دلفين هورفيلور، الحاخامة الليبرالية والكاتبة الفرنسية، تواجه أسئلة ما بعد 7 أكتوبر، وترفض احتكار التعاطف، وتدعو إلى الاعتراف بآلام الإسرائيليين والفلسطينيين من دون التخلي عن المسؤولية الأخلاقية.
في شهادة لافتة من داخل المؤسسة الدينية اليهودية، تقرّ الحاخامة الفرنسية دلفين هورفيلور بأنها احتاجت إلى وقت كي تتمكن من الحديث عن معاناة الفلسطينيين الأبرياء، بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبتها في غزة. وفي مقابلة مع صحيفة «لو موند» الفرنسية، نُشرت في 11 أكتوبر 2026، تتأمل هورفيلور أثر الصدمة في قدرتها على التعاطف، محذّرة من أن يتحول الألم إلى حاجز يمنع رؤية معاناة الآخرين، أو أن يصبح الاعتراف بضحايا الطرف المقابل خيانة للجماعة التي ينتمي إليها المرء.
وهورفيلور ليست مجرد معلّقة سياسية أو كاتبة تتناول الصراع من الخارج، بل حاخامة يهودية ليبرالية تجمع بين المرجعية الدينية والاشتغال الفكري والثقافي. ومن هنا تكتسب شهادتها دلالتها: فهي تتحدث من داخل تقليد ديني يضع الأسئلة الأخلاقية وتفسير النصوص والذاكرة الجماعية في صلب النقاش، فيما تحاول التوفيق بين هويتها اليهودية وموقفها من معاناة الفلسطينيين.
في أجواء الحرب والاستقطاب، قد يتحول الاعتراف بمأساة الطرف الآخر إلى موضع اتهام. لكن هورفيلور ترفض حصر التعاطف بضحايا جماعة واحدة، وتتمسك بإمكان الاعتراف بآلام الإسرائيليين والفلسطينيين من دون إنكار مسؤولية أي طرف عن أفعاله.
صدمة 7 أكتوبر وحدود التعاطف
لم يكن تجاوز أثر هجمات 7 أكتوبر أمراً سهلاً بالنسبة إلى هورفيلور. فقد أعادت الهجمات إلى الواجهة مشاعر الخوف والتهديد المرتبطة بالذاكرة اليهودية، وخلّفت صدمة جعلت الحديث عن معاناة الفلسطينيين مسألة شديدة الحساسية.
لكن الاعتراف بهذه الصعوبة لا يعني، في مقاربتها، تبرير استمرار العجز عن رؤية الطرف الآخر. فالمحنة التي تصيب جماعة لا ينبغي أن تتحول إلى حاجز أخلاقي يمنع الاعتراف بمحنة جماعة أخرى، مهما كان حجم الألم الذي تعرّضت له الجماعة الأولى.
وتطرح الحاخامة بذلك سؤالاً يتجاوز تجربتها الشخصية: هل يستطيع الإنسان أن يتعاطف مع ضحايا الطرف الآخر من دون أن يشعر بأنه ينتقص من آلام جماعته أو يتخلى عن حقوقها؟
في زمن الحرب، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً، إذ لا تكتفي الجماعات المتنازعة بالمطالبة بالتضامن السياسي، بل قد تتعامل أيضاً مع التعاطف الإنساني باعتباره موقفاً يجب أن يخضع لقواعد الولاء. عندها، يصبح الاعتراف بمعاناة المدنيين الفلسطينيين موضع اشتباه لدى بعض الإسرائيليين واليهود، مثلما يمكن أن يصبح الاعتراف بمأساة الإسرائيليين موضع رفض لدى بعض الفلسطينيين ومناصريهم.
وترفض هورفيلور هذا المنطق الذي يحوّل التعاطف إلى امتياز حصري، فلا تكون للضحايا قيمة إنسانية إلا إذا انتموا إلى الجماعة التي يتبنى المرء روايتها.
لا تتخلى هورفيلور عن هويتها الصهيونية، لكنها ترفض أن تتحول هذه الهوية إلى التزام بالصمت إزاء السياسات الإسرائيلية. وفي المقابل، لا ترى أن الاعتراف بحقوق الفلسطينيين يستلزم إنكار حق اليهود في الأمن وتقرير المصير.
حاخامة ليبرالية بين الهوية والمساءلة
تكتسب مواقف هورفيلور أهميتها أيضاً من موقعها الديني والفكري. فالحاخام في اليهودية ليس نظيراً للكاهن في المسيحية بالضرورة، بل هو، بحسب التيار الذي ينتمي إليه، مرجعية في التعليم الديني وتفسير الشريعة والتقاليد، وقد يؤدي أدواراً روحية واجتماعية وثقافية.
وفي التيارات اليهودية الليبرالية، تتولى النساء أيضاً وظائف حاخامية، خلافاً للموقف السائد في اليهودية الأرثوذكسية التقليدية التي لا تمنح المرأة عادةً منصب الحاخام بالمعنى المعتمد في تلك الأوساط.
وتنتمي هورفيلور إلى المشهد اليهودي الليبرالي الفرنسي، وتُعرف بكتاباتها وتأملاتها في الدين والهوية والذاكرة والأخلاق. ولذلك لا تنطلق مقاربتها من التخلي عن انتمائها اليهودي، بل من محاولة منع هذا الانتماء من التحول إلى حاجز أمام الحكم الأخلاقي المستقل.
وهي تتمسك بهويتها الصهيونية، وفق ما تنقله المقابلة، لكنها لا تعتبر ذلك موجباً للصمت إزاء السياسات الإسرائيلية أو إعفاء القيادة الإسرائيلية من المساءلة. وفي المقابل، لا ترى أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية يقتضي إنكار حق اليهود في الأمن وتقرير المصير.
ويتيح هذا الموقف الفصل بين الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والأمن، والاعتراف بحق الفلسطينيين في الكرامة والأمن وتقرير المصير، وبين هذه الحقوق جميعاً ومسؤولية الحكومات والتنظيمات المسلحة عن أفعالها.
يقتضي الموقف الأخلاقي، وفق هذه المقاربة، الفصل بين حقوق الشعوب ومسؤولية القيادات. فالتعاطف مع المدنيين الفلسطينيين لا يبرر هجمات حماس، مثلما لا ينبغي أن يحول الاعتراف بمعاناة الإسرائيليين دون مساءلة الحكومة الإسرائيلية عن قراراتها وإخفاقاتها.
ل ا تعاطف بلا مسؤولية
لا تقود الدعوة إلى التعاطف، في مقاربة هورفيلور، إلى مساواة جميع المسؤوليات أو تجاهل الفوارق بين الهجمات والقرارات العسكرية والسياسات الحكومية. فالتعاطف مع المدنيين الفلسطينيين لا يعني تبرير هجمات حماس، مثلما لا يعني الاعتراف بمعاناة الإسرائيليين منح الحكومة الإسرائيلية حصانة من النقد.
وفي هذا الإطار، تنتقد هورفيلور رفض الحكومة الإسرائيلية إنشاء لجنة تحقيق رسمية في الإخفاقات المرتبطة بهجمات 7 أكتوبر، بما يثيره ذلك من أسئلة حول المسؤولية السياسية والأمنية. كما تتناول مسؤولية حماس عن هجماتها وخياراتها خلال الصراع.
ويبرز هنا تمييز أساسي بين المجتمعات والجهات التي تتخذ القرارات باسمها. فالفلسطينيون ليسوا جميعاً حماس، كما أن الإسرائيليين ليسوا جميعاً الحكومة الإسرائيلية، ولا يجوز اختزال أي شعب في قرارات قيادته أو أفعال تنظيم مسلح يعمل باسمه أو على أرضه.
إن تحويل المسؤولية إلى حكم جماعي يفتح الباب أمام تبرير العقاب الجماعي، ويجعل المدنيين أسرى لهوياتهم بدلاً من النظر إليهم بوصفهم أفراداً لهم حقوق لا تسقط بسبب انتمائهم.
تحذر هورفيلور من أن تتحول اللغة إلى أداة لترسيخ الانقسام، بحيث يصبح كل موقف مخالف موضع شك أو اتهام. ففي مثل هذا المناخ، لا يعود التعاطف تعبيراً عن الإنسانية، بل اختباراً للولاء السياسي والهوياتي.
اللغة ساحة أخرى للصراع
لا تقتصر ملاحظات هورفيلور على الحرب نفسها، بل تمتد إلى اللغة التي يستخدمها المتخاصمون في وصفها. فالكلمات التي يفترض أن تساعد على فهم الوقائع باتت، في كثير من الأحيان، جزءاً من الصراع على الرواية والهوية.
وعندما تتحول المصطلحات السياسية والدينية إلى شعارات مغلقة، يصبح الحوار أكثر صعوبة، ويغدو كل موقف مخالف موضع اتهام. ويجد من يحاول الاعتراف بمعاناة الطرفين نفسه أمام ضغط يدفعه إلى اختيار معسكر واحد، حتى عندما يتطلب ضميره التمييز بين الحقوق المشروعة والأفعال التي تستوجب النقد والمحاسبة.
وتحذر هورفيلور كذلك من توظيف المخاوف اليهودية ومعاداة السامية في المنافسة السياسية الفرنسية، ومن اختزال اليهود في صورة جماعية واحدة. فمواجهة معاداة السامية لا ينبغي أن تكون ذريعة لإسكات النقد المشروع للسياسات الإسرائيلية، كما أن نقد إسرائيل لا يبرر استهداف اليهود أو تحميلهم مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية.
وهذا التمييز مهم في فرنسا، حيث تتداخل النقاشات المتعلقة بالشرق الأوسط مع أسئلة الهوية والدين والتطرف والعلاقات بين الجماعات، ويصبح ضبط اللغة شرطاً لحماية النقاش العام من الانزلاق إلى التعميم والعداء الجماعي.
هورفيلور حاخامة فرنسية ليبرالية وكاتبة ومفكرة، تتناول في أعمالها قضايا الدين والهوية والذاكرة والأخلاق. وتكتسب شهادتها أهمية من صدورها عن شخصية دينية يهودية تناقش حدود التضامن داخل جماعتها، وضرورة عدم تحويل الانتماء إلى عائق أمام رؤية معاناة الآخرين.
من «نحن» إلى «أنا»
في خلفية هذه الأفكار، تبرز دعوة إلى استعادة المسؤولية الفردية. فالانتماء إلى جماعة قد يكون مصدراً للتضامن والذاكرة والمعنى، لكنه قد يتحول أيضاً إلى وسيلة للتنصل من المسؤولية الشخصية، عندما يصبح المطلوب من الفرد ترديد موقف جماعته من دون مساءلة أو مراجعة.
أما استعادة كلمة «أنا»، فتعني امتلاك القدرة على التعبير عن موقف أخلاقي مستقل، حتى عندما يتعارض مع المزاج السائد داخل الجماعة. وتعني كذلك الإقرار بأن الذاكرة التاريخية، مهما كانت مؤلمة، لا تمنح أحداً الحق في تجاهل آلام الآخرين إلى ما لا نهاية.
ولا يتعلق الأمر بمطالبة الناس بنسيان ما تعرضوا له، بل برفض تحويل الذاكرة إلى مبرر دائم للعمى الأخلاقي. فالمجتمعات التي لا تستطيع الاعتراف بمحنة الآخرين تظل أسيرة الخوف والشك، ويصبح من الصعب عليها تصور مستقبل يتجاوز منطق الانتقام المتبادل.
شهادة تتجاوز حدود الصراع
تنبع أهمية شهادة دلفين هورفيلور من أنها لا تأتي من خارج التجربة اليهودية، بل من داخلها. فالحاخامة الفرنسية لا تتنصل من صدمة 7 أكتوبر، ولا تتخلى عن هويتها اليهودية أو مواقفها الصهيونية، لكنها تقرّ بأن استعادة القدرة على الحديث عن معاناة الفلسطينيين احتاجت إلى وقت.
وفي هذا الاعتراف تكمن إحدى أكثر نقاط المقابلة دلالة: أن الصدمة قد تضيق أفق التعاطف، وأن استعادته تتطلب مراجعة الذات واللغة والمواقف التي يتبناها الإنسان تحت وطأة الخوف والألم.
لكن هذا الاختبار لا يخص اليهود أو الإسرائيليين وحدهم. إنه يطال كل مجتمع يواجه حرباً أو صدمة جماعية، وكل جماعة تعتقد أن الاعتراف بألم الآخرين ينتقص من عدالة قضيتها.
فالمأساة لا تمنح أحداً احتكاراً للإنسانية، والانتماء لا يعفي من المسؤولية، والذاكرة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإنكار حاضر الآخرين.
والسؤال الذي تتركه هورفيلور مفتوحاً يتجاوز حدود إسرائيل وغزة: هل يمكن للإنسان أن يظل وفياً لهويته وذاكرته، من دون أن يسمح لهما بمصادرة قدرته على رؤية الآخر؟
في منطقة تتنازعها الروايات والخوف والذاكرة، لا يقدم هذا السؤال حلاً سياسياً جاهزاً، لكنه يضع شرطاً أخلاقياً لا غنى عنه لأي محاولة للخروج من دائرة العداء: أن يكون الاعتراف بمعاناة الآخرين ممكناً، من دون أن يُطلب من أحد إنكار معاناة جماعته أو التخلي عن حقها في العدالة والأمن والكرامة.
