"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدثفيديوهات
تابعونافلاش نيوز

«الذكاء الاصطناعي لا يطرد الجميع... لكنه يعيد رسم خريطة الوظائف

نيوزاليست
الأحد، 11 أكتوبر 2026

«الذكاء الاصطناعي لا يطرد الجميع... لكنه يعيد رسم خريطة الوظائف

> لم تتحقق حتى الآن نبوءة الاختفاء الشامل للوظائف بالصورة التي خشيها كثيرون. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر قواعد سوق العمل، ويعيد رسم العلاقة بين الإنسان والآلة.

بدلاً من اجتياح البطالة الشاملة التي حذّر منها البعض، يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المهن والمهارات المطلوبة. لكن الخطر الأكبر قد يكون في اتساع الهوة بين أصحاب الدخول المرتفعة والعاملين في وظائف هشة، وفي تضييق فرص دخول الشباب إلى سوق العمل.

قبل سنوات قليلة، بدا أن الذكاء الاصطناعي يتجه إلى إحداث زلزال في سوق العمل، وأن ملايين الوظائف ستختفي أمام أنظمة قادرة على الكتابة والتحليل والبرمجة وإنجاز مهام كانت حكراً على البشر. ومع التسارع الكبير في قدرات هذه التكنولوجيا، تحوّلت توقعات الاستغناء عن الموظفين إلى أحد أكثر المخاوف حضوراً في النقاش الاقتصادي.

لكن الواقع، حتى الآن، أكثر تعقيداً من سيناريو الانهيار الشامل.

لم تتحقق حتى الآن نبوءة الاختفاء الشامل للوظائف بالصورة التي خشيها كثيرون. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر قواعد سوق العمل، ويعيد رسم العلاقة بين الإنسان والآلة.

في تقرير نشرته صحيفة «إل باييس» الإسبانية في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تناقش الصحافية كلاوديا بيريز مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن التأثير الأوضح حتى الآن لا يتمثل في اختفاء الوظائف بأعداد هائلة، بل في التغييرات النوعية التي تطال طبيعة العمل والمهام التي يؤديها الموظفون. وفي المقابل، تحذّر آراء الخبراء من أن التحول قد يعمّق التفاوت الاقتصادي والاجتماعي إذا لم تواكبه سياسات مناسبة.

بين النبوءات والبيانات

تاريخياً، أثار ظهور كل تقنية كبرى مخاوف من أن تحل الآلات محل الإنسان. رافقت هذه المخاوف الثورة الصناعية، ثم انتشار الأتمتة والحواسيب، وصولاً إلى الثورة الرقمية. وفي كل مرحلة، اختفت مهن أو تقلّص الطلب عليها، فيما ظهرت وظائف جديدة وتغيّرت مهارات مطلوبة في وظائف قائمة.

غير أن الاستناد إلى التاريخ لا يكفي لضمان تكرار السيناريو نفسه مع الذكاء الاصطناعي. فهذه التكنولوجيا تتقدم بسرعة، وتدخل مجالات كانت تتطلب مستويات مرتفعة من المعرفة والتخصص، من إعداد التقارير وتحليل البيانات إلى كتابة النصوص والمساعدة في البرمجة والأعمال القانونية.

ومع ذلك، لا تعني القدرة التقنية على إنجاز مهمة أن الوظيفة التي تتضمنها ستختفي تلقائياً. فقد تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي لتسريع العمل أو تحسين الإنتاجية، بدلاً من الاستغناء عن العاملين. وقد يؤدي انخفاض كلفة بعض المهام إلى زيادة الطلب على خدمات لم تكن المؤسسات قادرة على تقديمها بالحجم نفسه سابقاً.

لذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة تحولات مختلفة: اختفاء وظيفة كاملة، واستبدال بعض المهام التي يؤديها الموظف، وظهور وظائف جديدة نتيجة تغير احتياجات الاقتصاد. والخلط بين هذه الاحتمالات يجعل التنبؤ بمستقبل سوق العمل أكثر إثارة من كونه دقيقاً.

قد تنجز الخوارزميات جزءاً من عمل الموظف من دون أن تلغي الحاجة إليه. التحدي الحقيقي هو معرفة أي المهارات ستفقد قيمتها، وأيها سيصبح أكثر أهمية في الاقتصاد الجديد.

الوظائف لا تختفي بالضرورة، بل تتغير

من أبرز المفارقات التي يطرحها التحول الحالي أن بعض المهن التي اعتُبرت مهددة بالزوال لم تشهد بالضرورة تراجعاً في الطلب عليها. فالتكنولوجيا قد تنجز جزءاً من العمل، لكنها تخلق في الوقت نفسه مهام جديدة تتعلق بمراجعة النتائج، والتحقق من دقتها، والتعامل مع الحالات المعقدة، والإشراف على الأنظمة المستخدمة.

في المجال الطبي، مثلاً، تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي المساعدة في تحليل الصور والبيانات، لكن ذلك لا يعني الاستغناء تلقائياً عن الأطباء، الذين تبقى مسؤوليتهم مرتبطة بالتشخيص والسياق السريري واتخاذ القرارات. وفي المجال القانوني، يمكن للأنظمة تسريع البحث ومراجعة المستندات، من دون أن تلغي بالضرورة الحاجة إلى التقدير المهني وفهم الوقائع والمسؤولية القانونية.

وينطبق الأمر نفسه على البرمجة والإعلام والإدارة. فقد يتراجع الوقت اللازم لإنجاز بعض المهام، بينما تزداد أهمية مهارات أخرى، مثل التحقق من المعلومات، وإدارة المشاريع، والتواصل مع العملاء، واتخاذ القرارات.

لكن هذا التحول لا يخلو من الكلفة. فالموظف الذي أمضى سنوات في اكتساب مهارة معينة قد يجد أن جزءاً من خبرته أصبح أقل قيمة في السوق، وأن عليه تعلم أدوات جديدة أو الانتقال إلى مهام مختلفة. وقد لا تتوافر له الوقت أو الموارد أو الفرص اللازمة للتكيف بالسرعة التي تفرضها الشركات.

قد ينجز الذكاء الاصطناعي عملاً أكبر في وقت أقل، لكن ارتفاع الإنتاجية لا يعني تلقائياً تحسّن أجور الموظفين. فالمسألة تتوقف أيضاً على كيفية توزيع الأرباح والمكاسب بين الشركات والعاملين.

الخطر الأكبر: مجتمع أكثر تفاوتاً

إذا لم يكن اختفاء الوظائف على نطاق واسع قد تحقق حتى الآن، فإن ذلك لا يبدد المخاوف المتعلقة بمستقبل العمل. فالسؤال لا يتعلق فقط بعدد الوظائف المتاحة، بل أيضاً بنوعيتها، والأجور التي توفرها، والجهات التي تستفيد من زيادة الإنتاجية.

يحذّر عالم الاجتماع ريتشارد سينيت، في التقرير، من احتمال اتساع الفجوة بين وظائف النخبة ذات الأجور والمكافآت الضخمة، والأعمال المتدنية الأجر التي يزداد العاملون فيها هشاشة. وفي هذا السيناريو، لا تؤدي التكنولوجيا بالضرورة إلى بطالة جماعية، لكنها قد تعيد توزيع القوة الاقتصادية لمصلحة فئات محدودة.

فالشركات التي تمتلك النماذج المتقدمة والبيانات والبنية التحتية الحاسوبية تستطيع تحقيق مكاسب كبيرة من الأتمتة. كما يمكن للموظفين الذين يمتلكون مهارات نادرة أو قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمال عالية القيمة أن يحققوا مكاسب إضافية.

في المقابل، قد يجد العاملون في وظائف يسهل توحيد مهامها وأتمتتها أنفسهم أمام ضغط متزايد على الأجور، أو عقود أقل استقراراً، أو فرص محدودة للتقدم المهني.

وهكذا، قد يكون التحدي المقبل أقل ارتباطاً بانعدام العمل بصورة مطلقة، وأكثر اتصالاً بتوزيع ثماره: من يحصل على المكاسب التي تحققها التكنولوجيا، ومن يتحمل كلفة التحول؟

بين موظف يوظّف الذكاء الاصطناعي لزيادة دخله، وعامل يواجه تراجع الطلب على مهاراته، قد تتسع الفجوة الاقتصادية. الخطر ليس فقدان الوظائف وحده، بل أيضاً تراجع الأمان المهني واتساع التفاوت.

الشباب أمام سوق عمل أكثر صعوبة

تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الشباب والخريجين الجدد. فالكثير من الوظائف التي كانت تمثل مدخلاً تقليدياً إلى الحياة المهنية تعتمد على مهام أولية يمكن للذكاء الاصطناعي إنجاز جزء منها، مثل إعداد المسودات والبحوث الأولية وتحليل البيانات وتنظيم المعلومات.

وإذا قلّصت المؤسسات حاجتها إلى هذه المهام، فقد تتراجع فرص اكتساب الخبرة العملية التي يحتاج إليها الموظفون الجدد للانتقال لاحقاً إلى وظائف أكثر تقدماً.

وتنشأ هنا مفارقة: تطلب الشركات من الموظفين امتلاك الخبرة والقدرة على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنها قد تقلّص في الوقت نفسه الوظائف التي كانت تتيح للشباب اكتساب تلك الخبرة.

ولا يعني ذلك أن فرص العمل أمام الخريجين ستختفي، بل إن شروط الدخول إلى السوق قد تصبح أكثر صعوبة، وأن المنافسة ستتطلب مهارات تتجاوز الشهادات الأكاديمية وحدها.

كما أن القدرة على التكيف ليست موزعة بالتساوي. فالعامل الذي يستطيع الحصول على تدريب مستمر أو تغيير مساره المهني يملك فرصاً أفضل من شخص يفتقر إلى الموارد أو يعمل في بيئة لا تتيح له التعلم.

إذا تولّت الأنظمة الذكية بعض المهام التي كان ينجزها المبتدئون، فقد تصبح الوظيفة الأولى أصعب منالاً. وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يكتسب الشباب الخبرة إذا تقلّصت فرص التعلّم في بداية حياتهم المهنية؟

هل تستطيع المؤسسات احتواء التحول؟

لا يتوقف أثر الذكاء الاصطناعي على قدراته التقنية وحدها، بل يتأثر أيضاً بالقرارات التي تتخذها الشركات والحكومات. فالتكنولوجيا لا تفرض نتيجة اقتصادية واحدة بصورة حتمية، بل تفتح مجموعة من الاحتمالات التي تتحدد وفق طريقة استخدامها وتوزيع مكاسبها.

ومن هنا تبرز أهمية التدريب المستمر، بحيث لا يقتصر على إعداد جيل جديد من المتخصصين، بل يشمل العاملين الذين تتغير طبيعة وظائفهم. كما تبرز الحاجة إلى أن تتحمل الشركات جزءاً من مسؤولية إعادة تأهيل موظفيها، بدلاً من تركهم وحدهم في مواجهة التحولات.

وتشمل الخيارات المطروحة أيضاً تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، ومراجعة السياسات الضريبية بما يتناسب مع التحولات في توزيع الدخل بين العمل ورأس المال، إلى جانب مناقشة مقترحات مثل فرض ضرائب على بعض الأنشطة أو البنى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أو توفير حد أدنى من الدخل في حالات معينة.

لكن هذه المقترحات تثير بدورها أسئلة عن كيفية تطبيقها، وتأثيرها على الاستثمار والابتكار، والجهات التي ينبغي أن تتحمل الكلفة. ولا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الاقتصادات، خصوصاً مع اختلاف قدراتها المالية وأنظمتها الاجتماعية ومستويات اعتمادها على التكنولوجيا.

المهم هو ألا تتحول سرعة الابتكار إلى ذريعة لتأجيل النقاش بشأن حقوق العاملين وشروط انتقالهم إلى وظائف جديدة.

لن تحدّد قدرات الذكاء الاصطناعي وحدها مصير الوظائف. فالتدريب المستمر، وسياسات الحماية الاجتماعية، وطريقة توزيع مكاسب الإنتاجية ستؤثر في ما إذا كان التحول فرصةً واسعة أم مصدراً جديداً للهشاشة والتفاوت.

نهاية العمل أم نهاية شكله القديم؟

قد يكون السؤال عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف أقل فائدة من سؤال آخر: أي نوع من العمل سيبقى، ومن سيتمكن من الوصول إليه، وكيف ستتوزع مكاسبه؟

حتى الآن، لا تتوافر أدلة كافية للقول إن العالم دخل مرحلة اختفاء شامل للوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي. لكن غياب هذا الانهيار لا يعني أن التحول محدود أو أن المخاطر بعيدة. فالتغيرات قد تتراكم تدريجياً، وتظهر أولاً في الأجور وساعات العمل وفرص التوظيف، قبل أن تنعكس بوضوح على الأرقام الإجمالية للعمالة.

كذلك، لا يمكن افتراض أن الوظائف الجديدة ستعوض تلقائياً كل وظيفة تتراجع، أو أن العاملين سيتمكنون جميعاً من الانتقال بسلاسة إلى مهن مختلفة. فالتاريخ يثبت قدرة الاقتصادات على التكيف، لكنه لا يضمن أن تكون كلفة التكيف موزعة بعدالة.

لهذا، فإن نبوءة اختفاء الوظائف لم تتحقق حتى الآن بالصورة الشاملة التي روّجت لها بعض السيناريوهات الأكثر تشاؤماً. لكن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الآلات ستعمل بدلاً من البشر في بعض المهام، بل ما إذا كانت المجتمعات ستنجح في تحويل مكاسب الذكاء الاصطناعي إلى فرص أوسع، أم ستسمح بأن تتحول هذه المكاسب إلى مصدر جديد للتفاوت والهشاشة. فالمستقبل المهني لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل أيضاً القرارات الاقتصادية والاجتماعية التي سترافقها.

المقال السابق
خمسون عاماً على البانك: موسيقى التمرّد التي تحوّلت إلى مساحة للهوية والتضامن
نيوزاليست

نيوزاليست

newsalist.net

مقالات ذات صلة

لماذا يدمّر مراهقون مدارسهم القديمة في فرنسا؟

روابط سريعة

فيديوهاتللإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية