث باعتبارها مجرد أعمال شغب أو انفلات سلوكي. فالتخريب فعل تتحمل الجهة التي ترتكبه مسؤوليته، لكن فهم دوافعه يقتضي النظر أيضاً إلى الظروف التي يتشكل فيها، وإلى الرسائل التي قد يعكسها عن علاقة بعض الشباب بالمجتمع.
لماذا يعود بعض المراهقين إلى مدارسهم القديمة لتخريبها؟ السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأضرار، بل أيضاً بما إذا كانت المدرسة قد تحولت في نظرهم من بوابة للمستقبل إلى رمز للإخفاق والإقصاء.
من المدرسة إلى هدف للانتقام
تحتل المدرسة موقعاً أساسياً في التصور التقليدي للعدالة الاجتماعية. فهي، نظرياً على الأقل، المكان الذي يستطيع فيه الطفل اكتساب المعرفة وبناء مستقبله، بصرف النظر عن خلفيته العائلية أو موارده المالية. وهي كذلك إحدى المؤسسات التي يُفترض أن تساعد على الحد من الفوارق الاجتماعية، عبر توفير فرص متقاربة للتعلم والاندماج.
لكن هذه الصورة لا تتطابق دائماً مع التجربة التي يعيشها التلاميذ. فعندما يشعر بعضهم بأن المدرسة لم تمنحهم فرصة حقيقية، أو أنها ساهمت في تصنيفهم مبكراً ضمن فئة الفاشلين، يمكن أن تتحول العلاقة بها من علاقة انتماء إلى علاقة نفور وعداء.
ولا يعني ذلك أن كل مراهق يخرّب مدرسته السابقة ضحية للتهميش، أو أن الإحباط يبرر الاعتداء على الممتلكات العامة. لكنه يطرح سؤالاً مهماً: هل يرى هؤلاء الشباب في المدرسة مؤسسة ساعدتهم على التقدم، أم مكاناً ارتبط في ذاكرتهم بالإخفاق والإقصاء؟
إ ن استهداف المدرسة بعد مغادرتها قد يحمل، في بعض الحالات، دلالة رمزية تتجاوز قيمة المعدات المحطمة أو الأضرار المادية. فالمؤسسة التي كانت تمثل سلطة على التلميذ تتحول إلى هدف يستطيع من خلاله التعبير عن غضبه، أو إثبات قدرته على تحدي القواعد التي شعر سابقاً بأنه عاجز عن تغييرها.
قد يساهم الفقر والتهميش والشعور بانعدام الفرص في تغذية الغضب لدى بعض الشباب. لكن الحرمان لا يقود حتماً إلى التخريب، ولا يعفي مرتكبيه من مسؤولية أفعالهم.
الفقر والتهميش… تفسير لا يكفي وحده
يبرز التهميش الاجتماعي والفقر بوصفهما عاملين يستحقان الدراسة عند محاولة تفسير السلوك التخريبي. فالشباب الذين يعيشون في بيئات محدودة الفرص قد يجدون أنفسهم أمام فجوة بين الوعود التي يقدمها المجتمع والواقع الذي يواجهونه.
فالخطاب العام يربط التعليم بالنجاح والعمل والاستقلال، لكن هذه المعادلة تصبح أقل إقناعاً عندما لا يلمس الشاب نتائجها في محيطه، أو عندما يعتقد أن ظروفه العائلية والاجتماعية تحدّ من قدرته على المنافسة منذ البداية.
وفي هذه الحالة، قد يتحول الإحباط إلى شعور بالعداء تجاه المؤسسات التي يُفترض أنها تفتح أبواب المستقبل. غير أن العلاقة بين الحرمان والتخريب ليست آلية، ولا يجوز افتراض أن الفقر يقود حتماً إلى العنف. فالغالبية الساحقة من الشباب الذين يواجهون ظروفاً صعبة لا يلجأون إلى تدمير المدارس أو الاعتداء على الممتلكات.
لذلك، ينبغي التمييز بين تفسير السياق الاجتماعي للسلوك وبين تبريره. فالمطلوب ليس إعفاء مرتكبي التخريب من المسؤولية، بل فهم الأسباب التي تجعل بعضهم يختار هذا المسار بدلاً من غيره.
في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، قد يتحول تحطيم الممتلكات إلى مشهد يستقطب المشاهدات ويمنح مرتكبيه اهتماماً مؤقتاً. وهكذا، لا يبقى التخريب فعلاً مادياً فحسب، بل قد يصبح وسيلة لفرض الحضور وانتزاع الاعتراف
شبكات التواصل وتضخيم السلوك
تطرح هذه الظاهرة أيضاً سؤال تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في سلوك المراهقين. ففي بيئة رقمية تمنح الصور ومقاطع الفيديو انتشاراً سريعاً، يمكن أن يتحول فعل تخريبي إلى مشهد يستقطب الانتباه، ويمنح مرتكبه شعوراً مؤقتاً بالشهرة أو القوة أو الاعتراف.
وقد تؤدي مشاركة مقاطع الاعتداء على الممتلكات إلى تطبيع بعض السلوكيات داخل مجموعات من الأقران، أو إلى تحويل التخريب إلى استعراض يُقاس بمدى انتشاره وردود الفعل التي يثيرها.
لكن لا يمكن اعتبار وسائل التواصل سبباً وحيداً لهذه الحوادث. فهي قد تضخّم السلوك أو تسهم في نشره وتقليده، فيما تبقى دوافعه مرتبطة بعوامل متعددة، من البيئة العائلية إلى العلاقات المدرسية والظروف الاجتماعية والحاجة إلى إثبات الذات.
والتحدي هنا هو فهم الطريقة التي تتفاعل بها هذه العوامل، بدلاً من الاكتفاء باتهام التكنولوجيا أو تحميلها مسؤولية سلوكيات لها جذور أعمق.
عندما يشعر الشاب بأن المجتمع يعده بالنجاح عبر التعليم، لكنه لا يرى أمامه فرصاً حقيقية، قد تتصدع ثقته بالمؤسسات. والسؤال هنا: هل ما زالت المدرسة قادرة على إقناعه بأن مستقبله يمكن أن يكون أفضل؟
جيل لا يثق بوعود المؤسسات؟
تتجاوز القضية المدرسة نفسها إلى سؤال أوسع عن الثقة بالمؤسسات العامة. فالمدرسة ليست مجرد مبنى يضم صفوفاً وكتباً ومقاعد، بل هي جزء من العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يربط الفرد بالدولة والمجتمع: يتعلم الشاب ويلتزم بالقواعد، في مقابل حصوله على فرصة عادلة لبناء مستقبله.
وعندما تتراجع الثقة بهذا الوعد، قد يشعر بعض الشباب بأن المؤسسات لا تمثلهم، أو أنها تطالبهم بالانضباط من دون أن تمنحهم ما يعتبرونه مقابلاً عادلاً لذلك.
وقد يظهر هذا الشعور في صور مختلفة، من الانسحاب وفقدان الدافعية إلى تحدي السلطة أو ارتكاب أعمال تخريبية. إلا أن هذه المسارات ليست متطابقة، ولا ينبغي وضع الشباب جميعاً في سلة واحدة.
والأهم أن تخريب المدرسة لا يثبت، في حد ذاته، وجود أزمة عامة في المجتمع الفرنسي أو انهيار الثقة لدى جيل كامل. لكنه يمكن أن يكون مؤشراً يستحق البحث، خصوصاً عندما يتكرر في سياقات اجتماعية متقاربة أو يرتبط بتجارب سلبية مع التعليم والاندماج.
حماية المدارس ومحاسبة المسؤولين عن تخريبها أمران ضروريان، لكن الوقاية تتطلب أيضاً معالجة أسباب الانقطاع الدراسي والإقصاء، وتعزيز الصلة بين المدرسة والأسرة والمجتمع.
بين المحاسبة والوقاية
لا تستطيع السلطات مواجهة هذه الظاهرة من خلال العقوبات وحدها، كما لا تستطيع معالجتها عبر التفسيرات الاجتماعية التي تتجاهل مسؤولية مرتكبيها. فالمقاربة الأكثر فاعلية تحتاج إلى الجمع بين المحاسبة والوقاية.
وتشمل الوقاية تحسين قدرة المدارس على التعامل مع التلاميذ المعرضين للانقطاع أو الفشل الدراسي، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي عند الحاجة، وتعزيز العلاقة بين المؤسسات التعليمية والأسر، وفتح مسارات مهنية وتعليمية تمنح الشباب الذين لا ينجحون في المسار الأكاديمي التقليدي فرصاً واقعية.
كذلك، ينبغي ألا تنتهي علاقة المدرسة بتلميذها بمجرد مغادرته أسوارها. فالمؤسسات التعليمية تحتاج إلى فهم التجارب التي يخرج بها الشباب منها، وما إذا كانوا يغادرونها وهم يشعرون بأنهم اكتسبوا أدوات للمستقبل، أم أنهم يحملون إحساساً بالإخفاق والرفض.
وفي المقابل، تبقى حماية المدارس والممتلكات العامة ضرورة، لأن الأضرار لا تصيب الدولة وحدها، بل تطال التلاميذ والأسر والمعلمين والمجتمعات المحلية التي تعتمد على هذه المؤسسات.
يمكن إصلاح الصفوف المحترقة واستبدال التجهيزات المحطمة، لكن التحدي الأصعب هو استعادة ثقة الشباب. ففهم أسباب التخريب لا يعني تبريره، بل محاولة منع تكراره
ماذا تقول المدرسة المحطمة عن المجتمع؟____
تكمن أهمية التحقيق الذي نشرته «الغارديان» في أنه يفتح النقاش على ما وراء الأضرار المادية، وعلى احتمال أن يكون بعض التخريب تعبيراً عن علاقة مضطربة بين الشباب والمؤسسات التي يفترض أن تحتضنهم وتؤهلهم للحياة.
لكن تحويل هذا الاحتمال إلى تفسير نهائي يتطلب بيانات عن حجم الظاهرة، وخصائص مرتكبيها، ودوافعهم، والظروف التي عاشوها داخل المدرسة وخارجها. فمن دون هذه المعطيات، تبقى التفسيرات الاجتماعية فرضيات ينبغي اختبارها، لا أحكاماً جاهزة.
في النهاية، لا يمكن مطالبة المجتمع بتبرير تخريب مدارسه، كما لا يمكنه الاكتفاء بإصلاح الأبواب والنوافذ والصفوف المحطمة، ثم اعتبار المشكلة منتهية.
فالمباني يمكن ترميمها، لكن السؤال الأصعب يتعلق بما إذا كانت المؤسسات قادرة على استعادة ثقة الشباب، وإقناعهم بأن المدرسة ليست مكاناً يتركونه وراءهم غاضبين، بل فرصة يستطيعون من خلالها تغيير مستقبلهم.
وعندما يصبح المكان الذي صُمم لبناء المستقبل هدفاً للتدمير، فإن المطلوب ليس فقط معرفة من حطّم جدرانه، بل أيضاً فهم ما الذي جعل بعض الشباب ينظرون إليه بهذه الصورة.
